عصر اللامنطق

 

منير الربيع|السبت13/10/2018

Almodon.com

المستغرب هو صمت الحلفاء عن الغاء لقاء سيدة الجبل (الأرشيف)

كثير من اللامنطق يتحكم في منطق السياسة لبنانياً وعالمياً في هذه المرحلة. كل ما تشهده الساحة الدولية فيه كل ابتعاد عما هو طبيعي. وما يجري ليس إلا تطورات غير طبيعية وغير مسبوقة. أن يصل لبنان إلى حدود مرحلة إلغاء اللقاءات السياسية ومنعها. أن يتحدث رئيس تيار سياسي لبناني عن مصالحة بين فريقين بوصف أحد أطرافها بأنه إذا ما استطاع مسامحة قاتل والديه فسيسامح من أخذ منه الرئاسة. وأن يتحدث رئيس “أقوى دولة في العالم” بهذا الشكل مع المملكة العربية السعودية لناحية تهديدها بأمنها لقاء دفع المال. وأن يختطف صحافي من إحدى القنصليات ويختفي أثره وتدخل قضيته في سجال سياسي. وقبلها يستقيل رئيس حكومة من عاصمة دولة أخرى، ولا يخرج منها إلا بوساطة دولية بعد القول إنه مختطف. لا شك أن في ما يجري نوعاً من الجنون الجمعي العالمي. عظائم الجنون تتجلى في سوريا، التي يلهث كثر إلى التطبيع مع نظام فيها قتل أكثر من مليون وهجّر أكثر من نصف أهلها.

يدخل العالم في نفق اللاحساب. يتقدّم الزمن في تقادمه. في زمن اللامنطق هذا، تتفرّع أصناف من الدول والجماعات البشرية بمختلف طبقاتها. دول مهمّشة وشعوب مهشّمة. دول يقودها منطق المقاولة. وأخرى لا منطق فيها غير الموت أو التغييب. كتغييب الناس عن حياتهم، او تغييب قضاياهم وما يريدون الشكوى منه او نقاشه. لا يستطيع لبنان العودة في الزمن إلى الوراء. الأكيد أن كثراً يتمنون الرجوع لا التقدم، حيث كانت امكانية الحياة متوافرة، من أدنى مقوماتها في المرافق العامة، كالخدمات البديهية والأولية، إلى الحياة السياسية. ولكن، حتّى هذا أصبح ممنوعاً عليهم.

يمثّل لبنان تجسيداً مصغّراً لواقع عالم اليوم. هي المنازلة بين منطقين. إما الدخول في مساومات وصفقات، أو الركون على هامش النسيان والتهميش. إما السير في ركب الموجة أو الخروج من دائرة الضوء والإفادة. وهذا منطق سياسي يتطابق مع مبدأ دعه يعمل دعه يمرّ في أحد أشكال تطوره. دعه يسير في الركب ليبقى، ومَن لا يسير لا بقاء له. من خطة الكهرباء إلى غيرها. إما أن يسير المعترضون فيها او وجبت محاصرتهم في الحكومة وفي الوجود السياسي. المنطق هذا يتمدد ويتوسع منذ الانتخابات النيابية.

لا يمكن فصل الواقع اللبناني عن واقع العالم. فالبقاء للأقوى والأشره والأشرس. البقاء للأسد الذي ارتكب أعظم النكبات منذ الحرب العالمية الثانية. والبروز لمن يدمّر جغرافية بلد ويشلّع ديمغرافية سكّانه. حال التحاصص والتقاسم في لبنان على مكاسب ومغانم، تلاقيها حال أخرى من التقاسم فوق الأراضي السورية. جزء للروس وآخر للأتراك، وسط للإيرانيين وشرق للأميركيين، وحدهم السوريون لا يجدون حصتهم ولا مأواهم. ولا العرب يدخلون ذلك في حسبانهم.

للمرّة الثانية منع عقد لقاء سيدة الجبل في أحد فنادق بيروت. يتحدّث البعض عن أشباح. ليس تفصيلاً أن تمنع خلوة سياسية في بلد كلبنان. الرسالة واضحة: زمن الأول تحوّل. لا مجال للترف بالنسبة إلى المتحكمين. والعمل السياسي من خارج أطر محددة بالنسبة إلى هؤلاء نوع من الترف الممنوع، والذي لا حاجة له ولا داعي له. يتّهم القيمون على لقاء سيدة الجبل حزب الله بمنع عقد الخلوة. لكن الأكيد أن ليس الحزب هو من يمنع هذا اللقاء. في أيام أصعب وأسوأ من هذه الأيام لم يمنع حزب الله مثل هذه الأنشطة واللقاءات. هو أذكى من ذلك، وينظر إلى نفسه بأنه أصبح في مكان خارج هذه التفاصيل اللبنانية الضيقة.

الأمر متروك لجهات أخرى، هي التي تتولى المنع والقمع والالغاء، وقد تتلطى خلف الحزب لأن جسمه لبّيس. من غير المعروف حتى الآن من هي الجهة التي تقف خلف إلغاء المؤتمر، ولكن الأكيد أن عصر الجنون يحمل ما لا يمكن توقّعه. إذ سيتفاجأ هؤلاء بالجهة التي منعت المؤتمر، وربما هي مؤلفة من حلفاء سابقين ساروا في الخطّ نفسه مع المؤتمرين. لمنع اللقاء غاية واضحة، وهي منع العودة في الزمن إلى الوراء. منع تشكيل حالة او فكرة اعتراضية على غرار ما كان الوضع عليه في حقبة إميل لحود. هناك من يريد أن يقول إن الاعتراض ممنوع، لأن تشكيل جبهة معارضة للتسوية القائمة أمر ممنوع. قد يكون مفهوماً حرص العهد على عدم عقد هكذا لقاء يحمل عنوان مواجهة الوصاية الإيرانية. وربما تبرير الرفض جاهز بأن القبول بهكذا عنوان يعني القبول ضمناً بوجود وصاية إيرانية على البلد. لكن، ما لا يمكن أن يفهم، هو اشتراك طرف آخر وأساسي في التسوية القائمة حالياً بالصمت والموافقة على إلغاء المؤتمر، وربما التوجيه في الغائه. والمستغرب أكثر هو صمت قوى آخرى عن هذا الالغاء بدون تسجيل أي موقف اعتراضي. الغاء المؤتمر يندرج في سياق سياسة إما السير بالتسوية او الإلغاء. وهذا مجدداً تجلّ لمنطق زمن اللامنطق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*