عكس “التيّار”: أبو سليمان ينتصر للعمّال السوريين والأجانب

وليد حسين|السبت29/06/2019
Almodon.com

يدرك وزير العمل مشكلة العمالة الأجنبية في لبنان ويعمل على حلّها بصمت (مصطفى جمال الدين)

كان وما زال الخوف أن تفرض الغوغائية منطقها على السياسة. أن تتحول السياسة اللبنانية إلى حفلة مزايدات شعبوية، مبتذلة وغرائزية، في تنافس محموم للمزيد من جماهيرية انتخابية ومكاسب نفوذ.
كان الخوف أن يضطر الجميع للانزلاق في غواية استسهال خطاب التحريض والشحن الطائفي والعنصري، واستثمار المقولات الكاذبة والضائقة الاقتصادية، من أجل صناعة كبش فداء أو عدو يسهل الانقضاض عليه.

بهذا المعنى، يسجّل لـ”القوات اللبنانية” تلك الاستقامة السياسية الواضحة في الخطاب وفي الممارسة، ويُسجل لها منذ عقدين على الأقل، جذرية خيارها الخروج من منطق الاحتراب إلى طموح العيش المشترك والدولة المدنية، ومصالحة البعد العربي.
عملياً أيضاً، يسجل لوزراء القوات اللبنانية العمل بصمت وجدّ، بعيداً عن ضوضاء وعراضات بعض الوزراء في التيّار الوطني الحر. فالأخيرون يحتلّون شاشات التلفزة بحملات دعائية وإعلامية لكل شاردة وواردة يقومون بها، حتى لو كانت أفعالهم أو “إنجازاتهم”، لا تستدعي أن تحتلّ خبراً بسيطاً في زاوية الصحف، وقد وصل الأمر بعضهم إلى عقد مؤتمرات صحافية للإعلان عن عزمهم “التفكير” بمشروع أو خطة ما، لا إطلاق المشاريع بحد ذاتها، التي ربما تستدعي الصخب الإعلامي.
إعفاء السوريين من إذلال سفارتهم
بعكس التيّار تسير القوات، حتى لو استدعى الأمر منها عدم مراعاة “رأي عام مسيحي” يجرفه “التيّار” إلى مناطق تصل إلى أعتاب عنصرية مقيتة. ولعلّ ما يقوم به وزير العمل كميل أبو سليمان يوضّح مدى “العناد” القوّاتي في التعاطي مع العمال السوريين من منطلق حقوقي، بعكس ما هو سائد في أوساط الكثير من اللبنانيين، لا المسيحيين حصراً، من أنّ العمال السوريين يسلبون الوظائف من أمام العمال اللبنانيين، وبأنّ كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها لبنان سببها اللاجئون السوريون.

في هذا الإطار أعفى الوزير أبو سليمان العمال السوريين من إلزامية الحصول على إذن خطّي من السفارة السورية كي يتسنّى لهم الاستحصال على إجازة عمل من وزارة العمل. أي عكس ما كان سائداً منذ العام 2012، حين كان السوريون ملزمون بالحصول على هذا المستند من السفارة للعمل في لبنان. ما يعني عملياً أنه إذا كان العامل معارضاً للنظام فهو لا يستطيع حتى تقديم طلب للعمل. وهنا تشير أوساط الوزير أبو سليمان لـ”المدن” إلى أنّ هذا الإجراء سيستفيد منه جميع السوريين. إذ سيسهّل ويبسّط الإجراءات عليهم للاستحصال على إجازة عمل، وسيفيد أيضاً في تنظيم العمالة السورية. وهذه هي مصلحة لبنان أصلاً. 
وبالتوازي مع هذا الإجراء، أطلق وزير العمل خدمة جديدة لتسهيل معاملات العمّال الأجانب من خلال تقديم الطلبات عبر “ليبان بوست”، وتشمل الحصول على طلبات الموافقة المبدئية والمسبقة وإجازة العمل. وهي خطوة تندرج ضمن الاصلاح الإداري الذي تعمل عليه الوزارة للحد من مشقّة تنقّل المواطنين وهدر وقتهم، وتؤمّن رؤية واضحة لمسار المعاملات وتوفّر إمكان تقديم الطلب إلكترونياً وسهولة تتبّع المعاملات أيضاً. 

مقاربة حقوقيّة
بعكس ما يتعرّض له السوريون من حملات عنصرية، تؤكّد مقاربة أبو سليمان عدم التحاق القوات بالتيار العنصري الجارف، ورفضها للمقاربة العنصرية ضد السوريين. بل تأتي مقاربتهم في إطار تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان، التي بدأها وزير العمل منذ تسلّمه الوزارة، إذ بات جميع أصحاب المؤسسات ملزمين بتأمين إجازات عمل للعمال الأجانب، كما تقول أوساط الوزير.

