عشرون مليار دولار خسرها الاقتصاد اللبناني في ثماني سنوات

تتطلّع البلاد نحو المستقبل القريب، قبل البعيد، بكثير من القلق والحذر. تبحث عن حلول صعبة لأزمة لا سابق لها.

في هذا الوقت بالذات، تلاقى عددٌ محدود من الاقتصاديين. تداولوا في الظروف الراهنة والاحتمالات الممكنة، وقرّروا أن تكون مساهمتهم في صياغة المستقبل من خلال إعادة قراءة الماضي، للاستفادة من دروسه وتجاربه. حاولوا الإجابة عن سؤال مثير للاهتمام: بعد التقدّم اللافت الذي سجّله الاقتصاد اللبناني بين سنتَي 2005 و2010، لماذا تراجعت الأوضاع الاقتصادية في لبنان حتى وصلت إلى حدود الخطر؟

في هذا الحيّز نسجّل خلاصة المداولات وأهمّ الدروس المستخلصة من مراجعة المؤشّرات والوقائع، وهي مراجعةٌ سياسية واقتصادية في آن واحد.

في الآونة الأخيرة، شهدت الساحة السياسية في لبنان موجات عاتية من الحملات العالية النبرة ضد الفساد، تجسّدت أحيانا بالخطابات الحماسية والأصوات المرتفعة والتهديدات المزلزلة. ومن المفارقات أن القوى التي تصدّرت معركة الإصلاح المزعومة هي فئاتٌ سياسية شاركت على مرّ العقود الماضية في إضعاف الدولة وتهميش القانون. حتى أن بعضها ساهم في انتاج الفساد أو حمايته، أو تحالف مع القوى التي عاثت فساداً في بنية الدولة ومؤسّساتها وماليتها العامّة.

ورغم أن مكافحة الفساد هي مهمة وطنية ذات أولوية لا جدال فيها، فإن الحملات المشار إليها اتّسمت بالديماغوجيا والتضليل وتوجهت فقط نحو الفساد الصغير، في هذه الإدارة أو تلك، فتقصّدت ذرّ الرماد في العيون، ربما لصرف النظر عن جوهر المشكلة المتمثّلة بالانحدار المتواصل للأداء الاقتصادي ومالية الدولة منذ ثماني سنوات نتيجة الخيارات السياسية الخاطئة والاستمرار في استتباع الدولة، وهذا لا يخدم الإصلاح.

وعاد التركيز على الأوهام والأكاذيب التي تدّعي، خلافاً للواقع والحقيقة، اختفاء أموال عامّة ومبالغ طائلة، رغم أن التدقيق في عمليات المال العام أثبت بما لا يقبل الجدل أن هذه الادّعاءات زائفة وباطلة، ولا هدف لمروّجيها إلا استخدامها في البازار السياسي لا أكثر.

لقد عرف لبنان بين سنتي 2005 و2010 نتائج اقتصادية باهرة، وتحسّنت الأوضاع المالية للدولة، تحسناً ملموساً، بقدر ما تسمح به الظروف، وذلك رغم الاقفال المتعمد لمجلس النواب واحتلال الوسط التجاري للعاصمة وشل النشاط الاقتصادي والإداري فيه لأكثر من سنتين. فلامس معدّل النموّ الاقتصادي حدود السبعة بالمئة، وشهدت تعاملات لبنان مع الخارج طفرة حقّق خلالها ميزان المدفوعات فوائض تاريخية وصلت إلى 9 مليارات دولار عكست التقدّم في السياحة والتجارة والتدفّقات المالية الخارجية.

لكن كل هذه المكتسبات انهارت انهياراً مأسوياً منذ سنة 2012 وحتى اليوم، فأصبح معدّل النموّ الاقتصادي يلامس الواحد بالمئة، وارتفع عجز ميزان المدفوعات إلى مستويات تاريخية فبلغ قرابة خمسة مليارات دولار سنة 2018.

ولا يخفى أن هذا التدهور الكبير في النموّ الاقتصادي يستتبع انخفاضاً في العمالة وتراجعاً في مستوى معيشة اللبنانيين بشكل عام. وقد ذكرت شركة “ماكينزي” في التقرير الذي قدّمته إلى الحكومة اللبنانية بأن حصّة الفرد من الناتج المحلي في لبنان زادت في السنوات السبع الأخيرة بنسبة 8% مقابل زيادة الدخل الفردي العالمي بنسبة 14% في الفترة ذاتها.

ولو حافظ النموّ الاقتصادي على وتيرة الفترة السابقة ذاتها، وبقي في حدود 7% سنوياً، لبلغ الناتج المحلي القائم حالياً حوالى 75 مليار دولار، أي أكثر من الناتج الحالي بمبلغ 20 مليار دولار، ولكانَ الاقتصاد اللبناني أقدر على احتمال عبء الدَّين العام، إذ كانت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي لتكون بحدود 113%، بدلاً من النسبة الحالية التي تجاوزت 152%.

صحيح أن الاعتبارات الاقتصادية البحتة تلعب دوراً كبيراً في تحديد مسار الوضع الاقتصادي، إلا أنه لا شك في أن الخيارات السياسية الخاطئة في المرحلة اللاحقة، خصوصاً بعد سنة 2012، أطاحت هذه المكاسب والمنجزات ودفعت الاقتصاد الوطني نحو أزمة خانقة لم تعرف البلاد مثيلاً لها، حتى في أسوأ مراحل الحرب الأهلية.

