الرئيسية / أبحاث / أبحاث تاريخية / عبد الناصر يرفض مشروع روجرز و5 عروض للسلام لانها لا تحرر كل الاراضي

عبد الناصر يرفض مشروع روجرز و5 عروض للسلام لانها لا تحرر كل الاراضي

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف جزءاً جديداً من سلسلة  “عواصف الحرب والسلام” القنوات السرية للمفاوضات العربية – الاسرائيلية، التي كتبها محمد حسنين هيكل. يحمل هذا الجزء عنوان عبد الناصر يرفض مشروع روجرز و5 عروض للسلام لانها لا تحرر كل الاراضي وكانت قد نشرته “النهار” في 13 أيار 1996.

المصدر: “النهار”
22 أيلول 2017 | 23:34

قابل جمال عبد الناصر الضغوط التي تعرضت لها مصر بعد هزيمة العام 1967، بزيادة الاعتماد على الاتحاد السوفياتي على نحو اتاح قبول السوفيات بمرابطة قوات لهم في مصر، في وقت كلف وزير الخارجية الاميركي ويليام روجرز الاهتمام بأزمة الشرق الاوسط من خلال ما عرف ب”مبادرة روجرز”. وتلقى عبد الناصر مجموعة من عروض السلام ومحاورة الاسرائيليين بلغت خمسة، شارك فيها الايطاليون والرومان واليوغوسلافيون ويهود غير مسؤولين، وقد رفضها الرئيس المصري كلها لانها لا تؤدي الى السلام العادل الذي يعني انسحاب اسرائيل من كل الاراضي العربية المحتلة، بما فيها القدس.

وفي هذا الفصل من كتاب محمد حسنين هيكل “عواصف الحرب والسلام” وثائق وتفاصيل اخرى، وتنشره “النهار” بترتيب خاص مع “دار الشروق” في القاهرة.

5 نيكسون “مصير الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى مرهون هنا على جبهة السويس” (جمال عبد الناصر في تقدير موقف عام 1969) على رغم كل الاتصالات والمذكرات والرسائل والرسل، لم يكن هناك حل او امل في حل طالما كان ليندون جونسون رئيساً في البيت الابيض. وبصرف النظر عما يمكن ان تقوله وزارة الخارجية او تقوله اوراق صادرة عن البيت الابيض نفسه، فإنّ العلاقات المباشرة بين إسرائيل واصدقائها من ناحية، والرئيس الأميركي ليندون جونسون من ناحية أخرى، ظلت هي العنصر المسيطر على القرار الأميركي.

واشتدّ سباق السلاح بصفقات اميركية لاسرائيل، وصفقات سوفياتية لمصر وسوريا والعراق. واحتدمت حرب استنزاف اعتبرها كل المراقبين والمحللين الدوليين جولة مستقلة من جولات الحرب العربية – الاسرائيلية. كانت اسرائيل – وجونسون وراءها – مصمّمة على حل يبدأ من الامر الواقع المفروض باحتلال اراض لثلاث دول عربية. وكانت مصر مصمّمة من ناحية اخرى على ضرورة تغيير هذا الامر الواقع، وكان اعلانها عن نياتها ابقاء المواجهة حية باستمرار على خط قناة السويس.

وفي الاشهر الاخيرة من رئاسته حاول ليندون جونسون محاولة اخيرة في ازمة الشرق الاوسط، ولم تسفر محاولته عن نتيجة لان مسار الحوادث خصوصاً بحرب الاستنزاف تخطى وتعدى اي محاولة من نوع ما كان يمكن ان يقوم به رئيس اميركي تقترب رئاسته من نهايتها دون ان يكون واحداً من المرشحين المتنافسين على مدة رئاسة ثانية. ودخل ريتشارد نيكسون الى البيت الابيض تراوده هو الآخر مثل آخرين سبقوه حلم محاولة جديدة لصنع السلام في الارض المقدسة.

وكان اشتداد حرب الاستنزاف هو الداعي الرئيسي لجعل محاولته للوصول الى حل لازمة الشرق الاوسط هي اكبر المحاولات واقربها الى امكان تحقيق شيء. وعندما جلس نيكسون على مقعده في المكتب البيضوي وجد امامه ازمتين: فيتنام والشرق الاوسط. وفي مجال السياسة الخارجية فقد وجد بجانبه رجلين: هنري كيسينجر مستشاره للامن القومي، وويليام روجرز وزير خارجيته. وكان قراره ان يفوّض الى كل واحد منهما علاج ازمة، يعهد الى كيسينجر في ازمة فيتنام، والى روجرز في ازمة الشرق الاوسط. وكانت صورة ما يجري في واشنطن مرئية في القاهرة.

ورأى جمال عبد الناصر ان مرحلة من العمل انقضت، وثبت فيها لكل الاطراف ان الشعب المصري تقبّل حقيقة الهزيمة ولم يعتبرها نهاية التاريخ. كما انه في الوقت عينه تقبّل منطق ان ما أُخِذ بالقوة لا يستردّ الا بالقوة، ورضي بتحمّل التكاليف. وبالتالي فان الموقف المصري لم يتساقط كما كانت تتوقع اسرائيل وجونسون، ولم تقبل سلاماً بأي ثمن كما انتظر كلاهما. وانما على نقيض ذلك تصاعدت مصر بحرب الاستنزاف واعدّت نفسها للعمل السياسي. وكان السوفيات بعد طول اتصالات من خلال اجتماعات الدول الاربع الكبرى في نيويورك (طوال النصف الثاني من 1967 وكل عام 1968) قد توصلوا الى نتيجة مؤداها ان اسرائيل ليست مستعدة لحل عادل، وان العرب – وفي مقدمهم مصر – ليس امامهم الا ان يخوضوا في شكل ما معركة للضغط بالسلاح.

