الرئيسية / home slide / “عمر الزعني القصائد الممنوعة”: توريط القارئ

“عمر الزعني القصائد الممنوعة”: توريط القارئ

31-01-2023 | 00:00 المصدر: “النهار”

“عمر الزعني القصائد الممنوعة”.

الدكتور قصي الحسين

“الزمن فينا، أم نحن فيه؟”، يتساءل #سمير عطالله، حين يسمع أن الناس يسألون هم أيضا، عن الزمن الذي عاش فيه #عنترة، فيقول: “الشاعر الفارس ولد وعاش وأبلى في عصره. ومات في عصره. أما الزمان، فكان قبله، وظل بعده. وسوف يظل مدى الزمان، أو مدى الدهر، أو الأزل”.
أقرأ في ديوان “#عمر الزعني القصائد الممنوعة” (تدقيق أحمد قعبور، دار نلسن): “إن قالوا حكومة لبنان/ أو قالوا جمهورية/ ما زال الشعب طفران/ الحالة هي هي./ الضرايب ضرايب/ والمصايب مصايب/ إن كانت حكومة أجانب/ وإلا حكومة وطنية/ الحالة هيه هيه”. لكأن “شاعر الشعب” (1898- 1961)، وهذا لقبه، يعيش في زماننا، ويشهد على مأساتنا ومأتمنا كل يوم، ويعاني الذي نعانيه، ويتألم ألمنا. حتى لكأنه واحد منا. ولو أننا وصلنا للعيش في الألفية الثالثة: “منحكي منشكي وشكوانا/ بتهز الكون/ ما حدا بيسمع دعوانا/ سمعان مش عون”.

عمر الزعني، الشاعر الذي كان غادرنا منذ ثلاثة أرباع القرن، لا يزال شعره شاهدا على الواقع المرير الذي نعيشه، وشاهدا في التاريخ، على ما حدث للبنان ولبيروت، طوال المئوية السوداء الآفلة: “كيف ما عملت/ ما بتخلص/ من البلية/ ما في مخلص/ في الحياة/ ما في مخلص/ في الممات/ بيقولوا هات”.

نقرأ على غلاف الديوان، ما يؤكد قولنا: “عمر الزعني/ شاعر الشعب سادس أعمدة بعلبك، مذيلا بتوقيع “الزعني الصغير7″، حيث يقول صاحب النص: “في الألفية الثالثة… وفي الشدائد والمصائب وعتمة الطريق، ما أحوجنا إلى نقطة ضوء وبصيص أمل يرشدنا إلى ما يساعدنا على الاستمرار في مسيرة حياتنا ويرسم لنا معالم الطريق، ليخرجنا من الظلمات إلى نور الحقيقة ومعرفة المفسدين الذين ينهبون ثروات البلاد وأموال العباد”.

يستحضر الديوان أكثر الأحداث ألما. بل رعبا. بل مأساة. حين يسلط الضوء على العنف المفرط، الذي كانت السلطة تستخدمه للإمساك برقاب الشعب، وجره إلى مذبحة، بل جره للعيش في المذبحة، كما يجري اليوم. ذلك الشعب العالق في شباك السلطة، التي بنت له مجزرة للسكن فيها، مثل سائر مواشي القصابين، ولا يستطيع الفكاك منها. يحاول عمر الزعني، للرد على السلطة الغاشمة، أن ينتقم لكرامته الجريحة، بالتهتك والسخرية من أصحاب الشأن، الذين يمارسون عليه، كل أنواع العنف المطلق، ابتداء من تجويعه وتسخيره وإذلاله، وصولا إلى جعله هزأة اليوم والغد بين شعوب العالم المتقدم: “ما دام أرضك ما بتغل/ النحس عنك ما بيحل/ وين بلادك رح تستقل/ وتشوف الخير يا شرن برن”.