إن الحرب السورية، والأوضاع المتفجّرة في المنطقة على وجه العموم، والتراجع في اقتصادات البلدان العربية، تضافرت كلها لتساهم في التراجع الحادّ الذي شهده الاقتصاد اللبناني خلال السنوات المنصرمة. إلا أن لبنان كان بإمكانه تجاوز هذه الظروف الخارجية ونتائجها لو لم تتزامن مع خيارات سياسية خاطئة تبنّاها أفرقاء أساسيون في لبنان:

– فأُقحِم لبنان في الحرب السورية عن طريق المشاركة العسكرية المباشرة فيها. فخسر لبنان الآلاف من شبابه، وتوتّر الخطاب السياسي، وتوسع الانقسام الوطني، وبدأ التعرّض لدول الخليج وأنظمتها، والمفاخرة بقوّة “حزب الله” العسكرية الخارجة عن الدولة ومؤسّساتها، وبرز التهويل الإيراني المتكرّر بقدرة إيران على محاربة اسرائيل من الأراضي اللبنانية. فخسر لبنان الكثير من السياحة والتحويلات، وخصوصاً الاستثمار الخارجي المباشر، ناهيك عن استثمارات المقيمين وودائع غير المقيمين.

– ولجأ البعض إلى أسلوب مبتكر في الصراع السياسي، هو أسلوب تعطيل المؤسّسات الدستورية ومنع إتمام الاستحقاقات الوطنية الكبرى في مواعيدها الدستورية. فتعرقل انتخاب رئيس الجمهورية، وتأجّل انتخاب المجلس النيابي، وأصبح تشكيل الحكومات يتطلّب أشهراً طويلة من العرقلة والمفاوضات والمناورات والشروط التعجيزية.

– وساهمت الأساليب الديماغوجية التي اعتمدها بعض الأطراف، لغايات سياسية، في إلحاق الفوضى بالمالية العامّة بحجّة ملاحقة أخطاء وهمية وارتكابات لا وجود لها في الواقع، وكأن مالية الدولة لا تكفيها مشاكل العجز وتقصير الإيرادات عن تغطية النفقات حتى تضاف إليها مشاكل أخرى ناجمة عن منع إصدار الموازنات العامّة بانتظار إنجاز حسابات المهمّة وقطع الحساب، خلافاً لما جرى في مراحل سابقة تعذّر خلالها انجاز قطع الحساب. وهكذا، فإن ادّعاء الحرص على دستورية الإنفاق العام أدّى إلى إنفاق أكبر لسنوات عديدة، من دون إجازة من البرلمان، مما تسبّب بمزيد من الهدر والخسائر.

من البديهي أن تؤدّي تلك الممارسات المتزامنة إلى تراجع كبير في الأداء الاقتصادي والمالي قياساً بإيجابيات ومكاسب مرحلة 2005 – 2010. ففي السنوات التي بدأت عام 2012، والمستمرّة حتى اليوم، وصل الاقتصاد اللبناني إلى حافّة الهاوية، وأوصل المؤسسات الخاصّة، الكبيرة والصغيرة، إلى أقسى المخاطر والتحدّيات. وهذا أمر حذّرت منه المؤسّسات الدولية والمصارف العالمية وشركات التصنيف.

تفيد أرقام البنك الدولي في بيروت أن الصادرات اللبنانية انخفضت سنة 2017 إلى نصف ما كانت عليه سنة 2008، كنسبة مئوية من الناتج المحلي، فارتفع العجز في الحساب الجاري في مرحلة 2002 – 2010 من 16.3% من الناتج المحلي إلى 20% في الفترة التي أعقبت سنة 2012. وإذا كان إقفال المعابر البرّية أمام الصادرات، بسبب الحرب السورية، هو المسؤول عن تراجع الصادرات، فإن الأسباب السياسية المشار إليها أضعفت العناصر الأخرى في ميزان المدفوعات وعزّزت العجز في تعاملات لبنان مع الخارج، إذ انخفض صافي الاستثمارات الأجنبية من قرابة 10% من الناتج المحلي قبل الأزمة إلى 3.4% في فترة 2011 – 2017، وسُجّل أيضا انخفاض حادّ موازٍ في صافي الاستثمارات الأخرى، أي القروض والعملة والودائع، رافقه تراجع في نموّ ودائع المصارف بشكل ملحوظ اعتبارا من سنة 2011.

لا تكون معالجة المشاكل الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد اللبناني بالتصريحات الديماغوجية، ولا باختراع الأكاذيب أو بتحويل الأنظار نحو الأمور الثانوية، بل بمواجهة الواقع بالحقائق وقولها من دون مواربة.

لن يستقيم الإصلاح في لبنان إلا بتوافق كل القوى على سموّ الدستور وسيادة القانون، ودعم قيام الدولة القادرة صاحبة السلطة الوحيدة على الأرض اللبنانية بفضل احتكارها وحدها للسلاح، وتحييد لبنان عن صراعات المحاور الاقليمية. ولا يجوز لأية قوّة في البلد أن تكون لها سياسة خارجية مستقلّة وجيش مستقلّ، يحارب بقرار منه داخل الحدود أو خارجها، وتحميل لبنان الاثمان الاقتصادية الباهظة لاستخدامه من قبل البعض منصة سياسية وامنية للنيل من الدول العربية.

إن الإصلاح يكون باحترام الدستور اللبناني، وعدم الالتفاف على أحكامه، ويكون ببناء القضاء المستقلّ والمحصّن ضد الضغوط السياسية، وملاحقة كل من يتعدّى على القانون أو على المال العام، مهما علا شأنه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*