 بعد اشهر من تولّيه منصب وزير الخارجية وتكليفه مهمة ازمة الشرق الاوسط، كان ويليام روجرز يعدّ مشروعه الذي اشتهر باسمه وهو “مشروع روجرز”. وكان “مشروع روجرز” على حدّ ما كتب ويليام كوانت، وهو احد مستشاري وزير الخارجية الذين شاركوا في وضع المشروع، يحتوي على مقدمة عامة قصيرة تشرح ان الهدف منه هو تحقيق اتفاق تعاقدي بين مصر واسرائيل، يجري التوصل اليه في اشراف المبعوث الدولي السفير غونار بارينغ، وتوضع تفاصيله بين الاطراف بالطريقة التي اتبعت في مفاوضات رودس عام 1949 (لا يلتقي الاطراف وجهاً لوجه، وانما يتحرك الوسيط الدولي بينهم لتقريب وجهات النظر وتحديد نقاط الاتفاق). ثم كانت النقاط التي يشملها المشروع بعد ذلك كما يلي:

1- ان الجمهورية العربية المتحدة واسرائىل سوف تتفقان على جدول توقيتات لاتمام انسحاب القوات الاسرائيلية من اراضي الجمهورية العربية المتحدة التي احتلت بالحرب.

2- ان حالة الحرب بين الجمهورية العربية المتحدة واسرائيل تنتهي رسمياً، ويتعهد الطرفان الامتناع عن اي نشاطات لا تتفق مع حالة السلم بينهما، وهذا يتضمن الامتناع عن اعمال العدوان، ويلتزمان ميثاق الامم المتحدة.

3- يتفق الطرفان على انشاء مناطق آمنة وحدود معترف بها على خرائط ملزمة، مع ضمان حرية الملاحة في مضايق تيران.

4- ان الطرفين خلال محادثات غير مباشرة على اساس نموذج رودس سوف يتوصلان الى اتفاق على المناطق المنزوعة السلاح، وعلى اجراءات حرية الملاحة في مضيق تيران، وعلى مصير قطاع غزّة.

5- وسوف يتفق الطرفان على الطريقة التي تحقق حرية الملاحة في مضايق تيران امام كل الدول بما فيها اسرائيل.

6- وفي ممارستها حق السيادة على قناة السويس، فان الجمهورية العربية المتحدة تعترف بحرية الملاحة لكل الدول، ودون تدخل في حرية المرور للجميع بما فيهم اسرائيل.

7- يتفق الطرفان على حل عادل لمشكلة اللاجئين مربوطاً بحل نهائي بين الاردن واسرائيل.

8- تعترف الجمهورية العربية المتحدة واسرائيل بحق كل منهما في السيادة والاستقلال السياسي والعيش في سلام.

9- ان الاتفاق النهائي سوف يجري توقيعه على وثيقة يوقعها كل من الطرفين وتودع الامم المتحدة، ويسري مفعولها منذ ساعة تسليمها السكرتير العام للامم المتحدة.

10- ان الطرفين سوف يضعان اتفاقهما النهائي امام مجلس الامن للمصادقة عليه. وتتعهد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا العظمى وفرنسا اعطاء تأييدها لهذا الاتفاق. ولم تقبل اسرائيل بالمشروع، بل اعلنت رفضها له. ولم تقبل مصر بالمشروع ايضاً، وانتظرت ان يجيء الرفض ابتداء من اسرائيل.

لكن الموقف في المنطقة راح ينتقل من حالة الجمود الى حالة سيولة دقيقة وخطرة.

 ولم يقبل جمال عبد الناصر مشروع روجرز لاسباب عدة، في مقدمها ان المبادرة كانت قاصرة على حل مصري بحت، وهذا شرط اساسي يلغي كل تفصيل بعده. كان القرار 242 الصادر عن مجلس الامن يضع اطاراً عاماً لمبادئ للتسوية في الشرق الاوسط تنطبق على كل الجبهات.

واما مبادرة روجرز فقد كانت موجهة الى الجبهة المصرية وحدها. وفضلاً عن ذلك المنظور العام، فقد كانت في مبادرة روجرز نقاط لم يكن جمال عبد الناصر مستعداً لقبولها مثل قضية الملاحة في الممرات المائية المصرية. ومن الواضح انه كان قد نزل عند حكم الضرورات، واتجه الى انه – في مواجهة اجماع دولي عام – لا يستطيع ان يمنع الملاحة الاسرائيلية من خليج العقبة. واما قناة السويس فقد كان رأيه انها ليست لهذه المرحلة، وانما يجيء دورها عند الكلام على التسوية الشاملة بما فيها تسوية مشكلة الاراضي ومشكلة اللاجئين. وكانت حجته الظاهرة ان استخدام اسرائيل قناة السويس سوف يعرض القناة لخطر الاحتكاك مع مدن مصرية حاشدة بالسكان متصلة مباشرة بضفتيها مثل السويس والاسماعيلية وبور سعيد، وذلك سوف يؤدي الى مشاكل سوف تؤثر على الملاحة وحتى على سلامة القناة. ومن ناحية اخرى فان جمال عبد الناصر لم يشأ اعلان رفضه المشروع، وآثر ان يترك اعلان الرفض لاسرائيل لاسباب كثيرة:

1- ان الموقف العربي بصفة عامة كان يتحسّن. فقد جرت محاولة لبناء جبهة شرقية شارك في قيادتها كل من سوريا والعراق، وهو يريد ان يعطي هذه القيادة فرصة لتعزيز دورها دون ان يستدعي هجمة سياسية ودعائية على هذه الجبهة تثير القلق في اطرافها قبل ان تتوثّق صلات هذه الجبهة الشرقية بالجبهة الجنوبية التي تقف عليها مصر. اضافة الى ذلك، فان الموقف العربي العام تحسّن بقيام ثورة السودان في مايو (ايار) 1969 وقيام ثورة ليبيا في سبتمبر (ايلول) 1969. وكان يريد ان يعطي لهذين النظامين ايضاً فرصة تثبيت سلطتيهما قبل ان تتعرض الخرطوم وطرابلس لضغوط اميركية، خصوصاً ان ليبيا كانت فيها قواعد عسكرية اميركية تخشى الولايات المتحدة على ضياعها.

2- ان مبادرة روجرز، على رغم كل ما يعترض عليه في بنودها، تحوي مجموعة مبادئ يمكن اتخاذها اساساً لجهد يقوم بتحسينها. فقد كانت بنود المبادرة تعترف بمبدأ الانسحاب الى الحدود الدولية، على نقيض مطلب اسرائيل. كذلك كانت هذه البنود تتحدث عن صيغة مفاوضات غير مباشرة متخذة “نموذج رودس”، في حين ان اسرائيل كانت تصرّ على مفاوضات مباشرة وجهاً لوجه. ثم ان بنود المبادرة كانت تتحدث عن اتفاق لتسوية سلمية، في حين ان اسرائيل كانت تطالب بمعاهدة سلام كاملة. ولم يكن هناك مبرر لاستفزاز نيكسون بالتسرّع في رفض مبادرة وزير خارجيته روجرز.

3- وقد رأى جمال عبد الناصر ان الموقف الداخلي في اسرائيل يواجه عدداً من المشاكل بعد وفاة ليفي اشكول وخلافة غولدا مائير له في رئاسة الوزارة. ومن شأن ذلك في طبيعة السياسة الاسرائيلية، ان يحدث نوعاً من الارتباك في تماسك السلطة. واذا سارعت مصر برفض مبادرة روجرز، فانها بذلك تعطي اسرائيل فرصة لتدعيم سلطة القرار السياسي، بينما الافضل ترك رئيسة الوزراء الجديدة تواجه انقسامات حزبها وضغوط المعارضة وتثور بينهم الخلافات في امر المبادرة دون ان تعفيهم مصر من ذلك مقدماً باعلان رفضها.

4- وقد راوده احساس بان تغييرات اساسية يمكن ان تطرأ على مسرح الشرق الاوسط فمن ناحية اعلنت الحكومة البريطانية سياسة جديدة للانسحاب من شرق السويس. ومعنى ذلك ان بريطانيا سوف تصفي قواعدها العسكرية على طول المسافة من قبرص الى الخليج العربي وحتى هونغ كونغ. وفي الوقت نفسه فان الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون اعلن انه لا يريد للولايات المتحدة ان تضطلع بدور رجل البوليس في نزاعات العالم، وقد يكون من الانسب ترك هذه التطورات تأخذ مداها.

5- ومع احتدام حرب الاستنزاف فان التوتر في المنطقة ابقى ازمة الشرق الاوسط حية، وساعد على تنشيط العمل العسكري على الجبهة الشرقية. وقد حصلت في تلك الفترة “معركة الكرامة” وشاركت فيها قوات المقاومة الفلسطينية، ولعبت فيها وحدات من الجيش الاردني دوراً حاسماً. وهذا معناه ان الجبهات العربية كلها يجري تطعيمها بالنار في عمليات اشتباك مع الجيش الاسرائيلي.

 من هذه العوامل كلها تصور جمال عبد الناصر ان هناك فرصة لنقلة مختلفة في موقفه التفاوضي. وساعدته على ذلك عملية قامت بها اسرائيل في ذلك الوقت لسرقة رادار من موقع مصري على خليج السويس. وهكذا قام بزيارته السرية الشهيرة لموسكو في يناير (كانون الثاني) 1970، وكان يحمل معه تصوراً متكاملاً لمرحلة جديدة في العمل. وكانت الخطوط الرئيسية في تصوّره الجديد كما يلي:

1- ان ازمة الشرق الاوسط يمكن ان تكون بقرب منعطف مهم يجعل الاقتراب منها بتسوية معقولة امراً ممكناً.

2- ان موازين القوى العسكرية على الارض لا تزال لمصلحة اسرائيل باعتبار ان الامدادات العسكرية الاميركية لا تزال تتدفق عليها خصوصاً بصفقات “الفانتوم”، كما ان الدعم الاميركي الشامل يمكن ان يقف وراءها في اي لحظة ويساعد بالتالي على زيادة قوتها.

3- واذا كان الامر كذلك، فانه قد يكون من الافضل نقل مستوى المواجهة من الاقليمي الى الدولي. بمعنى ان الفرصة الآن متاحة لدور اكثر صلابة يقوم به الاتحاد السوفياتي في مواجهة الولايات المتحدة، مما يترك للقوى المحلية دوراً اكبر في تحريك الموقف العسكري على نحو يجعل تهدئته مطلباً ضرورياً للحيلولة دون احتمال صدام بين القوتين العظميين.

وفي زيارته موسكو طرح جمال عبد الناصر فكرة وجود عسكري سوفياتي اكثر في مصر يردع اي دور يقوم به الاسطول الاميركي السادس، كما يردع في الوقت عينه سياسة اسرائىل الجديدة في غارات العمق على مصر، وبالتالي يعطي القوات المصرية – سواء في ذلك قوات الدفاع الجوي او قوات المدفعية والطيران – يداً طليقة لتركز جهدها على الجبهة.

