الرئيسية / home slide / علوية صبح تعكس تشرذم الواقع اللبناني في «افرح يا قلبي»

علوية صبح تعكس تشرذم الواقع اللبناني في «افرح يا قلبي»

أبطالها عاجزون عن تحديد البوصلة وتصويب الاتجاه

الثلاثاء – 27 جمادى الأولى 1444 هـ – 20 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16093]

بيروت: فاطمة عبد الله

تفقأ رواية «افرح يا قلبي» (دار الآداب) ندوباً إنسانية تغور في العمق. كاتبتها علوية صبح مُحمّلة بآلام شخصياتها، سردها يدلّ على قواسم مشتركة في التشظّي الوجودي. من خلالهم تُبحر في يمّ متخبّط يعاند أحلام النجاة. ستة رجال، هم أخوة بالاسم وملاكمون بالفعل، يشكلون أبطالها المتقاذفة من أفواههم كتل نار، ومن أرواحهم تناقضات الكيان البشري. أخوة محكومون بالشرر، تحرّكهم نوازع ملتبسة نحو الاحتقان الدائم. يسارع الالتباس إلى إسقاط حجبه أمام واقعية أنهم انعكاس للبنان المتشرذم.
بطلها الرئيسي غسان، العوّاد الشغوف بالموسيقى، مصاب في صميمه بعلّة الهوية القاتلة. أخ بين خمسة أخوة آخرين تفتك بهم لعنة الجغرافيا. يعجزون عن تحديد البوصلة وتصويب الاتجاه. يسيرون بلا أرضية، أقدامهم في مهبّ الريح، لا تبلغ الأمان. حتى في الأقاصي، كباريس حيث يحطّ طارق، ونيويورك حيث يهاجر غسان، الانتماء منقوص ومُنغَّص.
إنها الجذور المريضة وهي تمتهن الافتراء على الأغصان؛ فتُسممها بالموت المبكر. قبل الأم والأب، تكمن تراكمات مجتمعية تترك أثرها في تركيبة البشر. تحفر علوية صبح داخل كينونة الإنسان المولود في رقعة مشتعلة. إسقاطاتها على غسان وإخوته، محاكاة لخناقات تؤججها دوائر اللهب، أكان مسرح السرد لبنان أم العراق المارّة على ويلاته من خلال طارق، المصوّر الصحافي المُنتَدب لتوثيق المجازر؛ أو أي بلد قتيل آخر يسير أبناؤه في جنازته.
يُحدث الأب بجبروته والأم بسلوكياتها الخانعة، في الأخوة الستة تأثيراً مدوياً، يزيد من عصفه تشنّج المزاج العام واضطراباته. ينشأ الشبان بين نقيضين في صورة الأب المجرّد من العطف: الانتشاء بأغنيات أم كلثوم وأمسيات السهر؛ والإفراط في الصرامة وتعنيف الأم، مع بخل في التعبير للأولاد عن الحب، تنجم عنه ترسّبات تحكم العلاقة المتلبّدة حيال الذات والآخر. الأم اختزال المرأة المسحوقة، تعضّ على الجرح، تبرر أفعال الزوج، ولا تشكو. انمحاؤها يغرس في الأبناء أسى أبديّاً.
كان جد غسان ملاذه، أورثه حب العود وبهجة الموسيقى. شكّل العلاقة الوحيدة المُصفّاة من غبار الربح والخسارة. كادت نور، حبيبة الطفولة، تنضمّ إلى الجد بروحانية الحب وطهارته، إلا أنّ لقاءهما بعد فراق يزيد على 25 سنة، تلازم مع شكوك مسّت هالتها وأهمدت حنيناً اشتعل طويلاً. صورة الأم أحدثت حفراً في مساحات النساء بحياته، فامتدّت يدها لترسم أشكالهنّ وتحدد مبررات الميل لواحدة دون أخرى، وأسبابه.
