الرئيسية / مقالات / “عمو” أبو خليل!

“عمو” أبو خليل!

لطالما سألته هل أنت في محبسة ناسك، أو أنت في واجهة حزب سياسي مناضل لوطن فريد إسمه لبنان، ولطالما ضحك وقال: المهم دائماً ان يكون المرء منسجماً مع قناعته وايمانه. لكن القناعة العميقة شيء من الغنى الداخلي، والتعفف المتعالي شيء من شهامة النفس، وفي كل من القناعة والتعفف شيء من الإرتقاء والنبل، حيث يكون دائماً للظل نور يضيء الدرب للعابرين، سواء أولئك الذين يعبرون في مسؤوليات الحزب العريق، أم أولئك الذين يعبرون من الحزب الى المسؤوليات الوطنية شهداء خالدين أو شهوداً عابرين!

هكذا أقول لك يا جوزف أبو خليل، وقد عرفتك زميلاً وعايشتك منذ نصف قرن صديقاً ونسيباً ورفيقاً مترفعاً. لقد حيرتني دائماً كما حيّرت في رقيّك “الله الوطن العائلة”، وأعرف أنك ستجد لك مكاناً رحباً في جوار شربل، الذي على نسكه عشت، وعلى طريقه مشيت، وعلى إيمانه بالوطن ناضلت، وقد جعلت لنفسك منذ سبعين عاماً محبسة وتواضعاً، وما توقفت للحظة عن العمل بوحي قناعاتك العميقة بلبنان بلداً مميزاً ورسالة فريدة للعيش الإنساني الذي يترجم سمو الأديان ورقي الإنسان.

جوزف أبو خليل لقد جئت وشاهدت، شاهدت كثيراً وجَهدت كثيراً، وها أنت ترتحل وانت ترى جيلاً من اللبنانيين، ينتفضون طلباً لوطن الفرادة والعيش الواحد الذي من أجله عملت وناضلت وضحّيت وحلمت وتمنيت وأفنيت عمراً في حزب الكتائب اللبنانية، الذي كتبت عنه في ٢٥ تموز الماضي أنه “أهم من وطن ولأنه في رقي رسالة، يجب ان يكون مشروع حياة وإرادة عيش واحد بين المسيحيين والمسلمين”، فبهذا آمنت دائماً لأن هذا العيش لا يترجم فرادة لبنان فحسب بل يعكس فضائل الأديان.

لقد جئت وشاهدت شاهدت كثيراً، وإذا كان الكتائبيون الذي عبروا من عندك جيلاً بعد جيل، صاروا يسمونك بحقٍ “عمو”، فيمكن جزءاً من تاريخ هذا البلد ان يرى فيك أيضاً “عمو”، حتى قبل عام ١٩٥٨ عندما كنت تذهب تسللاً لتسحب من جارور مكتبك المتواضع في الأشرفية مذياعاً بدائياً وتقول: “هنا صوت لبنان صوت الحرية والكرامة”، فينصت أهل الحي ثم ينصت البلد، قبل ان ينقض عليك المؤسس الشيخ بيار الجميل وتوقف الإذاعة، لأن لبنان في رأيه ورأيك ايضاً، لا يحتاج الى جبهة إذاعات، لكنهم ويا للمرارة، سيجعلونه بعد عام ١٩٧٥ في حاجة الى إذاعات كثيرة، وما هو أكثر من إذاعات، ولا حاجة إلى الإفاضة هنا ونحن في وداعك الحزين ترتحل عن عمر كرسته دائماً للبنان الواحد النبيل والديموقراطي والحر والسيد والمثال في هذا الشرق البائس!

مواضيع ذات صلة

لقد جئت وشاهدت كثيراً وحتى عندما تم تقطيع بيروت بالمتاريس والسكاكين، كانت لك صلاتك وإتصالاتك القوية والمحبة التي أعطتك هالة الإحترام والمحبة والتقدير الصادق في الجهة المقابلة وفيها مثلك متألمون لوجع لبنان.

جئت عفيفاً متعففاً وغادرت عفيفاً متعففاً، شيء من سوسلوف الكتائب وشيء من نسك قديس، وكثير من الركون الى الظل والتواضع، ربما لأن الضوء عادة يطلع من العتمة. “عمو” جوزف إفرد جناحيك وحلق حاملاً سلامي الى “الباش” والى بيار، والى جبران تويني طبعاً، والى جمهرة كبيرة من الشهداء القديسين الذين هيأوا لك إستقبالاً مفعماً بالضوء، ليبقى لبنان وطناً في فرادته صدقني!

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد