الرئيسية / home slide / عندما تحول “لقاء بعبدا” إلى استفتاء على الحكم

عندما تحول “لقاء بعبدا” إلى استفتاء على الحكم

عندما شكّل حسان دياب حكومته عقب استقالة حكومة سعد الحريري، وصفها الإعلام اللبناني بـ”حكومة اللون الواحد” نظراً للخط السياسي الذي انتهجته.

والمؤكد أن هذا الوصف كان مستمداً من خطوط ألوانها السياسية، كونها تألفت من “حزب الله” وتيار رئيس الجمهورية وحركة “أمل”، إضافة الى بعض العناصر المستقلة. وبسبب هذه “الخلطة” غير المنسجمة، استقبلها العالم العربي بالصمت الكامل، بسبب “حلف المقاومة” الذي تبناها وبدّل مسارها الوطني.

حقيقة الأمر أن الوعود التي أغدقها دياب على المواطنين بعد نيله ثقة المجلس، لم تكن صالحة لظرف انتهت مدته كالدواء الفاسد. خصوصاً أن حبال الإنقاذ التي رماها له الرئيس ميشال عون كانت مهلهلة كالإخفاقات التي جناها منذ تسلمه الحكم.

أولى هذه الإخفاقات تمثلت في الكلمة التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٢١ أيلول (سبتمبر) سنة ٢٠١٧. قال ما خلاصته “إن الأعباء التي يتحملها لبنان جراء الحرب الدائرة في سوريا تفوق قدرته على التحمل. خصوصاً أنه استقبل النازحين، وفتح لهم بيوته ومدارسه ومستشفياته، وسمح لهم بمشاركته لقمة العيش وسوق العمل، الأمر الذي ضاعف نسبة البطالة عندنا.” ثم استأنف الرئيس عون كلمته بالإضاءة على مشكلة الكثافة السكانية التي يعاني منها لبنان، فقال “جاءت موجات النزوح واللجوء التي أضافت اليه ما نسبته خمسين في المئة من عدد سكانه. وبما أن النظام السوري استعاد غالبية أرضه من المجموعات المسلحة، فإن الحاجة أصبحت ملحة لتنظيم عودتهم الى وطنهم، إضافة الى هؤلاء، فإن لبنان يتحمل أعباء لجوء نصف مليون فلسطيني هجروا من بلادهم بعد حرب ١٩٤٨.”

كان الرئيس ميشال عون يتوقع من الرئيس بشار الأسد تجاوباً سريعاً يريح معاناة لبنان، خصوصاً أن “حزب الله”، حليف عون، لعب دوراً مهماً في الحفاظ على النظام لا يقل أهمية عن الدور الذي لعبه الايراني والروسي. صحيح أن الأمين العام السيد حسن نصرالله يتطلع الى التضحيات التي قامت بها عناصر حزبه كواجب تفرضه وحدة المسار والمصير… ولكن الصحيح أيضاً أن مدير الشؤون السياسية والقنصلية في الخارجية اللبنانية غادي الخوري، وضع خطة للعودة تُنفَّذ تدريجياً. وقد حرصت الدولة اللبنانية على التنسيق مع سلطة دمشق بحيث أمنت المديرية العامة للأمن العام عودة خمسمئة شخص قصدوا بعض البلدات السورية. وقد تبين بعد حين أن ممثلة مفوضية اللاجئين ميراي جيرار تعارض عودة النازحين الى سوريا. وقد أثار رفضها حملة من التساؤلات المريبة، كونها أخفت السبب الحقيقي، ولم تكشف ما إذا كان قرارها جاء نتيجة ظروف إنسانية، أم أن النظام لم يعد راغباً في استرداد النازحين من لبنان وتركيا والأردن. ويُستدَل من حقيقة الموقف الغامض الذي اتخذه الأسد أنه عازم على التخلص من النازحين السنّة في حال قرر إيجاد حل مرضٍ للأقلية العلوية. هذا مع العلم أنه استعاد كامل السيادة تقريباً، إلا أنه لم يرسم بعد مع ايران وروسيا الصورة النهائية للجمهورية السورية الجديدة!

بقي أن نذكر أن تداعيات أزمة النزوح السوري على لبنان بدلت في ميزان القوى الداخلي وحرمت الطائفة الشيعية من امتياز الأكثرية. أي أن عددهم تعدى نسبة الأربعين في المئة من عدد السكان. لهذا السبب يعتمد الرئيس عون على حليفه القوي السيد حسن نصرالله في إيجاد مخرج لأزمة مصيرية بالغة الخطورة!

ملاحظة عابرة: في السابع من آب (اغسطس) سنة ٢٠١٧، صدرت مجلة “الصياد” بحديث لوزير الخارجية جبران باسيل تحت عنوان: “انطلقت الإشارة لحل ملف النازحين.” ثم يكمل: “نحن نرفض منطق الإتكال على الخارج لحل مشكلة النازحين. كما نرفض ربط عودتهم بالحل في سوريا.” الرفضان اللذان تبناهما صهر الرئيس ومهندس سياسته، عقّدا وضع النازحين وأقفلا سبل الخروج من أزمتهم الخانقة. ولوحظ في حينه أن الإعلاميين اتفقوا على إطلاق صفة “النزوح” على السوريين بغرض تمييزهم عن “اللاجئين” الفلسطينيين. والسبب أن النازح لغوياً هو الذي يغيب عن دياره، بينما اللاجئ هو الذي يهرب من بلاده ويلجأ الى بلاد أخرى. وهكذا تداخلت الأزمتان والحالتان لتشكلا أمام العهد مأزقاً محرجاً يتمثل في إضاعة هوية اللبناني داخل “الهويات القاتلة”! وكان من الطبيعي أن ينتج هذا التحول السريع انتعاش عمليات التهريب عبر حدود مشتركة تمتد على طول ٣٧٥ كلم تقريباً. وبسبب ضعف إجراءات المكافحة، وصعوبة ضبط المهربين، فإن المواد النفطية تتقدم تجارة البندورة والدجاج والدخان والملبوسات وغيرها من المواد الغذائية. كل هذا يتم بدافع الحاجة الى الدولار الاميركي، الأمر الذي يؤدي الى حرمان خزينة الدولة اللبنانية من ستمئة مليون دولار سنوياً .

