عكّار تحتضن الثقافة وتحتفي بالتنوّع : السينما في خدمة التنمية الريفية


يشاهد الجمهور السبت المقبل فيلم «مسافرو الحرب» لجود سعيدتكدّس النفايات، الفقر المدقع، الحرمان، الانتخابات…. لطالما ارتبطت صورة عكّار في أذهان اللبنانيين وغيرهم بهذه الزوايا السلبية وغيرها. فالمحافظة اللبنانية الشاسعة الثرية على صعيد التنوّع البيئي والنسيج الاجتماعي والثقافي، باتت تُختصر للأسف بآفات ناتجة عن لائحة طويلة من الأسباب لسنا في صدد مناقشتها الآن، لكنّها لا تعكس صورتها بأمانة. في الآونة الأخيرة، خرجت مبادرات عدّة من هذه المنطقة الشمالية تُسهم في التعريف بها وبطبيعتها الخلّابة وناسها الطيّبين وحاولت أن تحقق تغييراً، ولو بسيطاً، لناحية مركزية الأنشطة والفعاليات الرياضية والفنية والثقافية في المدن الكبرى، خصوصاً العاصمة.

قبل عام تقريباً، شهدت طاحونة موسى سماحة في القبيات سهرة عُرضت خلالها أفلام لبنانية قصيرة تتمحور حول الحياة الريفية، ضمن ملتقى «ريف، أيام بيئية وسينمائية»، بدعوة من الصالون الثقافي ومجلس البيئة وبالتعاون مع الجمعية السينمائية «بيروت دي سي» و«مهرجان طرابلس للأفلام».
يومها، كانت النيّة إقامة مهرجان يجمع بين السينما والبيئة والطبيعة والحياة الريفية، غير أنّ ضعف الإمكانات المادية حال دون ذلك. بعد الدورة «صفر»، يمكننا الآن القول إنّ المهرجان سينطلق رسمياً في دورته الأولى في السادس من أيلول (سبتمبر). بعدما هجرتها لقرابة أربعين عاماً، ها هي السينما تعود إلى عكار، حيث ستختلط كل العناصر التي أسلفنا ذكرها مع الفن السابع، لتشكّل صورة جديدة عن هذه البقعة من لبنان الشمالي، تكون «أكثر قرباً من واقعها الجميل والجذاب والمنوّع طبيعياً وجيولوجياً وبشرياً»، على حدّ تعبير النص التعريفي عن الحدث. 
على مدى أربعة أيام، سيتمكّن الحاضرون من المشاركة في رحلات إلى مواقع طبيعية وأثرية، وفي ندوات حول مواضيع بيئية مختلفة، بالإضافة إلى مشاهدة عروض أفلام تناقش قضايا بيئية وتلقي الضوء على قصص من الريف، مع حصة وافرة لعروض أفلام قصيرة وطويلة، وثائقية وروائية، لبنانية وعربية وعالمية. كما أنّ ستكون لعكّار بصمتها على صعيد الأفلام، إذ أنتج «ريف» تسعة شرائط وثائقية قصيرة أنجزها شبان وشابات من المنطقة انخرطوا في ورشة عمل سينمائية على مدى ثلاثة أشهر بعنوان «قصص من عكّار». سيتنافس هؤلاء خلال المهرجان من أجل الفوز بثلاث جوائز في النهاية. علماً بأنّ عروض فترة بعد الظهر ستجري في «المركز الثقافي الاجتماعي» التابع لبلدية القبيات، فيما تحتضن طاحونة موسى سماحة العروض المسائية.
قبل الاستفسار عن برنامج العروض، خصوصاً المسائية، سألنا المخرجة اللبنانية إليان الراهب عن كيفية تطوّر هذا المشروع والهدف منه. صوّرت رئيسة جمعية «بيروت دي سي» فيلمها الوثائقي «ميّل يا غزيّل» (2016 ــ 95 د) في القبيّات، لتعرضه لاحقاً لأهل البلدة والجوار في مطعم الشخصيّة الرئيسية «هيكل» بدعوة من الصالون الثقافي الذي يديره رئيس مجلس البيئة أنطوان ضاهر. «تفاعل الناس كان لافتاً، وأخبرني أنطوان (ضاهر) عن غياب السينمات والنوادي في عكّار كلّها، بعدما كانت موجودة في مناطق عدّة قبل أن تختفي بين 1975 و1985». وتضيف: «أخذت الفكرة بالتطوّر، وكانت لدينا رغبة في الإفادة من الصالون الثقافي والمجلس البيئي في سبيل إقامة حدث ثقافي ــ بيئي مع التركيز على الفن السابع، لا سيّما الأفلام التي تسلّط الضوء على الريف وقصصه». هكذا، في إطار سعيه إلى التعريف بالمنطقة ومقوّماتها الثقافية والبيئية ومأكولاتها التقليدية وعاداتها، سيشاهد الصغار أفلامهم (15:00) المختارة من إنتاجات عالمية ناجحة مترجمة إلى العربية، قبل أن يحين موعد الشرائط التي تطرح قضايا بيئية وتليها نقاشات (من بينها «أكثر من العسل» لماركوس أبهموف ــ 7/9 س: 17:00)، ثم الانتقال إلى أفلام القصص الريفية على شاكلة «مسافرو الحرب» لجود سعيد (7/9 ــ س: 19:30) و«واجب» لآن ماري جاسر (8/9 ــ س: 20:40) و«بيّاع الخواتم» ليوسف شاهين (9/9 ــ 22:30).