كانت الجبهة المصرية على شاطئ قناة السويس هي الموقع الذي سوف يتقرّر عنده مستقبل الشرق الاوسط كله. فاذا نجحت القوات المصرية في القيام بعملية كبيرة، وان تكن محدودة، لعبور قناة السويس طبقاً للخطة “غرانيت 1″، مطمئنة الى الامان العسكري لمواطنيها المدنيين، ومطمئنة الى ان الاسطول الاميركي السادس لن يقوم بدوره التقليدي كاحتياط استراتيجي لاسرائيل.

اذن، فان معادلة قوة جديدة سوف تبرز في المنطقة. وكان هذا بالضبط ما عرضه جمال عبد الناصر في موسكو، وقد واجه به القيادة السوفياتية مجتمعة محذراً بان مستقبل الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى مرهون هناك على جبهة السويس، سواء اعترف السوفيات بذلك رضا او كرهاً. ووافقت القيادة السوفياتية بعد موقعة من المناقشات الحامية، وكان شرطها الوحيد ان لا تكون القوات السوفياتية في مصر اطلاقاً عندما تبدأ معركة العبور.

وكان ذلك ايضاً شرط جمال عبد الناصر، فقد كان يريد معركة عربية خالصة باسباب عدة معنوية وعملية، اهمها ان وجود قوات سوفياتية في مصر “وقت حرب” قد يعطي الولايات المتحدة الاميركية تكأة للوجود في “ساحة حرب”. وبصرف النظر عن اية تعقيدات فمن المؤكد ان كلا من الدولتين العظميين لم تكن تريد مواجهة مباشرة بينهما مهما يكن الموضوع!

وعندما بدأت طلائع القوات السوفياتية تصل الى مصر وتحتل مواقعها في الدفاع عن العمق، وتقوم بدورياتها فوق مياه شرق البحر الابيض المتوسط، كان واضحاً لجميع الاطراف ان هناك موقفاً مفعماً بالاحتمالات على وشك ان يطرح حقائق مختلفة في ازمة الشرق الاوسط. تشاوشيسكو “لا اعتقد ان اسرائىل لديها الآن خطة سلام” (جمال عبد الناصر للرئيس الروماني نيقولاي تشاوشيسكو عام 1970) في هذه الفترة كثر عدد رسل السلام. وكانت هناك خمس محاولات بارزة ويمكن ان تكون ذات معنى.

المحاولة الاولى قام بها ناحوم غولدمان الذي ذهب لمقابلة الرئيس تيتو عارضاً رؤية متكاملة. (نقلها تيتو في رسالة الى جمال عبد الناصر اصلها في محفوظات قصر عابدين). كانت رؤية غولدمان ان اسرائيل مهيأة الآن، وللمرة الاولى منذ يونيو (حزيران) 1967، لتغيير مهم في سياستها.

وكان قوله لتيتو: “ان هناك خلافات سياسية بين القادة الاسرائيليين، وهناك خلافات بين السياسيين والعسكريين، وهناك انقسام في الرأي العام سببه تدهور الاوضاع الاقتصادية باعباء الحرب. ثم ان هناك فوق ذلك كله خلافاً بين المنظمة الصهيونية العالمية واسرائيل.

فالحكومة الاسرائيلية من ايام بن غوريون كانت تريد ان تحتكر القرار الصهيوني في العالم في يدها. بينما المنظمة الصهيونية العالمية التي يرأسها، كان من رأيها ان حكومة اسرائيل احتكرت قيادة العمل السياسي اليهودي سنين طويلة، ولم تصل به الا الى “حرب” لا تظهر لها نهاية. وقد ضاعت فرص للسلام كثيرة بسبب اوهام سيطرت على قادة اسرائيل”. وكانت خلاصة اقتراح غولدمان، كما عرضه على تيتو، ان الوقت قد يكون مناسباً لكي تعطي مصر “شيئاً” لغولدمان يشعر بأنه انه قادر على تمريره واقناع آخرين به في اطار الظروف الراهنة في اسرائىل.

واقترح غولدمان على تيتو ترتيب لقاء بينه وبين الرئيس جمال عبد الناصر، ويجري هذا اللقاء سراً، اما في القاهرة وغولدمان مستعد للقدوم اليها واما في يوغوسلافيا حيث يستطيع تيتو ان يشارك عملياً في تلطيف الاجواء وتقريب وجهات النظر. وقد احسّ جمال عبد الناصر ان غولدمان صادق الى حد ما في عرضه للصورة العامة، لكنه، كما شرح لتيتو، لا يستطيع ان يجري لقاء مع غولدمان لاسباب عدة، بينها انه لا يعتقد ان قرار المنظمة الصهيونية العالمية سوف يكون ملزماً للحكومة الاسرائيلية الا اذا قدمت اليه شواهد تدل على ذلك.

ومن ناحية اخرى فانه كما ابلغ تيتو يعرف سلفاً ان الخلاف سوف ينشب بين المنظمة الصهيونية العالمية والحكومة الاسرائيلية. وفي حمأة الخلاف فان غولدمان او الحكومة الاسرائيلية سوف تذيع سر هذا اللقاء على فرض ان جمال عبد الناصر قبل به. اضافة الى ذلك، فان جمال عبد الناصر كان من رأيه ان منطق اي لقاء سري في هذه الظروف مستبعد.

والافضل منه – اذا كان هناك شيء يستحق – ان تكون الامور كلها علنية لا يخفي منها شيء على الرأي العام العربي الذي يعيش بكل حواسه في اجواء القلق الذي صنعته الازمة منذ عام 1967. وفيما يبدو فان تيتو نقل الى غولدمان ما ابلغ اليه. وعاد تيتو يكتب الى جمال عبد الناصر يسأله اذا كان ممكناً ان يقع الاجتماع سراً في بريوني (يوغوسلافيا) والا يشارك فيه جمال عبد الناصر، وانما يشارك فيه عن الجانب المصري صديق للرئيس ليست له صفة رسمية. واقترح غولدمان – كما نقل تيتو – ان يكون محمد حسنين هيكل هو الطرف المصري الذي يحضر هذا الاجتماع. ورد جمال عبد الناصر على تيتو بان “اشتراك هيكل، بما يعرفه كل الناس عن صلته بي، يعني انني شخصياً شاركت في الاجتماع”.