الحدث الأبرز الذي شغله الرئيس ميشال عون يوم الخميس الأسبق، كان بمثابة استفتاء على اداء الحكومة والحكم. ومع أن دعوة اللقاء كانت خالية من جدول أعمال، إلا أن هدفها الأساسي تمحور حول فكرة الحفاظ على “السلم الأهلي”. وقد اختار القصر عشرين شخصية سياسية رأى في حضورها اختزالاً لقادة لبنان. ولكن عدد الحضور لم يتجاوز أحد عشر شخصاً بينهم رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان. في حين قاطعت اللقاء غالبية مسيحية وسنيّة، الأمر الذي أزعج “ميرابو” العهد جبران باسيل، وحثه على التعبير عن انزعاج عمّه بالقول: “من يعتقد أنه برفضه حواراً يعري حكومة أو عهداً، إنما يعري لبنان من جوهر وجوده، خصوصاً إذا كان هدف الحوار منع الفتنة.”

هذا الهدف البعيد لم يصوب عليه القصر الجمهوري بقدر ما تناوله السيد حسن نصرالله بالانتقاد والإدانة. ففي الكلمة الشاملة التي ألقاها قبل مدة قصيرة، أعلن أمين عام “حزب الله” استمرار حكومة اللون الواحد، محذراً من التحريض، الذي هو في نظره أخطر بكثير من قضية الاعتداء على الأملاك العامة لأنه يستحضر الفتنة! وفي مناسبة لقاء بعبدا كرر الرئيس عون كلام السيد نصرالله، وإنما بصيغة مختلفة قال فيها: “إن الدعوة تنطلق من التفلت الأمني والتوتر الطائفي والمذهبي، والعودة الى لغة الحرب البائدة التي دفع لبنان ثمنها غالياً في الماضي.”

العلاج الشافي الذي استحضره رئيس الحكومة حسان دياب للمناسبة الاستثنائية، تمثل في تذكير المواطنين بمسؤوليتهم الوطنية حيال مسؤولية حكومة “جاءت لتكشف بجرأة وشفافية أرقام الخسائر المالية المتراكمة في سياق خطة مالية إنقاذية هي الأولى في تاريخ لبنان.” وقد تبين للبنانيين أن خطة الإنقاذ التي تحدث عنها دياب لا تنقذ سوى الحكومة من غضب الشعب الجائع الذي يبحث عن أمواله وماضيه وكرامته داخل براميل القمامة. والملفت أن انتفاخ روح النرجسية لدى رئيس الحكومة لا يزاحمه في سوق المغالاة سوى الصهر جبران، الذي عقد مؤتمراً صحافياً أعلن فيه عزوفه عن وراثة عمّه في الرئاسة. كما استغل المناسبة أيضاً ليؤكد أنه في حال سقط مشروع “التيار الوطني الحر” لا بد أن تسقط الدولة… وبسقوط الدولة يسقط الوجود!

والمؤسف أن هذا الهراء ليس زلة لسان، وإنما هو جزء من خطاب مكتوب.

قبل دعوة الرئيس عون للقاء بعبدا، أعلن الخبير الاقتصادي هنري شاوول انسحابه من مسؤولية الاستشارة المجانية التي تبرع بها من أجل إنقاذ الوضع الاقتصادي المهترئ. وعلل قراره بعدم جدية الحكومة للتجاوب مع مقترحاته. ومثله فعل أكثر من عشرين خبيراً جاؤوا من مغتربي لبنان في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وسويسرا.

بين المقترحات التي أهملتها الدولة كانت فكرة دمج المصارف بغرض تخفيض عددها من ستين الى عشرين. ورأت وزارة المالية أن تحقيق عملية الدمج تحتاج الى إصدار قوانين تضبط إعادة هيكلة الديون وما يترتب عنها من شكاوى. والسبب أن الوزارة مضطرة الى إعادة النظر في مصير ٢٨ ألف موظف يعملون في القطاع المصرفي، والى إقفال عدد كبير من الفروع الداخلية والخارجية.

عندما هدد الرئيس الاميركي دونالد ترامب بمقاطعة كل المصارف التي تفتح حسابات لعناصر من “حزب الله”، هاجمه الحزب بشدة متهماً إياه بالجهل. وقال في رده أيضاً إن الحزب يتحاشى قطعياً التعامل بواسطة المصارف. وانحيازاً لهذا الموقف، كُتِبَت تعليقات مختلفة تشير الى حرص “حزب الله” على المجاهرة بدعم سياسة إلغاء النظام المصرفي في لبنان، والاكتفاء بنظام شبيه بالمؤسسات المالية الناشطة في ايران وسوريا. أي بوجود مصارف لا تتعامل بالدولار… ولا تخضع لقانون العقوبات الاميركي. ويبدو أن هذا الخيار سيكون المرحلة الأخيرة من وضع اليد على البلاد! 

صحافي لبناني