عندما قال المسلمون: ماذا سيحل بنا بعد “الليسيه” و”الإنجيلية”؟

 

منال نحاس|الثلاثاء13/11/2018

Almodon.com

مدرسة ليسيه عبدالقادر

حين هيمن خطر إغلاق مدرستَيْ ليسيه عبد القادر والإرسالية الانجيلية في زقاق البلاط، خلال ثمانينات القرن المنصرم، إثر موجة خطف الأجانب في لبنان، ساد ذعر أوساطاً بيروتية تقليدية: الخوف من خسارة ركن من أركان اجتماعهم المضمحل إثر تمزيق فصول القتال نسيجَ اجتماعهم وأشكاله.

فالبلد، وسط المدينة، صار موصداً في وجوههم وفي وجه عامة اللبنانيين، ولم تعد مسارحه، أي صالات السينما ومكتباته ودوائره الرسمية ومقاهيه وأسواقه، في انتظارهم، وصارت حكراً على المقاتلين أو “المسلحين”، على تسمية كثير من البيروتيين واللبنانيين المتقاتلين. فغلبت على صالات السينما هناك أفلام البورنو الإباحية. وصارت أخبار والديَّ عن الحياة هناك، في البلد، على مسمعي كطفلة، نتفاً من الماضي تشبه حياة لم تنقضِ وما زالت معلقة.

وليس هذا الماضي “الزمن الجميل” على ما يكتب كثر، بل هو صنو “عالم الأمس”، على ما وسم النمساوي ستيفان زفيغ سيرته الصادرة في 1943 عن العالم الذي شبّ فيه، قبيل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتمزقه واندثاره بعدها. فهو عالم بدا راسخاً، لكنه ما لبث أن تناثر وتبدد.

وصار لسان حال بعض البيروتيين، ممن شرّعوا بعض أبواب حياتهم على المدينة قبل الحرب، فارتادوا مرافقها الترفيهية والتعليمية والخدماتية: ماذا سيحل بنا (البيارتة وسكان المنطقة “الغربية”)، إذا ما خسرنا هاتين المؤسستين التعليميتين؟

وكان جواب بعضهم أنهم سيُتركون نهباً للأمّية أو لتعليم مدارس صارت من لون واحد، ولم تعد تعتدّ بدور اللغات الاجنبية، الفرنسية أو الانكليزية، مثل “المقاصد” يومها، قبل أن تعود بعد العام 2000 عن تجربة تعريب مناهجها في المرحلتين التعليميتين الابتدائية والمتوسطة، ومدارس أخرى أصيبت بُنيتها التعليمية بالوهن. وعمّ حزن سببه استشعار كارثة وشيكة، وخسارة ما تبقى لهم من بيروت ما قبل الحرب. وصار بعضهم يقول أن المسلمين لن يسعهم بعد اليوم متابعة تحصيل علمي “جيد”. وكأن القائلين خاسرون مسبقاً في سباق وتنافس مع الطوائف الأخرى، المسيحية على وجه التحديد.

وحين اشترى رفيق الحريري، المدرستين هاتين، نظر اليه كثر من البيارتة كمُخلِّص، في حين نظر شطر آخر منهم إليه على أنه يستكمل وضع اليد على “بيروتهم”. والى اليوم، بعد أكثر من عقد على اغتياله، ما زالت تتنازع البيروتيين، صورتاه هاتان، صورة المخلص وصورة “الآخِذ”.

والى اليوم، حافظت “الليسيه”، على نحو ما نبّه فادي طفيلي في مقاله “هدم ليسّيه عبد القادر: بيروت “الطبيعيّة” في عين العاصفة”، على سمة الدمج بين الجنسين، والتحرر من الزي المدرسي. وإلى وقت قريب، كانت هذه السمة موضع استهجان في المدارس المجاورة مثل “الحريري” و”المدرسة البطريركية” و”الإخاء” (الإسلامية – كفتاروية الولاء).

فرغم أن اختلاط الجنسين يجمع مدارس المنطقة هذه كلها، في ما خلا مدرسة مار يوسف للبنات، إلا أن الاختلاط في “الليسيه” هو أقرب الى الدمج والإقبال على التغيرات المدينية الطارئة المتخففة من تقييد البنات/الشابات بقيود المسافة في التعامل مع زملاء الصف الواحد والمدرسة. فتعيب ناظرة في المدرسة البطريركية على بنات “الليسيه”، معانقة الشبان من زملائهن و”الزنطرة” في اللباس، على خلاف الحال في “مدرستها” حيث ثمة خطوط غير مرئية تفصل بين الذكور والإناث في الصف الواحد، وهي خطوط تحاكي تلك التي في دائرتهم الاجتماعية الأكثر محافظة من نظيرها في الليسيه الآخذة بالاجتماع المديني المنفتح على سيولة العلاقات بين الاناث والذكور والندية والإلفة.