ثم اقترح على تيتو بدلاً من كل هذا اللف والدوران ان يطلب من غولدمان تصوراً من المنظمة الصهيونية العالمية عن شكل التسوية التي تفكر فيها، او ان تقوم هذه المنظمة بطلب مثل هذا التصور من الحكومة الاسرائيلية.  وكان غولدمان ايضاً هو الذي قام بالمحاولة الثانية بعدما وصل حواره مع تيتو الى غير ما كان يأمل فيه.

وقد ظهر في الصورة تلك اللحظة رجل الشيوعية الغامض والقديم من مصر هو هنري كورييل. كان كورييل، قد رأس لسنوات طويلة – قبل الثورة وبعدها بقليل – اكبر الاحزاب الشيوعية في مصر وهو تنظيم “حديتو”. وعندما غادر كورييل مصر نهائىاً فانه لم يذهب الى اسرائىل مثل غيره، وانما قصد باريس واقام فيها، وانشأ هناك مركز قيادة لتنظيمه ظل على اتصال بعدد كبير من الشيوعيين المصريين الذين حافظوا على صلتهم معه متأثرين بارتباطهم القديم بتنظيمه.

وفي الحقيقة فان عدداً منهم كان ما زال يعتبر ان هنري كورييل استاذه ومعلمه. وعلى نحو ما، فان هنري كورييل تمكن في هذا الوقت من شهر ابريل (نيسان) 1970 من ترتيب اجتماع بين غولدمان وأحد اقطاب حركة اليسار في مصر (وهو مسؤول سابق في تنظيم “حديتو” الذي انشأه كورييل ورعاه). وكان الاجتماع في شقة هنري كورييل في الحي السابع عشر في باريس.

والغريب ان غولدمان خرج من هذا الاجتماع ليبعث الى غولدا مائير بانه قابل ممثلين للاتحاد الاشتراكي العربي في مصر، وانه تلقّى دعوة لزيارة القاهرة. وعرفت القاهرة بسر اجتماع باريس عندما تفجّرت مضاعفاته في اسرائيل. وكان ذلك من طريق نبأ لوكالة الانباء الفرنسية قالت فيه “ان دعوة تلقاها الزعيم الصهيوني ناحوم غولدمان لزيارة القاهرة فجرت خلافات حادة في اسرائيل شملت الكنيست واثرت على الائتلاف الوزاري”.

وكان الذي حدث هو ان رسالة غولدمان الى غولدا مائير تسربت الى مجلس الوزراء الاسرائيلي كما تسربت الى بعض الصحف، وبدأت تحدث آثاراً عميقة في المجتمع السياسي الاسرائيلي. ووصل الامر الى حد ان تظاهرات اشترك فيها عسكريون وطلبة سارت امام مجلس الوزراء معربة عن تأييدها لغولدمان ومعارضة لغولدا مائير لانها صرحت ان “غولدمان لا يمثل حكومة اسرائيل”، وانه اذا كان لدى المبعوثين المصريين شيء فعليهم ان يقدموه لها وليس الى ناحوم غولدمان. والحاصل ان هذه القصة سببت شقاقاً عالي النبرة بين اسرائيل والنظام الصهيوني العالمي. وحاولت بعض الوكالات في باريس ان تسأل غولدمان نفسه عن وجود دليل عنده يستطيع ابرازه ليؤكد انه تلقّى دعوة لزيارة القاهرة. ولم يكن لدى غولدمان دليل يظهره.

ووقف ابا إيبان في اجتماع للجنة المركزية لحزب العمل الاسرائيلي يقول ما نصه (طبقاً لبرقية من وكالة الانباء الفرنسية) انه “ليس هناك ادنى دليل يثبت ان هناك دعوة لغولدمان لزيارة مصر والمسألة كلها لا تعدو أن تكون مبالغة تفتقر الى الاحساس بالمسؤولية. انها فقاعة صابون كبيرة، ومن سوء الحظ ان رجلاً مثل غولدمان اثار دراما عنيفة حول موضوع لا اساس له”. ثم نشرت صحيفة “الجيروزاليم بوست” ان “الرأي السائد في الدوائر الرسمية العليا في اسرائيل ان غولدمان هو الذي فكّر في هذا الموضوع، ثم ذهب الى باريس وتحدّث فيه مع بعض الزعماء اليساريين”.

وحاول غولدمان ان يوحي ان لقاء باريس تم بتنسيق مع الحكومة اليوغوسلافية، وبادرت حكومة بلغراد باعلان انه “ليست لها على الاطلاق اية علاقة بهذا الموضوع”.

 وكانت المحاولة الثالثة ايطالية قام بها لابيرا عمدة مدينة فلورنسا الشهير. وبدأ لابيرا فجاء بمفاتيح مدينة فلورنسا يقدمها هدية الى جمال عبد الناصر. وعندما التقى الاثنان لم ينتظر لابيرا طويلا قبل ان يفتح موضوع السلام مع اسرائيل. وكان لابيرا صريحا في كلامه فقال ان مسؤولين كبارا في الحركة اليهودية ناحوم غولدمان وحزب العمل هم الذين طلبوا اليه ان يقوم بمسعاه في مصر، وان هذا المسعى تكملة طبيعية لدوره في التوجه العام نحو السلام ومتفق مع المكانة الثقافية لفلورنسا وكان حلم لابيرا ان تعقد جلسات البحث عن تسوية عربية اسرائيلية في قصر السنيورينا الذي بناه لورنزو العظيم.

