سبق أن تناولنا هذا الموضوع أخيراً تحت عنوان «قانون المياه لمن؟» («الأخبار»، يوم 23/3/2018)، ودُعينا إلى عدم العجلة من أجل مؤتمر «سيدر»، وها إن النائبين جورج عقيص وحكمت ديب، يتقدمان باقتراح قانون معجل مكرر يرمي إلى تعديل القانون (رقم 77) الذي أُقرّ على عجل أيضاً في 13/4/2018!
وفضلاً عن الملاحظات السابق ذكرها على هذا القانون الذي لا يأتي ترجمة لاستراتيجية شاملة، لأنها لم تنجز بعد، وعلى أساسها يفترض تحديد المعطيات المتعلقة بالمياه في جميع أشكالها السطحية والجوفية… نضيف بعض الملاحظات الأساسية، التي لا يفترض تجاوزها بذريعة الإسراع في إيجاد الإطار القانوني للحصول على تمويل من مؤتمر سيدر، وكأن الهدف من هذا القانون، جلب الاستثمارات والمنفعة، خلافاً للقاعدة التي تقول إن «رفع الضرر أولى من جلب المنفعة»!
فلو دُرسَت كل المعطيات المتعلقة بالمياه لناحية الاحتيال على القوانين والدستور الذي يعتبر المياه ملكية عامة، ومحاولة خصخصتها، ودرس كيفية الاستفادة مما يسمى «الحقوق المكتسبة» من غير وجه حق، ولو جرت مراجعة حجم الأحواض الجوفية، ورصد حجم السحب منها بالآبار المرخصة وغير المرخصة، ومراجعة الهدر في الشبكات وحجم التلوث في المياه السطحية والجوفية… لظهرت بوضوح الحاجة إلى استراتيجية وقانون بخلفية مختلفة تماماً عمّا سيُقرّ بعد غد الاثنين في مجلس النواب. فلو أوقفنا استنزاف الثروة المائية في لبنان وحماية المصادر من الاعتداءات والتلوث ووقف السرقة والهدر، وضبط الاتجار والسحب العشوائي من باطن الأرض ووقف الاعتداءات على المجاري وحمايتها (التي تحتاج إلى حسن الإدارة والتوزيع)… والتجرد في وضع الاستراتيجيات والخطط والقوانين بدل السعي حصراً إلى جلب الكثير من الاستثمارات والديون… لعرفنا معنى الحكمة التي تقول إن رفع الضرر أولى من جلب المنفعة.
تفتقر مبادئ القانون إلى الشمولية، لأنها لا تأتي من ضمن مبادئ استراتيجية. ويعود السبب في ذلك إلى أن القانون لا يستند إلى أي استراتيجية تقرّ بأن المياه ملكية عامة كالهواء تماماً، يفترض أن تبقى كذلك تحت أي ظرف من الظروف، وأنها جزء من نظام إيكولوجي شامل يفترض حمايته، حفاظاً على سلامة المياه وديمومة تدفقها وتجددها كحق من حقوق الأجيال القادمة أيضاً… قبل التطرق إلى «حقوق المنتفعين»، كمبدأ أول كما ورد في القانون.
ولو كانت ثمة استراتيجية تسبق القانون، لما وردت المادة الثانية بصيغة «يمنع استغلال المياه الجوفية من دون ترخيص مسبق»، ولاعتُبرَت المياه الجوفية، خزيناً استراتيجياً يمنع المسّ به إلا في حالات الطوارئ، كالشح والجفاف وانخفاض المتساقطات بشكل حاد (عن المعدلات الطبيعية لفترة سنتين متتابعتين)، والكوارث المناخية… على أن يُخضَع نظام التراخيص لشروط قاسية جداً، بعد إجراء المسح الشامل (لم يحصل بعد) حول كل الآبار المرخصة وغير المرخصة وضبطها.
ثم لماذا الإبقاء على الغموض في كيفية التعامل مع ما يسمى «الحقوق المكتسبة» على المياه في القانون؟ هذه العبارة التي بررت الكثير من مشاريع الخصخصة، فاستُخدِمَت في غير أصولها الزراعية، حتى فرّخت على أنقاضها شركات تعبئة المياه وبيعها داخل لبنان وخارجه بكميات ضخمة لا تذكر أي دراسة حجمها، ليبنى على الشيء مقتضاه، وعلى هذا المعطى قوانين وتشريعات!
وإذ تطرح المادة 13 ضرورة أن يكون هناك «سجل مائي» لنعرف ما لدينا من موارد، لم نفهم كيف حسم معدو الاقتراح بأن لدينا نقصاً ونريد إنشاء السدود السطحية المكلفة وغير الضرورية لجمع المياه فوق الأرض وتعريضها للتبخر والتلوث… ونحن ليس لدينا هذا السجل بعد؟! وكيف حددنا الحاجات ونحن لم نجب عن سؤال بسيط: كيف تؤمن المياه بالصهاريج في فترات الشح دون انقطاع ولا تصل المياه نفسها إلى المنازل؟!
وكيف وضعنا الخطط العشرية سابقاً والخطة التي سُميت «استراتيجية» عام 2010 التي تقوم بمجملها وبجانبها الاستثماري الأساسي على إنشاء السدود السطحية، والتي اعتمدنا عليها للتقدم بمشاريع إلى مؤتمر سيدر الباريسي، ونحن ليس لدينا «المخطط التوجيهي العام للمياه» كما هو مطروح في اقتراح القانون؟
في القانون المقترح تعديله تأتي «مساهمة القطاع الخاص» شاملة ضمن باب «إدارة المرفق العام للمياه» الذي يتضمن خدمات الجمع والإنتاج والمعالجة والنقل والتخزين والتوزيع… أي كل الخدمات من دون استثناء وضمن عقود في جميع أشكالها… من دون أي تحديد كافٍ لكل ذلك، يحترم كون المياه ملكية عامة يفترض دفع بدل صيانتها وحمايتها وحسن توزيعها… من دون تحويلها إلى سلعة يفترض دفع ثمنها. كما لا نعرف بناءً على اية استراتيجية بيئية استندت الأبواب والفصول في القانون المتعلقة بحماية النظم البيئية المائية والتدابير الوقائية… والتي تغفل دور وزارة البيئة في إجراء التقييم البيئي الاستراتيجي (المقر بمراسيم) لكل المشاريع، بما فيها المياه، وقد لاحظنا كيف بدأ تنفيذ خطط إنشاء السدود العشوائية من دون تقييم استراتيجي للحاجة إليها وتقييم أثرها!
فهل يعجّل مجلس النواب بعد غد في تلبية حاجات استثمارات مؤتمر سيدر، ولا يعجّل في حماية أهم مقومات الحياة بعد الهواء؟