على مدى أربعة أيام، عروض أفلام، وثائقية وروائية، من لبنان والعالم


تشدّد الراهب على أنّ لا تحديات أساسية على صعيد التنظيم، «لكنّني أراعي حساسية بعض المواضيع التي قد يصعب تقبّلها بالنسبة لغالبية أهل المنطقة، كما أنّني أبتعد عن التعقيد والتجريب الذي يعدّ نخبوياً إلى حدّ ما وكذلك عن الأعمال التجارية البحت».
على الصعيد الشخصي، ترى إليان أنّ «ريف» لا ينفصل عن سعيها الدائم خلال مسيرتها المهنية للتوجّه إلى كل اللبنانيين: «لطالما عملت على عرض أفلام في كل المناطق، حتى أنّني لجأت إلى التلفزيون لأصل إلى أكبر شريحة ممكنة… التجارب في المناطق جميلة وممتعة دائماً، كما أن النقاشات أحياناً تكون أغنى من تلك التي تجري في بيروت… حتى في أفلامي، أحاول مخاطبة الجميع». وتتابع قائلة: «سنظل نساعد المجلس البيئي والصالون الثقافي في الاختيارات والاستشارات، لكنّ بالتأكيد سيكونان قادرَيْن على التنظيم بمفردهما في السنوات المقبلة».
بالنسبة إلى أنطوان ضاهر، من الضروري إبراز «الموزاييك العكاري» على مختلف الأصعدة واستثماره وتحطيم الصور النمطية والكليشيهات المجحفة بحق المحافظة وأهلها. السينما ليست طارئة على عكار، بل لطالما كانت موجودة فيها حتى العقود الثلاثة الماضية، وسكّانها يمكلون ثقافة سينمائية على عكس ما يعتقد كثيرون، و«الأجيال الجديدة معرّضة للمحتوى التلفزيوني باستمرار»، على حد تعبير ضاهر. الطبيب اللبناني يوضح أنّه «نريد طرح قضايا تهمّ المواطن العكاري وتمسّه، ونحاول انتقاء أعمال تهمّ الناس، وسنرصد درجة التجاوب… على أمل أن نسهم ولو قليلاً في تنشيط العجلة الاقتصادية، فحن قادرون على بناء اقتصاد يستند على الطبيعة العكارية والتنوّع البيولوجي والبشري الذي تتميّز به… علينا أن ننسف الفكرة السائدة بأنّ قليلي الحظ هم مَن ولدوا خارج المدن أو بعيداً عنها».

* مهرجان «ريف»: من 6 حتى 9 أيلول ــ القبيات (عكار ــ شمال لبنان). للاستعلام: 76/937237

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*