واحس جمال عبد الناصر ان لابيرا يتحرك بمنطق مثالي قريب من الثقافة وبعيد عن السياسة، واستمع اليه ثم طلب منه ان يواصل البحث في الموضوع مع محمد حسنين هيكل. وفي اليوم التالي كان لابيرا يدخل مبنى “الاهرام” يحمل تمثالا من البرونز لقديس يبحث عن السلام على الارض.

وبعد عودته الى فلورنسا بعث لابيرا الى الرئيس جمال عبد الناصر بخطابين. اولهما من ناحوم غولدمان اليه (الى لابيرا نفسه) نصه كما يلي: “الاستاذ جورجيو لابيرا 5 شارع مرمورا – فلورنسا صديقي العزيز، اني آسف انني لم اقابلك منذ بعض الوقت. فبعد لقائنا الاخير في 20 مارس (آذار) ذهبت الى نيويورك ثم عدت الى باريس. وفي آخر ابريل (نيسان) فاني ذاهب الى اسرائيل. وقد قرأت في الصحف انك كنت اخيرا في زيارة لمصر، ثم ذهبت بعدها الى اسرائيل، وانك ما زلت متفائلا بامكان التسوية السلمية.

لسوء الحظ فانني الآن افقد املي ويغيب عن تفاؤلي لان دواعي الشك امامي كثيرة. انني اخيرا قمت باتصالات واسعة، وقابلت ممثلين للاتحاد السوفياتي، واجريت محادثات مطولة مع الماريشال تيتو. وقد سمعت من كل ناحية ومن كل الناس ان الشخص الذي يجب ان اقابله هو هيكل. وانا اعرف ان عندك فكرة لجمع هيكل وابا إيبان. ولكن الماريشال تيتو قال لي ان هذه الفكرة او فكرة لقاء بين هيكل وبيني صعبة التحقيق.

هل تستطيع انت ان تفعل شيئا في هذا الاتجاه؟ انك تستطيع الاتصال بي في منتصف ابريل لكي نلتقي اما في روما واما في باريس. واكتب اليّ اذا طرأت لك فكرة جديدة لانه لا بد ان يبذل جهد للوصول الى ترتيب ما. وآمل ان اتلقى منك ردا قريبا. وافضل ان تبعث لي على عنواني في جنيف وهو: 26 طريق مالاجنيو. وتقبّل ايها الصديق العزيز كل املي في لقاء قريب بيننا. ناحوم غولدمان”.

وكان الخطاب الثاني الى جمال عبد الناصر من لابيرا نفسه، وكان نصه كما يلي:

“يا صاحب السعادة: ان هذه الايام التي تشهد احداثا عظيمة تطرح افكارا عديدة عن المفاوضات والسلام، وهذا يحدث الآن في فيتنام وفي يالعامل كله. فهل ترون ان ازمة الشرق الاوسط يمكن ان تجد طريقا مماثلا بين مصر واسرائيل؟ انني اتطلع بامل وايمان الى فكرة لقاء بين صديقك هيكل وابا ايبان. ان ابا ايبان مستعد. وانا اعلم ان اسرائيل عليها ذنوب كثيرة، ولكن علينا دائما ان نأمل وان نحاول مرة اخرى. انك يا سيدي الرئيس تستطيع ان تفعل كثيرا. واني ارجوك ان تقرأ بعناية خطاب غولدمان لي، وانا ارفق لك صورة منه. ان السلام لا يمكن تجنبه، والحرب مستحيلة، وحروب العصابات لا فائدة منها، والشيء الوحيد الباقي هو المفاوضات كوسيلة لا بديل منها لحل مشاكل العالم. يا صاحب السعادة، انني اريدك ان تحاول باقصى طاقتك. وان موقفنا حيال اسرائيل هو موقف “فتح النوافذ”. وفكرتي عن لقاء بين ابا ايبان وهيكل – او ربما عن اجتماع اعلى منهما مستوى – تبدو لي فكرة صائبة اكثر كل يوم. ان لدي املا على رغم كل شيء، وارجوك ان تصلي من اجلي. امضاء لابيرا”.

 كانت المحاولة الرابعة ايطالية ايضا، والقائم بها نائب رئيس الحزب الشيوعي الايطالي السناتور باييتا وكانت محاولة غير مباشرة. فقد جاء نائب رئيس الحزب الشيوعي الايطالي الى القاهرة وهو يحمل مشروعا يبدو ان لا علاقة له بالصراع العربي – الاسرائيلي. كان مؤدى مشروعه ان العالم يضطرب بمتغيرات بعيدة الاثر، وان البحر الابيض المتوسط الذي اتخذته القوى العظمى مجالا لسيطرتها وميدانا لحروبها، يجب ان يخرج من هذه السيطرة ويعود الى اهله واصحابه يجعلون منه بحيرة سلام وثقافة وحضارة.

وهكذا كان اقتراح باييتا عقد مؤتمر يكون لقاء حرا بين ممثلين عن كل البلدان المطلة على البحر الابيض تبحث فيه هذه البلدان كل شيء يخص شواطئ هذا البحر من الامن الى الفن. وكان واضحا ان محاولة باييتا رغبة في جمع العرب والاسرائيليين، قفز فوق المشاكل المستعصية في ازمة الشرق الاوسط. ولم يستطع باييتا ان يغطي مطلبه خصوصا حين قال له جمال عبد الناصر: “ان مصر بالطبع مهتمة بالبحرالابيض، ويمكن ان تشارك في اي شيء يتعلق بمستقبله”.

