الرئيسية / home slide / عظات وتأملات من كنيسة ضهور الشوير الإنجيلية: جورج صبرا في 53 نصّاً من التأمّلات العميقة المضمون والمفيدة

عظات وتأملات من كنيسة ضهور الشوير الإنجيلية: جورج صبرا في 53 نصّاً من التأمّلات العميقة المضمون والمفيدة

06-08-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

كلمة الله تكفي: عظات وتأملات من كنيسة ضهور الشوير الإنجيلية”.

محمود شريح

الدكتور #جورج صبرا في “#كلمة الله تكفي: عظات وتأملات من كنيسة ضهور الشوير الإنجيلية “(عن دار نلسن، في 358 صفحة من القطع الوسط) يُصدر ها هنا عظاته التي ألقاها في كنيسة ضهور الشوير الإنجيلية منذ 1995 وحتى الآن، نزولاً عند رغبة بعض أعضاء الكنيسة، وفي مقدّمتهم أستاذه نبيل رحّال، وهو أستاذي زمن الصبا الهانىء في فردوس بيروت منذ خمسة وخمسين بالتمام والكمال، وكما حثّني آنذاك على قراءة نهر الرماد للخالد الذكر خليل حاوي، أستاذه، وأستاذي فيما بعد، وموسم الهجرة إلى الشمال للطيّب صالح، فأعارني الديوان والرواية على مدى عطلة ميلاد 1968 وانقلبت الدنيا عليّ رأساً على عقب، ولمّا تزل، وإن كان ذلك الآن أشدّ وأدهى، فما شفيتُ من أثرهما؛ وها هو نبيل رحّال، طال عمره، يلحّ على د. صبرا بنشر هذه العظات احتفالاً في الذكرى الخامسة والعشرين لمعاودة الكنيسة اقامة خدمات العبادة فيها بعد نهاية الحرب الأهلية، فينشر منها مختارات من عظاته فيها إثر إعادة إحياء الخدمات الأحديّة فيها.

عن الكنيسة الإنجيلية في الشوير يُعلمنا المؤلّف أن واضع حجرها الأساس هو القسّ فريد عودة في أيلول 1959، إلّا أن الطقس الإنجيلي وفد إلى الشوير في عام 1874 مع انتقال كنيسة اسكتلندة الحرّة من سوق الغرب إلى الشوير، فجاء معها قسٌّ إنجيلي اسكتلندي يعاونه مراد بارودي وجرجس همّام فاستأجروا غرفاً في الشوير من عائلة رستم قرب كنيسة الروم وكانت هناك مدرسة بثمانية تلاميذ، أي ما يعادل، حسب ذاكرتي الواهية، عدد تلاميذ الكلية الإنجيلية السورية (الأميركية اليوم) ساعة تأسيسها في عبيه وقبل انتقالها إلى البطركية في بيروت بجهد المعلّم بطرس البستاني، النادر الوجود، والأرجح، في هذا الزمن العجاف، المنقطع النظير، صاحب محيط المحيط، القاموس الفرد، الذي كان أستاذي كمال الصليبي لا ينهض من مقعده إلا للتفتيش عن معنى مفردة فيه وهو واقف، ولا ينام ليلاً إلّا إثر قراءة صفحة منه، إذ وضعه على رفّ عنده إلى جانب الكتاب المقدس، بالطبعة الأولى لكليهما، والأرجح، والله أعلم، عام 1871.

ثم نهضت الكنيسة هذه على أرض في الشوير بدءاً من 1885 ويروي د. صبرا تاريخها الشيّق حتى 1959 حين وُضع حجر أساسها، ثم أُقفلت مع اندلاع حرب 1975 فتوقّفت الخدمات فيها حتى 1994 حين اتخذت عمدة الكنيسة الإنجيلية الوطنية في بيروت قراراً بإعادة تأهيل ومعاودة خدمات الصلاة فيها، فأُقيمت فيها خدمات شهرية صيف 1994 ثم انتظمت في خدمات اسبوعية بدءاً من 1995 ولا زالت مستمرّة بإشراف د. جورج صبرا نفسه.

