عمَ بحث نهرو في بيروت

سمير عطاالله
النهار
19092018

تحت عنوان “عودة الواحات إلى المدينة” عددت الأربعاء الماضي أسماء بعض الشخصيات العالمية التي كانت تأتي إلى لبنان، أو بالأحرى إلى العاصمة التي تكبره حجماً وسمعةً وتاريخاً، من الشخصيات العالمية التي كانت ترى في بيروت إحدى المنصات اللازمة في مسيرتها التاريخية. وقد أرسل إليّ الوزير الدكتور كرم كرم متفضلاً كعادته في قراءة أو مناقشة المقال، مقالاً كتبه المؤرخ الهندي فيجاي براشاد في مجلة “فرونت لاين” عن الزيارة التي قام بها جواهر لال نهرو العام 1960 لهذه المدينة من أجل إلقاء محاضرةٍ في الجامعة الأميركية. ما يلي من السطور حول هذا الموضوع منقول بأمانة عن المؤرخ. يقول:

“وصل رئيس الوزراء نهرو الى بيروت في 24 ايار 1960 على طائرة تابعة لسلاح الجو الهندي قادماً من اسطنبول. وقد أمضى نهرو أسبوعاً يتجوّل في شرق المتوسط في طريق عودته الى الهند من مؤتمر رؤساء حكومات الكومن ويلث في لندن وكانت أطول زيارة له إلى مصر حيث زار القاهرة والأقصر والسد العالي وقطاع غزة كما زار دمشق أيام الجمهورية العربية المتحدة متمتعاً برفقة صديقه ورفيقه جمال عبد الناصر.

وبدا أن اللقاءات مع عبد الناصر ترفع دائماً من معنويات نهرو فقد رأى في الزعيم العربي رفيقاً وحليفاً. وكانت آثار العدوان البريطاني الفرنسي الاسرائيلي على السويس لا تزال تلوّث الأجواء. وفي تشرين الثاني 1956 قال نهرو أمام البرلمان إن على الهند أن تحذر “الممارسة الوحشية للعنف وتجبّر القوى العسكرية المتفوقة ضد الدول الضعيفة. إن على كلِّ بلدٍ في آسيا وأفريقيا بصورة خاصة أن يتحسس هذا الخطر”. وكانت الهند قد شاركت في أول قوة دولية تابعة للأمم المتحدة أعلن بعدها أن على هذه القوة أن تسعى إلى حماية خطوط الهدنة القديمة بين مصر وإسرائيل.

“جاء نهرو الى بيروت لسببين. الأول كانت له ناحية تجارية. ففي منتصف الخمسينات حاولت البيوتات التجارية في الهند وكذلك الحكومة الهندية أن تدخل إلى السوق العربية عن طريق القاهرة ودمشق وبيروت. وقبل جولة نهرو بشهرٍ جاء وفد هندي إلى بيروت من أجل تسويق الحرير الهندي في المنطقة. فقد كان لبنان ذات مرحلة منتجاً كبيراً للحرير واشتهر حريره البلدي الأصفر خلال الاحتلال العثماني، ثم استمر في الإزدهار خلال الانتداب الفرنسي. لكن مع مجيء الاربعينات قام المزارعون باقتلاع كروم التوت وزرعوا مكانها أشجار الحمضيات (يمكن إلى الآن رؤية بقايا تلك الصناعة في متحف الحرير في قرية بسوس قرب بيروت) كان هذا ما اجتذب التجار الهنود. كما أنهم جاؤوا كما فعل والدي العالم 1956 لبيع الفحم الحجري الهندي إلى ميناء بيروت الآخذ في التوسع والذي صار أيضاً ميناء لدمشق والكثير من مدن المشرق.