ثم سأله مباشرة: “هل تشارك اسرائيل في هذه المحاولة المتوسطية”؟

وردّ باييتا بقوله: “بالطبع… والحقيقة التاريخية ان الدور اليهودي الحديث تجربة متوسطية من اسبانيا الى تركيا ومن جنوا الى الاسكندرية”. وقال جمال عبد الناصر انه لا يتحدث عن اليهود، وانما يتحدث عن دولة اسرائيل. وقال باييتا ان “اسرائيل هي التجسيد العملي للدور اليهودي في البحر الابيض”. ولسنوات طويلة نامت مشروعات البحر الابيض حتى اعيد بعثها من قريب بعد حرب الخليج الثانية.

 ثم كانت المحاولة الخامسة رومانية تولاها الرئيس الروماني “نيقولاي تشاوشيسكو. ففي يوم 17 مايو (ايار) 1970 كان وزير التجارة الخارجية الروماني على موعد مع جمال عبد الناصر. وقد ذهب الى الموعد برفقة السيد حسن عباس زكي وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية في مصر في ذلك الوقت، وكذلك السفير الروماني في القاهرة. وبدأ الحديث في الاجتماع بنقل تحية الرئيس تشاوشيسكو التي يحملها وزيره الى جمال عبد الناصر. ثم تطرق الى العلاقات بين البلدين، والى قضايا التجارة والمنح الدراسية وغيرها. ثم سكت الوزير الروماني لحظة قال بعدها للرئيس ان لديه رسالة سرية يريد ان يعرضها عليه.

وابدى جمال عبد الناصر ان السيد حسن عباس زكي مسؤول كبير في حكومة الجمهورية العربية المتحدة، وانه موضع ثقة، وان الوزير الروماني يستطيع ان يتحدث في ما لديه امامه دون حرج. وبعد لحظة تردد لم يكن امام وزير التجارة الروماني مفر من ان يعرض ما يحمله من الرئيس تشاوشيسكو. وبدأ الوزير الروماني يتكلم. وطبقا لمحضر الجلسة، وهو على شريط مسجل جرى تفريغه بكتابة محضر كامل للجلسة، بدأ الوزير الروماني عرضه لما لديه وقال:

() “ان هناك مبادرة حدثت معهم من جانب اسرائيل، فقد عقد ماكوفسكو (وزير الخارجية الروماني) اجتماعا مع جدعون رافاييل السفير الاسرائيلي السابق في الامم المتحدة والمستشار الخاص لغولدا مائير الآن. وعرض جدعون الموقف في الشرق الاوسط وابلغهم عن اشياء رغب في ان يعرفها السيد الرئيس (يقصد جمال عبد الناصر) وقد درست القيادة في رومانيا ما دار بين جدعون رافاييل وماكوفسكو. وشجع الرئيس تشاوشيسكو نقل ما ذكره رافاييل الى السيد الرئيس”.

واكد الوزير الروماني انهم لا يرغبون في القيام بمهمة الوساطة، كما انهم لا يرغبون في دفع الاشياء في الاتجاه الذي يضير السيد الرئيس. وانهم بدافع الشعور بالصداقة كلف رئيسهم الوزير نقل ما طلبه الممثل الاسرائيلي، على ان يقرر السيد الرئيس ما يمكن اخذه في الاعتبار وما لا يؤخذ في الاعتبار. واكد ان هذه المعلومات التي سينقلها معروفة في اضيق الحدود، وانه يعرض الموضوعات كما تلقاها من ماكوفسكو، وسوف لا يضيف او يحذف شيئا. وهذا هو النص (نص رسالة جدعون رافاييل مستشار غولدا مائير): ” ان عام 1969 شهد تدهورا في الحل السياسي للموقف في الشرق الاوسط، وان الاسباب من وجهة نظره هي:

1- نقل مركز ثقل المحادثات بين الاطراف المعنيين الى الدول الكبرى – ولهذا اختفت مهمة يارتينغ.

2- ضياع الصلة بين قرار مجلس الامن 242 في نوفمبر (تشرين الثاني 1967وقرار وقف اطلاق النار الذي سبقه في يونيو (حزيران) 1967.

3- ازدياد ارسال الاتحاد السوفياتي الاسلحة الى الدول العربية بمعدل يفوق الحدود من حيث الكم والكيف.

4- ازدياد اعتماد اسرائيل العسكري والاقتصادي على الولايات المتحدة. من هنا يظهر الخطر بالنسبة الى ايجاد تسوية للموقف بواسطة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ونصبح مقيدين بخيوط لا يمكن السيطرة عليها بعد ذلك.

هذه هي الفكرة الاولى. والفكرة الثانية (نقلا عن جدعون رافاييل) ان حكومة اسرائيل مصممة على ان تعمل ضد اي احتمال لحرب جديدة، وقد قدمت تنازلات كثيرة، وكانت تنتظر اي اشارة من الدول العربية، وبخاصة من السيد الرئيس. ان اسرائيل اتخذت موقفا جديدا سوف يظهر عندما يصلون الى مرحلة المفاوضات وسوف تكون مستعدة لمناقشة كل المشاكل الناجمة عن الحرب دون اي شروط مسبقة على اساس قرار مجلس الامن وكذلك مناقشة اي مشكلة اخرى يريد الطرف العربي اثارتها.

ان اسرائيل قبلت اجراء محادثات على نمط محادثات رودس التي تعتبر مزيجا من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة. وهم يعتبرون هذه الموافقة تنازلا عن موقفهم السابق الذي كانوا يصرون فيه على المفاوضات المباشرة. كما قبلت تسوية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على المستوى الثنائي مع الدول العربية.