لقد تعاقب على وزارة العمل في السنوات العشر الفائتة وزراء من مختلف القوى السياسية ومن ضمنهم وزير للتيار الوطني الحرّ. لكن أحد منهم لم يضع تصوّراً أو خطة عمل لمكافحة العمالة غير الشرعية. بل على الضدّ ثمّة ممارسات كرّست حتى الاتجار بالبشر كما تقول أوساط أبو سليمان. لذا بدأ الأخير بمقاربة حقوقية للملف لتنظيم العمالة الأجنبية، بما فيها السورية، وجعل تواجدها قانونياً في لبنان من ناحية، وخلق فرص عمل للبنانيين من الناحية الثانية. فأرباب العمل باتوا ملزمين بعد انتهاء المهلة الممنوحة لهم، التي تنتهي في العاشر من الشهر المقبل، بتوظيف نسبة 3/1 من اللبنانيين وتسوية أوضاع العمال لديهم.
قد يعتبر البعض أن هذه الإجراءات عنصرية، لكن على العكس تماماً، جميع الدول تفرض تشغيل نسب معينة لصالح مواطنيها على حساب الأجانب. فالمطلوب حسب أوساط وزير العمل استفادة لبنان من العمال الأجانب وعدم الانجرار خلف العراضات العنصرية التي تقوم بها بعض البلديات وبعض الوزارات، كما شهدنا في الآونة الأخيرة على الأرض.

وقف الإتجار بالبشر
وعن عمل العمال الأجانب في قطاعات لا يسمح بها القانون اللبناني، الذي يفرض تشغيل الأجانب بوظائف مثل التنظيفات والزراعة وأخرى مشابهة لا يوجد فيها يد عاملة لبنانية كافية، خصوصاً أن السوريين يعملون في وظائف كثيرة، تشير أوساط الوزير إلى أن الهدف من تنظيم العمالة الأجنبية عدم إلحاق  الضرر بمصالح المؤسسات والاقتصاد الوطني. بمعنى أن بعض القطاعات أو المؤسسات لا تستطيع التخلي عن العمال الأجانب، بالتالي سيكون هناك استثناءات يفرضها الواقع، لكن على أساس دراسة هذه الحالات لتنظيم العمل وتوظيف اللبنانيين وعدم إلحاق الضرر بمصالح المؤسسات.
وفي هذا الإطار تعرّج أوساط الوزير على وجود إشكاليات ومخالفات يقوم بها بعض أصحاب العمل. إذ يتمّ التلاعب عبر استقدام عمال نظافة بينما يوظفونهم في قطاعات أخرى. وهذه حالة منتشرة وبكثرة. لذا تعمل الوزارة على وضع حد لهذا التلاعب واستقدام العمال طبقاً للمواصفات المطلوبة، في حال عدم وجود بديل لبناني. وهذا يلزم أصحاب العمل احترام القانون ودفع الرسوم المتوجبة، التي تفيد الدولة بمداخيل مالية إضافية من ناحية، وتوظيف اللبنانيين بشكل أفضل من ناحية أخرى. فأصحاب العمل يستسهلون توظيف الأجانب طالما أن بعضهم يتهرّب من رسوم الضمان الاجتماعي ورسوم إجازات العمل، وغيرها من الرسوم المتوجبة. لذا أوقفت وزارة العمل الرخص لبعض الشركات التي تستقدم العمال كيفما اتفق. 
وحالياً يتمّ دراسة الوضع بحسب المؤسسة. أي أنه عندما يطلب فندق معيّن عشرة عمال يبحث طلبه للتأكّد من أنه منطقي قياساً لحجم العمل لديه. فيما سابقاً، كانت بعض الشركات تستحصل على أذونات مسبقة لمئتي عامل دفعة واحدة، وترمي معظمهم في الطرقات، بعد تحميلهم جميع تكاليف القدوم إلى لبنان. وهذه عبارة عن عمليات اتجار بالبشر موصوفة، كما تقول أوساط الوزير.

العمل بصمت
لا يملك الوزير أبو سليمان عصاً سحرياً. فهو يعمل بصمت وتروٍّ ولم يلجأ إلى “العراضات” التي يقوم بها البعض لإقفال المؤسسات، رغم كون الأمر ليس من صلاحياتهم. فالوزير وفق أوساطه مدرك لصعوبة هذه المهمة التي تستدعي وجود تنسيق كبير بين الوزارات، خصوصاً أنّ وزارة العمل لديها ثلاثين مفتشاً فقط على الأرض. وبالتالي من مصلحتها التنسيق مع وزارة الاقتصاد لضبط المخالفات. ووزير الاقتصاد منصور بطيش متعاون في هذا الشأن، ومنزعج من تصرفات المحيطين به، وأكبر دليل على عدم موافقته على “عراضات” بعض مسؤولي وزارة الاقتصاد في الشارع، عدم تواجده على الأرض في كل المداهمات التي حصلت.

مؤسسة “الاستخدام”
يدرك وزير العمل مشكلة العمالة الأجنبية في لبنان. فهي مزمنة ولن تحلّ بالشكل المطلوب إلّا من خلال إعادة إحياء المؤسسة الوطنية للاستخدام، المعطّل دورها منذ مطلع التسعينيات. إذ تمّ استبدالها عملياً بمكاتب استقدام العمال الأجانب بقرار من وزير العمل الأسبق عبد الله الأمين. وترافق الأمر مع انتشار عمليات الإتجار بالبشر ووجود عمالة أجنبية غير شرعية. لذا كانت أولى الزيارات الميدانية لأبو سليمان إلى “المؤسسة” للوقوف عند واقعها الحالي. وهنا تؤكّد أوساط الوزير أن أبو سليمان سيعمل على تفعيل “المؤسسة” وتشكيل مجلس إدارة جديد، خصوصاً أن هذه المؤسسة معنيّة برسم السياسات المتعلقة بسوق العمل وتنظيم العمالة الأجنبية واللبنانية كونها بمثابة مساحة للتلاقي بين أصحاب العمل وحاجة سوق العمل للوظائف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*