الرئيسية / home slide / عصف الجميزة لم يقل عن عصف المرفأ

عصف الجميزة لم يقل عن عصف المرفأ

تساءل مسؤول اجنبي عشية وصول الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى بيروت ماذا لو ان الرئيس ميشال عون عمد بعد الانفجار الكارثي الذي الم بالعاصمة الى توجيه الدعوة الى قيادات البلد وزعاماتها للالتقاء على نحو طارىء للتفكير سويا في سبل مواجهة الزلزال وتوجيه رسالة الى اللبنانيين عن التقاط لحظة مصيرية خطيرة من اجل تجاوز الانقسامات ووضع مصلحة البلد في المقدمة؟ . كان يمكن ان يحرج الجميع حتى اذا اعتذر اي مسؤول فان ذلك سيكون في خانته وسيتحمل مسؤولية اعلائه حساباته او خلافاته على مصلحة البلد في لحظة خطيرة، فيما يظهر رئيس الجمهورية لو قام بهذه الخطوة ارادة على الرغبة في وقفة تضامن وطنية وارادة تغيير في ما تبقى من عهده. يقول هذا المسؤول الدولي ان ما يغير التاريخ احيانا هو كلمة او صورة لم يسمعها اللبنانيون ولم يروا اي شيء منها من اعلى السلطات لديهم فيما انه في التقاليد اللبنانية ينسى الناس خلافاتهم ويلتقون في حادث موت او مأساة. ولكن تم تفويت ” المومنتم” او اللحظة المناسبة واصبح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في اليوم التالي هو الحدث. التقط هو المومنتم . قطف اللحظة لبنانيا وفرنسيا على الارجح واوروبيا كذلك. جاء الى بيروت. نزل بين اللبنانيين واستمع الى شكواهم ومعاناتهم متأخرا عن لقاءاته البروتوكولية في قصر بعبدا. اعطى وقته للناس الذين هللوا له على رغم وجعهم متسائلين في الوقت نفسه عن غياب الرئيس اللبناني عن النزول الى الشارع كما فعل ماكرون الذي استمع الى انتفاضتهم التي لم تمت على رغم محاولات القوى السياسية طمسها وتجاهلها ايضا. هذه الانتفاضة سمعها الخارج وسمعها ماكرون بالمباشر. لم يسبق ان حصلت انتقادات بهذه القسوة لرئيس جمهورية مسيحي، وليس اي رئيس مسيحي، من شارع مسيحي امام رئيس اجنبي، وفق ما رأى مرجع لبناني سابق. كما لم يسبق لرئيس اجنبي ان طمأن اللبنانيين الى ان المساعدات ستصل مباشرة الى اللبنانيين ممن يحتاجون الى هذه المساعدات وليس الى المسؤولين الفاسدين بعدما اشتكى الناس الى ماكرون فساد اهل السلطة وعدم الثقة بهم. توقع هذا المرجع ان يتصل المسؤولون بماكرون بينما هو في الجميزة لكي يلغوا اللقاء معه لانهم قدموا استقالاتهم في ضوء انتفاضة اللبنانيين امامه. لم يحصل ذلك. وذلك فيما وجه الرئيس الفرنسي رسائل واضحة ” ان ازمة لبنان سياسية اخلاقية وحواري مع السياسيين من اجل تحميل المسؤولية”. برر زيارته مرارا وتكرارا بانها من اجل الشعب اللبناني ودعم اللبنانيين مباشرة وليس عبر الدولة مشددا على انني ” لست هنا لدعم النظام او الحكم او الحكومة” . استبق هذا الكلام وتأكيده ان لبنان ليس وحيدا وانه سيطرح مبادرة تقضي بالذهاب الى اتفاق جديد، اللقاء مع اهل السلطة حين سمع صراخ اللبنانيين المنتفضين ان لا ثقة لهم بالدولة واركانها. فلا اي تحقيق يمكن ان يشفي غليلهم ولا ايضا اي مواقف بوعود من اي نوع كانت. قدم لهم مواساة لم يقدمها لهم المسؤولون القيمون على البلد الذين تعاملوا مع الكارثة ليس باستقالة جماعية او فردية وفق ما تقتضي كارثة من هذا النوع حيث تتطاير رؤوس المسؤولين في كل المواقع في لحظات بل كما عمدوا الى المعتاد في مواجهة اي ازمة باجراءات لا تقدم اي اجابة شافية.الكارثة بهذا المستوى فقط ولا يجوز ان تحيد النظريات حول ما حصل النظر عن الاهمال والتقصير وقصر النظر وقلة الوعي والفساد .

يقول المسؤول الدولي ان فرنسا اظهرت بعمق مدى جديتها واهتمامها على رغم يأسها من القوى السياسية الحاكمة . هذا كان موقفها قبل كارثة الانفجار واكثر من بعده. وعلى رغم الكلام القاسي الذي وجهه وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان حين زيارته لبيروت قبل اقل من اسبوعين، فان فرنسا لا تضغط على لبنان بل تضغط من اجل مساعدته. وقد تكون فرنسا وحدها مع الفاتيكان المؤثر من حيث دوره من يهتم للواقع اللبناني فعلا. ولذلك فان زيارة ماكرون ليست اقل من خشبة خلاص بات لبنان ككل احوج ما يكون اليها ولا سيما السلطة بالذات المشرذمة والضعيفة والفاقدة اي صدقية كما اللبنانيين. فهناك دول تهتم بلبنان ولكل ليس كفرنسا التي يترك لها عادة رعاية هذا الحرص علما ان التعاطف قد لا يغيب عن دول اخرى والتفهم كذلك ويمكن للبعض منهم كالولايات المتحدة مثلا ان يتحدثوا سلبا من دون ان يكونوا كذلك في العمق لانهم لا يريدو تعطيل لبنان او عدم فاعليته. والرهان بدأ ليس على المساعدات التي قالت باريس انها ستقدمها فحسب بل في البداية الرهان على تحقيق قالت انها ستجريه هي حول ما حصل نتيجة سقوط عدد من الرعايا الفرنسيين في الانفجار. فلا ثقة للبنانيين باي تحقيق تجريه السلطة حتى لو صادف انها تقول الحقيقة، والقوى السياسية في المعارضة عبرت بصراحة عن الحاجة الى تحقيق دولي. الامر الذي لا يقل اهمية هو ما يتصل باقتراحه اجراء ميثاق جديد ستثار اسئلة كبيرة حوله وحول امكانه سيما وانه سيعني انخراطا فرنسيا في مساعي سياسية داخلية وربما خارجية من اجل ذلك في ظل علامات استفهام كبيرة حول ما اذا كانت الصدمة المؤلمة والكارثية التي حصلت ستكون بمثابة صدمة كهربائية تستفيد من ظرف استثنائي بحيث يساهم في تغيير المعادلة القائمة. فالواقع المستجد وعلى رغم مكابرة اهل السلطة يفيد بان الحكومة استهلكت لدى الرأي العام وباتت مشرذمة ولا تتمتع باي صدقية او تجربة تسمح بان تتعلم السياسة وتكتسب التجارب عبر اللبنانيين. ولا يعتقد كذلك انها تستطيع ان تذهب الى اي اجراء اصلاحي في ظروف مماثلة وتاليا الى البدء في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

فتح الزلزال الذي لم يقل عن مفعول قنبلة نووية لمن زاروا المرفأ والذي كلف اللبنانيين مئات الضحايا والوف الجرحى وخسائر مدمرة الباب على مرحلة جديدة. لن تعود الامور كما كانت قبله.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb