الرئيسية / home slide / عرضٌ دائم للقوة

عرضٌ دائم للقوة

01-06-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

خارج مجلس النواب أمس (تعبيرية).

“التاريخ الإنساني للمشاعر” (ريتشارد فيرثكدبهير) رحلة غير مؤنسة اطلاقاً في أحوال البشر. يصدر الكتاب فيما العالم أجمع يشهد على مسرح أوكرانيا عرضاً غير معقول لِما يمكن ان يصل إليه الطبع البشري في واحدة من أرقى بقاع الأرض، حيث يُفترض أنها عرفت ايضاً العدد الأكبر من أمثولات القوة وعبثها ولاحدود توحّشها.

يخصص المؤلف فصلاً لمشاعر الغضب محاولاً ان يرسم النموذج النمطي للإنسان الغاضب، استناداً إلى ما بلغه العلماء في ذلك: إنه الرجل (أو المرأة) الذي تتولد لديه قناعة منذ الطفولة بأن كل شيء يجب ان يكون مُلكاً له. وما لا يمتلكه، سُرق منه: اللعبة التي في يد الطفل الآخر، وثياب العيد لدى الأطفال الآخرين، والفوز بمباراة الرياضة، ومسابقة الحساب، والمكانة الخاصة لدى الاستاذ. وكل ما هو غير ذلك اعتداء عليه وافتراء على مواهبه المولودة، وسرقة لحقوقه.

وبما انه لا يحتل المراتب الأولى فإن الحل الوحيد عنده هو الغاء جميع المنافسين، أو المؤهلين، وخصوصاً اصحاب المواهب والكفاءات. وهو لذلك، غير قادر على التعامل إلاّ مع العاديين ومَنْ دونهم. ولا يطمئن إلاّ للذين ينبهرون أمام الافكار البليدة، ويصفّقون لأي مقطع، أو يهللون لأي بيت شعر حماسي أجوف ومكرر.

الغاضب لا يسمع، ويكره أن يتحدث أحد سواه إلاّ إذا كان ذلك في مديح مزاياه. وكل شيء فيه، مزية ليست في غيره، كما كانت تغنّجه أمه. لذلك، إذا عارضه حبيب إليه بكى، وإذا عارضه خصم ألغاه، وهذه المواقف تحلل له كل شيء، وخصوصاً تدمير كل ما يُفرح الآخر من اجل ان يعيد تركيب الأشياء وفق مفهومه ومزاجه، وما زرعته في نفسه أمه أيام الطفولة، عندما زيّنت له انه نادر بين الخلق، ومُعَدٌّ لرسالة كبرى. ووفق “تاريخ المشاعر” فإن الغاضب لا يحب أحداً إلا من خلال نفسه، بمن فيهم أبناؤه. فهم ليسوا ناجحين، أو أكفاء، إلا لأنهم وُلدوا منه وتربّوا على مُثُله.

الغاضب يعتبر انه مساوٍ للجميع، أيا كان موقعه ودوره. وإذا اعتبر ان كرامته قد مُسَّت، فهذا يعني ان كرامة الناس جميعا قد أهينت، ويجب ان تشترك البلاد في الانتقام لها. الرئيس الروسي نموذج حديث لقاعدة بشرية قديمة. قام بتدجين خمس من دول الجوار، ولما اعترضت السادسة فتك بها ونزل بها قصفاً وحرقاً وتدميرا، لأنها أهانت قوّته أمام العالم. الإنسان الغاضب يضع القوة صفة وحيدة له، لأنها تضمن ألاَّ يشاركه فيها أحد. لا قوي سواه حتى لو خسر. لذلك، يمضي حياته في عرض دائم للقوة. وعندما يخسر معركة، يهدد فوراً بربح الحرب، باعتبار ان المعركة تفصيل بسيط، هي وضحاياها وقتلاها واطفالها وتكاليفها. كل شيء، لا شيء أمام كرامة القائد. لذلك يدرس العلماء على الدوام علاقة الزعيم القوي بأمه وأبيه أيام الصِّغر. من ستالين الى هتلر الى موسوليني، الذي قدّم نفسه للإيطاليين على انه كل الاشخاص. كل اسبوع كان يرتدي زياً: عاملاً، وضابطاً، وطياراً، واميرال بحرية… وفلاحاً وهلمّ جرّا.