عظات الدكتور صبرا دعوة إلى فهم الكتاب المقدس، فهو عنده كتاب الأسئلة الأساسية الموجّهة إلى كلّ منا، ومنطلقه أن الحياة المسيحيّة الحقّة ممكنة وضرورة، دون أن يغيب عنه الصراع الأبدي القائم بين شرّ وخير، ويشير إلى أن يسوع نفسه نسفَ العُرفَ المقدّس والمؤلّه في مجتمعنا الشرقي بأنّ العائلة ومصلحتها فوق كلّ اعتبار، فالحقيقة التي يدعو إليها صبرا هي نكران الذات، ذلك أن المشكلة كامنة في نفسيّة المرء الذي يستحوذ الطمعُ على قلبه، فمقولة بطرس ثابتة: “ليس لي فضّة ولا ذهب”، تماماً ثبات موقف المسيح من المال، أي ما أتْبعَه بطرس بقوله: “ولكن الذي لي فإياه أُعطيك”، وهنا عطيّة المحبّة مجانية، فلا رأسمال ولا من يحزنون، بل هي محبّة صرف، أي العطاء دون مقابل أو منّة، كما في فلسفة الأخلاق عند كانط وهيجيل، وحيث الدين وعي اجتماعي لمسار الكون، كما في قوانين السماء في حركة كواكبها، وكذلك على سطح المعمورة، فارتكز هذان العملاقان على نيوتن ولوثر وديكارت ومن هنا نسيج الدين خلاصة الفنّ والفلسفة والعلم، بمعنى أن النسَق الديني منهج أخلاقي، وفي هذا إلحاح د. صبرا في عظاته على أن الحياة المسيحية الحقّة هي للآخرين، كما في يوحنّا: “ليس لأحدٍ حبٌّ أعظم من هذا أن يضعَ أحدٌ نفسَه لأجل أحبّائه”. لعلّ عِظة المؤلف بعنوان “مار الياس”، قصّة وتأملاً، أخّاذة في عبارتها، فهي تدور على أمانة مار الياس وجرأته في قول الحقّ في وجه المتسلّطين.

في تقديمه لهذه العظات يرى القسّ الدكتور حبيب بدر، راعي الكنيسة الإنجيلية الوطنية في بيروت، أنها كنز أدبي وهي ثلاثة وخمسون نصّاً من التأمّلات العميقة المضمون والمفيدة والمكتوبة بلغة عربية سلسة وبأسلوب بسيط بعيد عن التعقيد، فأصاب القسّ د. بدر في وضعه عظات د. صبرا في مكانها الصحيح.

هذه هي “كلمة الله تكفي” النازلة من الشوير، والشوير عندي بمعزلة الميتافيزيق والمطلق، فمنها أنطون سعادة، زعيمي، فكراً وممارسة وفيها عرزاله مزارنا، ودستوره شرعنا ومحجّتنا، ومنها أستاذي خليل حاوي، ومنها ميّ اسكندر حريق بنت صفّي بدءاً من 1968 ومن هنا تسمية ابني اسكندر ولها عليّ فضلٌ واسع فهي أول من دعاني إلى الشوير فرأيتها عند صنين وشموخه فلا عجب ان وقف حاوي عند سفحه وقال: “دون مطلّي ترتمي مدينة العناكب وترتمي المناصب” وهذا في 1978 فما بالنا اليوم وحالنا الساعة وقد شاع البحث عن الجاه والثروة بنهم وجشع لا سابقة تاريخية له! أمّا سعادة فهو صاحب القول الفصل في ماهيّة الدين إذ أعلن في أثره النفيس الإسلام في رسالتيه المحمدية والمسيحيّة أنه بجمود الشرع عن طريق الدين الموسوي جمدت الفلسفة المناقبية وبُطل مبدأ الفيلسوف السوري الكبير زينون القائل بأن الفكر أو العقل هو جوهر الحياة الإنسانية، أي ما أعلنه الزعيم في محاضراته العشر: أن العقل في الإنسان هو الشرع الأعلى والشرع الأساسي.

يهدي د. صبرا كتابه إلى إبنتيه ماريا وجوليا ما ذكّرني أني درّست ماريا منذ عقدين في أميركية بيروت ثم انتقلت من اختصاص التاريخ إلى التمريض، ولا عجب، ففرخ البطّ عوّام، فكيف يُؤرخ وكمال الصليبي خرج من المدينة؟