لكن الانجيلية البروتستانتية، على خلاف الليسيه عبدالقادر، خسرت أي اشارة الى ماضيها وإرثها التعليمي. فعلى بابها، عُلّقت لافتة تقول، “مدرسة الحريري الثانية – تأسست سنة 1986″، وكأنها بلا ماضٍ ولا تدين لإرث مؤسسيها بشيء، ولا حتى بإشارة رمزية. وشيئاً فشيئاً، غلب عليها تجانس طائفي أو مذهبي لم تعرفه من قبل، ومحافظة اجتماعية متصلبة تفصل بين “التعليم الجيد” والانفتاح على العالم وثقافاته وعلى الدوائر الاجتماعية الاخرى.

ومحو الماضي وشاراته نجت منه الليسيه عبدالقادر. ويعود الفضل في ذلك إلى الإبقاء على نوع من شراكة مع البعثة العلمانية الفرنسية، وعدم بتر الصلات بها. وكانت ليسيه عبدالقادر، حتى منتصف التسعينات، بعد حوالى عقد على استحواذ مؤسسة الحريري عليها، تقتصر على المراحل المتوسطة والثانوية، وكانت تستقبل تلاميذ مدرسة الليسيه فردان الابتدائية لمتابعة الدراسة في كنفها. وشيئاً فشيئاً، استقلت كل من المدرستين، فالمتوسطة والثانوية شيدت قسماً ابتدائياً، وأنشأت الليسيه فردان ما ينقصها من صفوف ومراحل: المرحلة المتوسطة والمرحلة الثانوية.

واليوم، شعرتُ أن عقارب الزمن عادت الى الوراء، حين سماع اللازمة نفسها عن خسارة “المسلمين” هذا الصرح التعليمي، وخسارة التراث العمراني القديم. لكن ثمة ما هو أبعد من ذلك في خبر مشروع تشييد “مول” تجاري محل المدرسة. فزقاق البلاط هي محلة نجت فيها منطقة المدارس وبعضاً من نواتها العمرانية القديمة، ولو كانت مهجورة (بيت مي زيادة وبيت أمين الريحاني وحتى قصر الساحر داهش…)، أو رثة ومتداعية ومتهاوية (البيّت الذي شبّت فيه فيروز) اليوم، من استشراء التمدد العمراني الفاره والمجوف.

فالمولات والأبراج السكنية تحل في المكان، وكأنها تهبط عليه، فلا تنسج أواصر اجتماعية معه ومع بنيته الاجتماعية التقليدية، وهي صروح مدينية باردة… تنصب “جداران على الجبل والبحر”. فسكان هذه الأبراج لا ينسجون علاقات بالمكان، وكأنهم عابرون فحسب في المدينة ولا يضعون فيها الرحال، ويتنقلون بينها وبين شقق أخرى في مدن بعيدة. فالأضواء في شققها تخبو في مواسم الترحال، على ما لاحظت صحيفة “الغارديان” في بعض أحياء لندن، وتتلألأ من جديد حين يعود سكانها إليها موقتاً قبل “الطيران” من جديد.

ويبدو أن حاجز الجيش اللبناني، الدائم واللصيق بمدرسة الحريري الثانية (“الانجيلية” سابقاً)، يفصل بين حيزين في زقاق البلاط، أو بين وجهين من وجوه الحي هذا: وجه مديني ينزل فيه من ليسوا بعد اليوم أصحاب شوكة، من السنّة والدروز والشيعة وبعض السكان المسيحيين “الأصليين”، ووجه قروي تنزل فيه حول الحسينية كتل عائلات شيعية نزحت الى زقاق البلاط أواخر فصول الحرب الاهلية، ويقاتل بعض أبنائها في سوريا، على ما تشي صور بعض قتلاها.

ومشروع “المول” التجاري في الليسيه عبدالقادر، إذا قيّضت له الحياة، هو بمثابة امتداد للطابع التجاري في شارع مار الياس القريب والمتصل بزقاق البلاط غرباً، من جهة، وامتداد لأبراج بدأت تنبت في المنطقة، ومنها البرج الذي يشيده جهاد العرب عند تقاطع زقاق البلاط مع حي كركول الدروز الذي صار اسماً على غير مسمى، فهو لم يعد منطقة درزية على ما يشي الاسم وعلى ما لاحظ وليد جنبلاط قبل سنوات قليلة.

وحال زقاق البلاط من حال بيروت في جزئها الغربي: تجاور واجهة أو متن، الحيز التجاري والمديني، مع هامش أهلي ينزل في بواطن الأحياء وزواريبها. على سبيل المثل، حي مارالياس التجاري، وهو الواجهة، وحي اللجا، وهو الباطن والهامش الأهلي والقروي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*