“أما السبب الثاني الذي حمل نهرو الى بيروت فهو من أجل التباحث مع الحكومة اللبنانية لكي تقوم بدور الوساطة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على أثر انهيار العلاقات بينهما في القمة الأخيرة. كان لبنان قريباً من الولايات المتحدة وبسبب ذلك انتقده نهرو يوم سمح للاسطول السادس الأميركي بالدخول البلاد في العام 1958. وواضح طبعاً أن القوات الأميركية لم تُرسَل الى لبنان بسبب أحداثه التي كانت تحت التحكم الدولي، ولكن بسبب ما حدث في العراق والخوف من أن تمتد الثورة التي جرت هناك. الآن كان نهرو يأمل بأن يحثَّ الحكومة اللبنانية على استخدام جهازها الديبلوماسي الرائع لكي يُقنِع الولايات المتحدة بالعودة الى طاولة المفاوضات وبتخفيف التوتر الذي تزايد منذ أن أسقط السوفيات طائرة التجسس الأميركية واعتقلوا قائدها غاري باورز. غير أن مهمة نهرو وصلت في وقت غير مناسب. فقد تغيّر رئيس الوزراء للتو ولم تكن الحكومة الجديدة في مزاج يمكنها من التدخل لدى الأميركيين.

“طوال ساعة ومن دون العودة إلى أي سطرٍ مكتوب خاطب نهرو الألوف الذين احتشدوا في الاسنبلي هول وكان موضوع المحاضرة كالعادة أن العنف لا يؤدي الى السلام قائلا “في حياتي مزّقت حربان دمويتان العالم الى أجزاء متناثرة، فماذا نتج عنهما. لقد كان هناك انتصارٌ أدى إلى المزيد من المشاكل”. وقال نهرو إن المشكلة ليست فقط في الحرب بل هي في خطر الوقوع في فخ التكنولوجيا على أنها الحل لمشاكل العالم فهذه نقطة لا قيمة لها سوى أن تساهم في الثورة الأوسع في سبيل تطوير الإنسانية. وحذّر من مخاطر البرباغاندا قائلاً: “لا تستطيع أبداً أن تبنيَ جسراً بالشعارات”.

هذا هو ما جاء العام 1960 وتلك هي الأسباب التي جاء من أجلها. وفي مصادفةٍ كليةٍ التقيت بعد رسالة الدكتور كرم الوزير الدكتور شارل رزق. تحدثنا كالعادة في أمور الماضي والحاضر والخوف الكبير على المستقبل. وجئنا على ذكر سنغافورة وصانعها لي كوان يو، الذي تقدّم على الأرجح أي زعيم آخر في تحويل الأمم من مستنقع ليس فيه سوى الحشرات والموت إلى دولةٍ لا مثيل لها في أي مؤشرٍ من مؤشرات الدول. كان الدكتور رزق من أقرب الناس إلى الرئيس فؤاد شهاب وحاملي رسالته التغييرية. وذات يوم من 1962 استدعاه ليقول له إن رجلاً يدعى لي كوان يو من سنغافورة أرسل يطلب موعداً أو ترتيباً لزيارة لبنان. وقال الرئيس شهاب إننا لا نعرف شيئاً عن هذا الزعيم الجديد ولا عن الجزيرة التي يحكمها، لذلك أرجو منك أن تضع لنا دراسةً حوله. وبعد فترةٍ جاء الزعيم السنغافوري فاستقبله فؤاد شهاب في حضور شارل رزق، الذي لم يتجاوز آنذاك الخامسة والعشرين من العمر. لماذا جاء بطل المعجزة الآسيوية التي غيّرت وجه القارة برمتها، بما في ذلك الصين. قال الضيف: نحن في بلدٍ استقلَّ حديثاً ونبدأ الآن عملية تأسيسٍ صعبة. وتتألف سنغافورة من مجموعة أعراقٍ وإثنيات تكوّنت خلال مرحلة الإستعمار البريطاني. عندما كنت طالباً في اوكسفورد كنت أعجب دائماً بالتجربة التعددية في لبنان ولم يكن في ظني آنذاك الوصول إلى السلطة. وما أن وصلت حتى خطر لي أن
اكثر ما يفيدني في وضعٍ مثل وضعنا هو الاطلاع على مسار التجربة اللبنانية.
شكر الرئيس شهاب الرجل وودعه ثم التفت إلى شارل رزق وقال: ليته يكتفي بمعرفة التجربة اللبنانية عن بعد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*