ان اسرائيل تعتقد ان حقيقة الخلاف بينها وبين الدول العربية هو فقدان الثقة. فالعرب يعتقدون ان اسرائيل ترغب في التوسع الاقليمي باستعمال القوة. وفي الوقت عينه تعتقد اسرائيل ان العرب يريدون تدميرها كدولة. والوسيلة الوحيدة للتغلب على عدم الثقة هي وضع ما تعرضه اسرائيل موضع التجربة لانه لا يمكن ان يجيء الحل من الخارج. ان الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يسيطران على الموقف في المنطقة، ولكننا نحن الذين ندفع دماءنا (يقصد العرب واسرائيل). ان جدعون يعرض النقاط التالية:

1- ان اسرائيل لن تملي شروطا من اي نوع على الدول العربية، وبالمثل فان اسرائيل لن تقبل اي تسوية تفرض عليها. ان جوزف سيسكو (وكيل وزارة الخارجية الاميركية المختص بالشؤون العربية والاسرائيلية) او دوبرينين (السفير السوفياتي في واشنطن) لن يضعا الحدود بيننا لانها ليست الحدود بين اميركا والاتحاد السوفياتي. كما ان اسرائيل لا تريد ان تعيش وراء حدود الولايات المتحدة.

2- ان اسرائيل لا تريد اي شيء يغيّر من طابعها القومي كوطن لليهود.

3- وبالتالي فان اسرائيل ليست لديها النية لضم او للاحتفاظ بالاراضي التي تحتلها (Israel

has no intention to keep or to annex the territories under its occupation now). 4- ان التسوية يجب ان تتضمن حلولا عاجلة لازالة احتمالات خطر تجدد الحرب، كما ان اسرائيل تريد ضمانات ضد فرض حصار بحري جديد عليها.

5- ويجب وجود ضمانات في شبه جزيرة سيناء حتى لا تكون قاعدة للهجوم على اسرائيل. وفي المقابل فان اسرائيل على استعداد لاعطاء ضمانات مماثلة في ارضها لمصر”.

وكان جمال عبد الناصر يسمع دون تعليق. راح الوزير الروماني يقول انه يبدو له “ان اسرائيل لديها حلولا مقبولة، ولكنهم يرون انه ليس من الطبيعي الاعلان عن هذه الحلول الا اذا كانت واثقة من انها داخلة في محادثات جدية وحقيقية مع مصر”. وجاء الدور لجمال عبد الناصر ليتكلم، فعرض النقاط الآتية طبقا لنص المحضر:

 اعرب عن شكه في ان تكون لدى اسرائيل خطة لحل سلمي. وهو يشعر ان كل ما تطرحه الآن هو محاولات غامضة هدفها في واقع الامر تقويض “undermine” مركز مصر.

 انه يتابع مناقشات مجلس الوزراء الاسرائيلي، وهو يعرف ان هناك غالبية تؤيد ضم اجزاء من الاراضي المحتلة لاسرائيل.  ان الحل الوحيد الذي يستطيع الموافقة عليه هو الانسحاب الكامل. ولا يمكنه الموافقة على حل يترك القدس لاسرائيل.

 ان موقفه من الحل واضح ومعلن في الوقت الذي تخفي فيه اسرائيل خططها وتبقيها سرا.

 ان المستر ناحوم غولدمان قام من قريب بمثل هذه المحاولة التي يقوم بها مستشار غولدا مائير الان”.

وهنا قاطعه ضيفه الروماني قائلا: “سيدي الرئيس، ان غولدمان غير محبوب من وزراء حكومة اسرائيل، ولا يمكنه ان يتحدث باسم حكومة دولة اسرائيل”.

ورد جمال عبد الناصر بأنه طلب من الوزير الروماني ان ينقل تحيته وشكره للرئيس تشاوشيسكو على اهتمامه المتواصل بأزمة الشرق الاوسط. ولم يكن الوزير الروماني راغبا في قفل باب المناقشة بهذه الطريقة، فعاد الى الالحاح يسأل: “اذا كان ما نقله عن الاسرائيليين لا يرضي السيد الرئيس، فهل يستطيع ان يعرف منه ما الذي يقبله؟”

وقال جمال عبد الناصر( طبقا لنص المحضر): “انني ارغب في حل سلمي، واشعر بقدرتي على اقناع الامة العربية به اذا وجدته محققا لمصالحها وامنها. ولكنني لست مستعدا للقيام باي مقامرة. فالموقف العربي جيد، والامة كلها واقفة معنا. حتى الذين يختلفون مع توجهاتنا الاجتماعية يدعمون موقفنا الاقتصادي. ومطلب الجميع هو الانسحاب، وهو الشرط الذي يجمعنا سويا كأمة عربية. وبالتالي فنحن عندما نتكلم عن الانسحاب نعني ليس فقط من الاراضي المصرية، ولكن من كل الاراضي العربية”.

ولم تصل محاولة تشاوشيسكو – شأنها شأن محاولات غولدمان ولابيرا وباييتا من قبل – الى نتيجة. ولم يكن ويليام روجرز وزير خارجية اميركا المكلف شؤون الشرق الاوسط على استعداد لان يصل مشروعه الى مثل ما وصلت اليه مبادرات “دكاكين السلام الصغيرة” على حد تعبيره. وانما كان يريد استغلال تكليف ريتشارد نيكسون له حل مشكلة الشرق الاوسط ويصل فيها الى نتيجة ناجحة يسبق بها تكليف خصمه اللدود هنري كيسينجر حل ازمة فيتنام.

() كانت القاعدة في ذلك الوقت وبعد حرب 1967 تسجيل كل مقابلات الرئيس جمال عبد الناصر حيث يكون السجل كاملا لان كل الموضوعات السياسية كانت تصب في محيط الامن القومي بشكل او آخر. وكانت هناك رغبة في ان يكون السجل كاملا لضمان تدقيق الاحاديث وضمان اتصال السياسات.

اضف رد