هل تقسو علوية صبح على شخصياتها حين لا تترك مجالاً للودّ بين الأخوة باستثناء علاقة غسان بطارق، المتأتية من كون الأول موسيقياً والثاني مصوّراً؟ هل الفن يُوحّد، فيما التطرّف المتمثل بالأخ عفيف، قاتل أخيه جمال استجابة لنزاع عقائدي، والتيه المتمثل بالأخ سليم، المتشظّي داخل جسد لا يشبه روحه، يميل إلى الأنوثة ولا يجرؤ على إعلانها، كالوهم البائس في رأس الأخ محمود وريث صورة أبيه المنعكسة في حبه الأخير لجيهان، وإصراره على الزواج منها، فيكون على شاكلته: نسخة رديئة عن فهم الرجولة.
السرد المحبوك كخيوط صوف متعانقة داخل كنزة تردّ البرد، هو ما يغفر القسوة ويُجمّلها. علوية صبح في فورة نضوجها الأدبي، تسبك الشخوص في قوالب تاريخية وسياسية واجتماعية ونفسية، تعبُر الخراب اللبناني إلى مصر في مرحلة عبد الناصر، والعراق بدموية حروبه، والأرض كأمٍ تخفق رحمها في توليد الذرّية الصالحة.
من أغنية أم كلثوم، «افرح يا قلبي»، تتخذ عنواناً لرواية يهبّ التمزّق التراجيدي من بين سطورها. شخوصها ضحايا الانتماء المستحيل، كأنهم في حالة حرب ترفض التوصّل إلى هدنة. أجسادهم في لبنان، وأرواحهم هائمة خارج وجودها المكاني والعاطفي. حتى نيويورك لم تنقذ غسان من شتاته. يعود إلى بلدته بعد هجرة طويلة ليؤكد أنّ المرء عليل جذوره ولا يكفي الرحيل للشفاء.
يحضر لبنان بتعافيه وأمراضه، بمجده وارتماءاته. هو الوجه الآخر لعائلة مؤلفة من ستة أخوة متحاربين وأب وأم لا تجمعهما ألفة. المكوّنات واحدة. بحبكة بانورامية مدهشة، تمرّ الكاتبة على محطات وتحولات في وطنها والمنطقة، أرخت بظلال ثقيلة على إنسانها. غسان وإخوته نماذج لأبواب الحوار المغلقة وآفاق الحلول المسدودة. نسخ مينيمالية عن عرض متواصل يتصدّر الأخبار ومواقع التواصل. علوية صبح تُركب «بازل» التناقضات البشرية قطعة قطعة، مُظهرة باكتمال مشهديتها، تمادي الفظاعة وجحيمية المصائر.
يقول إدوارد سعيد عن المنفى أنه «هوّة قسرية لا تنجسر في الكائن البشري وموطنه الأصلي، بين النفس ووطنها الحقيقي، ولا يمكن التغلّب على الحزن الناجم عن هذا الانقطاع». برأيه: «أياً كانت إنجازات المنفى، فإنها خاضعة على الدوام لإحساس الفقد». ما زواج غسان من امرأتين متناقضتين، الأولى أميركية بعمر أمه والثانية لبنانية بعمر ابنته، سوى تكريس للشروخ الموضّبة معه في الحقيبة، ولسخرية القدر وهي تقاصصه على مخزون ذاكرته، وما يسرح ويمرح في عقله الباطن. لا تحتفظ مفارقاته بفرديتها، لتصبح ضريبة جماعية يدفعها المشلّعون من الداخل، النازفون بالوراثة، والمُحمّلون ذنب العائلة والأرض والوجود.
يسافر غسان بعد مقتل أخيه، تاركاً وراءه الموت والدمار وعائلة تشبه وطنه بحروبها الصغيرة المُدمّرة. نقرأ: «طوال الطريق لم تغب نظرات أمه عن عينيه لحظة فارقها، وحاصرته وجوه إخوته. توتّر وفكّر كيف سيرتّبون كراهيتهم بعضهم بعضاً وصراعاتهم، وكيف ستخفي أمه دموعها بالسرّ في أكمامها ومحارمها وعبّها، أو بين أصابعها التي كسرها والده يوماً».
يعيد التاريخ نفسه على شكل ملهاة ومأساة معاً، فلا يجد مفراً من التشبّه بأبيه وتشرّب بعض خصاله. وبينما هو في الطائرة بين الأرض والسماء، والطبيعة في لحظة سخط شتائي، تنهال التساؤلات عن هويته ومصيره. إعلان انتمائه الأخير إلى الموسيقى يُهدّئ تشتّته ويُسلّم كيانه للكون الشاسع.