الرئيسية / مقالات / عراق ما بعد علاوي ونظام الفشل المستدام

عراق ما بعد علاوي ونظام الفشل المستدام

 رأي القدس 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
03032020

دفع رئيس الحكومة العراقية المكلف محمد توفيق علاوي ثمن اعتماده على ترشيح منفرد من كتل «تحالف الصدر» و«تحالف الفتح» وتحالف «القرار العراقي»، في مقابل عزوف عن الترشيح أو رفض له من جانب الكتل البرلمانية المتبقية التي تمثل الكرد والسنّة وبعض مجموعات الشيعة أيضاً. وليس إعلان علاوي الاعتذار عن التكليف، رغم نجاحه في تشكيل لائحة من 22 وزيراً، سوى نتيجة طبيعية لحال الاضطراب والشلل والتخبط التي تعصف بالحياة السياسية في العراق منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وما تعاظم بعدها من ضغط شعبي أسفر عن استقالة حكومة عادل عبد المهدي لاحقاً في كانون الأول/ ديسمبر، وإعلان عبد المهدي أمس عدم التمكن من الاستمرار بمنصبه.
ورغم أن حكومة علاوي كان مقرراً لها أن تكون مؤقتة لا تتجاوز ولايتها سنة واحدة، ومهامها منحصرة في إقرار الموازنة وتنظيم انتخابات مبكرة ومحاسبة المسؤولين عن استشهاد عشرات المتظاهرين، إلا أن الأمراض المزمنة التي أصيبت بها غالبية الأحزاب السياسية العراقية طغت على سيرورة تشكيل الحكومة. وهكذا بدأ الاستعصاء من فرض مبدأ المحاصصة الحزبية، وترسيخ ما سوف يستحق صفة «بازار» الحقائب الوزارية حتى بالنسبة إلى شخصيات فاسدة ومدانة، وكان طبيعياً أن ينتهي إلى التنكر التام لمطالب الشارع الشعبي في وزارات مختصة نظيفة وغير حزبية وغير تابعة لقوى الفساد والتكتلات الطائفية والمذهبية.
وفي تبرير اعتذاره عن التكليف قال علاوي: «أثناء المفاوضات اصطدمت بأمور كثيرة لا تمت إلى قضية الوطن ومصلحته، ولم أتنازل ولم أقدم المصالح الخاصة على مصلحة البلد، لكن للأسف الشديد كانت بعض الجهات تتفاوض فقط من أجل الحصول على مصالح ضيقة دون إحساس بالقضية الوطنية». وكان جديراً به، وهو يلقي كلمة الاعتذار عبر التلفزة، أن يصارح الشعب العراقي فيفصح بوضوح عن الجهات السياسية التي مارست عليه الضغط، ولم تف بوعودها للشعب، ووضعت العراقيل أمام تشكيل حكومة مستقلة تعمل من أجل الوطن، كما صرح.
وإلى جانب أمراض الحياة السياسية العراقية التي أفشلت مهمة العلاوي، فإن من الإنصاف التذكير بعوامل أخرى ذاتية تخص رئيس الحكومة المكلف شخصياً، كانت بدورها سبباً في فشله. وقد يكون على رأسها أنه منع على الكتل الكردية والسنية تسمية مرشحيها من منطلق أنه لا يريد حقائب حزبية، ولكنه في الآن ذاته ترك للكتل التي رشحته ووعدت بمنحه الثقة أن تسمي وزراء فاسدين يرفضهم الشارع الشعبي على نحو مطلق.
الأصل في هذا الاستعصاء الجديد، والذي يستكمل النزاع السابق الشهير بين الرئيس العراقي برهم صالح ومجلس النواب حول تسمية المكلف بتشكيل الحكومة، أن غالبية الكتل النيابية في واد، ومطالب الحراك الشعبي في واد آخر مختلف تماماً. فالفريق الأول يستمرئ إعادة إنتاج أوضاع التدهور المعيشي والغلاء وانحطاط الخدمات وإسباغ الشرعية على الفساد والفاسدين وإعلاء شأن المصالح الفردية والحزبية فوق الهواجس الوطنية والشعبية العامة، والفريق الثاني قدم الشهداء وبذل التضحيات واعتصم في الشارع طويلاً وطوّر سلسلة خيارات إصلاحية جذرية على نحو لم يعد يسمح بأقل من إحداث تغيير جوهري في حياة البلاد.
هذه حال استعصاء متجددة، إذن، ولن تنفع في إخراجها من التأزم تلك الحلول التجميلية التي لا تقوم بما هو أكثر من إعادة إنتاج نظام الفشل المستدام.

اضف رد