الرئيسية / home slide / عشر سنين على غياب المؤرّخ كمال الصليبي: ماذا وكيف ولماذا؟

عشر سنين على غياب المؤرّخ كمال الصليبي: ماذا وكيف ولماذا؟

20-04-2021 | 00:00 المصدر: النهارسليمان بختي

كمال الصليبي.

 عرفتُ المؤرخ الدكتور #كمال الصليبي من كتبه وشهرته المبكرة اثر صدور كتابه “تاريخ لبنان الحديث”. لكنني تعرفت اليه عن قرب في منزل الروائي الراحل يوسف سلامة في بيروت وكان ذلك في بداية التسعينات. منذ ذلك الوقت لم ينقطع الحوار ولا اواصر الصداقة بل ازدادا مع الزمن عمقا وتعاونا وثمارا. وهو، بما يمتلك من مزايا انسانية تواصلية نادرة ومرهفة، كان يعرف كيف يحيي الصداقات ويحميها.  اجريت عام 1994 حوارا مطولا معه ضمنته كتابي “اشارات النص والابداع” (نلسن 1995) وكان آخر حوار اجريته معه لملحق فلسطين في جريدة “السفير” في 18 تشرين الثاني 2010 وكان حول مفهوم دولة اليهود. وفي كل مرة كان يدهشني بغنى ذاكرته وتناسقها وبمنهجه التفكيري الموضوعي ودقة معطياته. وفي كل مرة كانت الاجوبة تقود الى الاسئلة. وهكذا. اعطى كمال الصليبي جذوة روحه وحياته لقضية البحث التاريخي العلمي الدقيق والمسند بالاثباتات والشواهد، كذلك للاصرار على كتابة تاريخ لبلادنا (كان يحب كلمة بلادنا) خارج الاساطير والقناعات المسبقة والغايات الموضوعة.  جمع في تجربته المعايير الاكاديمية الدقيقة والاصالة والجرأة والربط المعرفي المفتوح الافق. لذلك تميزت كتاباته وابحاثه في التاريخ اللبناني والسوري والعربي وتاريخ التوراة، بالرصانة والشمولية والجدية والعمق. في السنوات الاخيرة من حياته كان تعاونٌ تجلّى في نشر كتب له عن دار “نلسن” التي اتولى مسؤوليتها، بدأت مع “بيروت والزمن” (2005) و”سوريا في ظل العصور الاسلامية” (بالانكليزية، نلسن 2005) و”تاريخية اسرائيل التوراتية” (بالانكليزية، نلسن 2005) و”تاريخ الجزيرة العربية” (بالانكليزية، نلسن 2010) و”الموارنة صورة تاريخية” (بالعربية، نلسن 2011). وكان في الفترة الاخيرة منهمكا في كتابة عودة الى الذكريات عن بعض الحوادث التي كان مسرحها بلدته بحمدون. وكذلك كتابة نص عن مقاهي بيروت. وثمة كتاب وضعه عن سيرة رياض الصلح وتعرض لأخذ وردّ ووصل الى النزاع القانوني بينه وبين آل الصلح ولا يزال مصير الكتاب مجهولا وبيد اصحاب العلاقة. وفي رأيي ان من اسباب الخلاف الفصل الذي كتبه عن انطون سعادة وحزبه.كما صدر له بعد وفاته كتاب “الجماعة والامة والدولة في المشرق العربي” (بالعربية والانكليزية، نلسن 2019). ويصدر قريبا في ذكراه العاشرة كتاب “لبنان ومسألة الشرق الاوسط”، تعريب محمود شريح. لبث كمال  الصليبي في حيويته الفكرية حتى آخر لحظة من عمره وفي حومة الاوراق والحوارات مع الصحافة اللبنانية  والعربية والاجنبية وعبر كل الوسائط التواصلية المتاحة. اذ كان نادرا ما يمر صحافي عربي او اجنبي في بيروت من دون الاستزادة برأيه وحكمته. كان همه التاريخ الاساس. التاريخ الضوء. التاريخ القصة المقنعة. التاريخ التصور. التاريخ التجرد. اذكر انني سألته غير مرة كيف يرى الى امكان الوصول الى كتابة تاريخية موضوعية، اجاب: “التاريخ مادة، يصل اليها الباحث من طريق البحث، اي مذكرات او كتب اخبار او وثائق واحيانا آثار. ولكن في الحقيقة كتابة التاريخ هي نوع من التفكير وتحتاج الى تصور. والتاريخ اذا كتبه المرء كما حدث فليس له معنى. على المؤرخ ان يحاول وان يتصور ما معنى الحوادث وكيفية ارتباطها بسياق. ولا اعني هنا التحليل بل اكثر من ذلك الحدس. على المؤرخ ان يسأل ما معنى الذي صار وما الذي حدث؟ وكيف؟ ولماذا؟ ويفسح تاليا في المجال لتطورات كثيرة في الموضوع نفسه. التاريخ يتوقف تصوره على المؤرخ وعلى قابلية المؤرخ للتصور”. غاب المؤرخ النهضوي التنويري قبل عشر سنين وفي زمن لا نزال نحتاج فيه الى القيم التي ارساها في حياته وفي كتاباته، وخاصة العقلانية والتجرد والدقة والجرأة. كمال الصليبي باحث معرفي يرى بعين العقل وعبر ادوات المنهجية الصارمة. مؤرخ قل نظيره، قارع الغرب بأدواته وعرّف اهل الشرق الى تاريخهم كأنه اكتشاف جديد مجلوّ من تراكم وعبء الاساطير والزيف والادلجة.