مشكلة الغاضب ان الكارثة ترافق عمله إذا خسر وإذا ربح. في الحالتين المعركة التالية في الانتظار. وفي الحالتين جمهوره ينتظر لكي يصفق. الجماهير لا تعترف بالهزيمة، ليس إكراماً لزعيمها، بل لكي لا تقرّ بخيبتها. لذلك هو منتصر بها على الدوام. بعد الخسارة أو بعد الموت.
الثمن يدفعه دائماً الناس والدول. وكل ما على الزعيم القوي ان يعدّ وعداً جديداً: إذا مش الإثنين، الخميس. مش هالعقد، العقد المقبل. مش هالقرن، القرن المقبل. في اي حال، هيدا القرن قرَّب يخلص.

الغضب حروب دائمة من دون استراحة واحدة. حرب على سوريا تليها حرب معها. حرب على ايران يتبعها تحالف مع ايران. حرب على “القوات”، ثم شمبانيا في معراب. كاسكن. في الحركة بركة. والدليل لائحة الانجازات.

جميعها حروب مقدسة في سبيل مسيحيي الشرق. (مسيحيو الغرب لديهم بوتين). ومنها الحرب المقدسة على “البلطجي” #نبيه بري. العقبة الكأداء في وجه الاحلام الجميلة. الرجل الذي وقف في وجه بواخر النور ورمى لبنان في الظلام وعرقل استسلام حسان دياب في سلعاتا اسبوعاً كاملاً، في حين أنه الرجل الذي اعلن افلاس لبنان في لحظة واحدة. ومنذ تلك اللحظة في تاريخ الجمهورية، وتاريخها المالي، من قعر الى قعر، الى تلك الدقّة العلمية في استخدام وصف جهنم.

جعلَنا غياب كل بارقة أمل أو فرح أو طمأنينة أوعدالة، نرقص طرباً لفوز 14 مستقلاً في #مجلس النواب. فازوا برغم كل شيء. برغم عدّاد المكاسب الكونية والانجازات، وبرغم عزوف سعد الحريري، وبرغم ما خلَّفت حكومة حسان دياب من عبقريات لا سابقة لها في كل ما سبق.
فوز نبيه بري كان في الذين قاطعوه. ونحن معه لأنه مع لبنان. ولأنه ضمانة الاستقرار، غالباً أو مغلوباً. هناك زوايا في هيكل لبنان ليس مسموحاً للمتدللين العبث فيها. في طليعتها الجيش وحماة الميزان المرئي وغير المرئي، والجدران المضادة للدلع والمرقعة. أما الذين يأخذون على الرئيس بري انه في مكانه منذ ثلاثين عاماً، فمن اللطافة ان يسألوا انفسهم كم عاماً مضى عليهم حيث هم؟

وفد رفيع المستوى
وضعت غرّيدة “الاهرام” سناء البيسي عنوان مقالها الاسبوعي: “وفد صحفي على اعلى مستوى”. كان المقال عن مجموعة من كبار الصحافيين الذين غابوا في مرحلة واحدة. لا أجد عنواناً أجمل في وداع هؤلاء الأكابر في صحافتنا. متكرسون ومعلمون واساتذة وخلق وطني واخلاق مهنية عالية. ساهم جورج شامي في بناء صحافة ما بعد الاستقلال. ومن ثم في إنشاء الصحافة العربية في اوروبا. وكذلك فعل راجح الخوري. ورفع كلاهما من مستوى الدراسة الإعلامية. ومعهما في الصحافة الثقافية والفكرية غاب ملحم شاوول، استاذاً “من مستوى عالٍ” هو ايضاً. هؤلاء السادة تشرّفنا أننا جمعتنا بهم مهنة واحدة، وصحف واحدة، ودرب واحد. وقد نقلوا الى تلامذتهم في الصحافة ما تعلّموه من جبابرتها: غسان تويني وكامل مروة وسعيد فريحة.

في التعلّم وفي التعليم لمعوا بما فيهم، وتألقوا بما كسبوا. غلبهم الموت بعد زمن من غلبة جميلة على الحياة.