يتساءل عمر الزعني عن أصول كراهية السلطة للشعب، عن جذور تلك الكراهية الضاربة في جسد السلطة، متمثلة بأربابها، وكيف أنهم لا يأبهون لشعب، يجر إلى مذبحة، دون شأفة أو رحمة.

لمن لا يعرف عمر الزعني، فهو إبن بيروت. ولد في الرمل الظريف، حي البطريركية، وأخذ دروسه الأولى من المدرسة التوفيقية، ومدرسة الشيخ أحمد عباس الأزهري، والكلية الإسلامية. نال شهادة البكالوريا العام 1913. تخرج من المدرسة الحربية بحمص سنة 1914. تابع دراسته في كلية الحقوق بجامعة القديس يوسف 1920، بمنحة، بل بسعفة من مؤسسة المقاصد الخيرية البيروتية. ونال منها شهادة المحاماة. ثم عمل مساعد قاض في المحكمة البدائية، حتى نفيه إلى البترون بحجة تأليب الشعب على السلطة وتحريضه على الثورة. فكان أن أجبر على ترك وظيفته، فانطلق في الشأن العام، فكان شاعر الشعب الذي يقارع الإستبداد والطغيان باللحم الحي، أينما كان، ولو على حساب عمله ورتبته ووظيفته التي يعتاش منها: “الناس بتسعى/ لكسب المال/ ونحنا منسبح/ في الخيال/ ومنتسابق/ في الجمال/ في الخلاعة/ والتلال”، “كأنه العقدة إنحلت/ والبركة علينا حلت/ والبلاد إستقلت/ وفاضت علينا الأموال/ ما عاد ناقص من الكمال/ إلا نفاخر بالجمال/ بالحدود/ بالقدود”.

أثناء دراسته الجامعية، نضجت موهبته في نظم #الشعر وكتابة الأناشيد وصياغة الأغاني، التي كانت توحي بها الأحداث الجارية في البلاد، كما التطورات الإجتماعية التي عاشها المواطنون، في بيروت وسائر العواصم والبلدان، فكان بذلك الشاعر المعارض، لأصحاب الشأن من المستبدين والإقطاعيين والرأسماليين والطغاة، أينما كان: “في إيد من فوقه/ بتمشي الجوق/ إن خالفوها/ بتشد الطوق/ بتشيل الريس/ بتحل المجلس/ بتهد أركانه/ من الأساس/ شو ذنب الدباس”.

إذا هي محطات في حياة شاعر الشعب البيروتي، ومحطات في حياة الشعب الذي كان يدافع عنه في كل أشعاره وأغانيه، ويفديه بروحه، في زمن الإستبداد والطغيان الذي لا يزال جاريا على الناس من زمانه حتى الآن. يمسرح العذابات، يغني لها ويحدو أمام عواصفها، ويصور النجاحات ويسجل الخسارات، ويماشي الهزائم والإنكسارات والإنتصارات، وسط صراع حضاري ووجودي مع السلطة.

أشعار عمر الزعني وأناشيده، إنما تورط القارئ في كراهية السلطة توريطا. فهو يصوغ نوعا من “التراجيديا”، من خلال التنديد بأعمال السلطة اليومية الكارهة للشعب، مما يجعل حياته أشبه بدراما كلية مع السلطة. كان يمارس كثيرا من المكر الشعري، حين أدرج شعره في سلسلة لا تنتهي من الموضوعات والمرويات، التي يمكن أن تؤلب الشعب وتحرضه وتورطه في دورة العنف مع السلطة. ارتضى المواجهة على الخنوع، فبرزت قصائده، كما مواقفه كلها، تشهد له بطول باعه، في صنع الحياة المختلفة والمواجهة المختلفة: “يا إله العرش/ ورب الأكوان/ ما عدنا نطيق/ ظلم وعدوان/ نفخ بالصدر/ وحط الميزان/ يا فتاح بركان/ يا هات طوفان/ يا بحر نيقور/ بالأرض تهز”.