الرئيسية / أضواء على / عبد الله العلايلي: صديق الجميع… “حتّى الملاحدة”

عبد الله العلايلي: صديق الجميع… “حتّى الملاحدة”

في شهر رمضان الكريم، ينشر “أساس” مجموعة بورتريهات، تتناول جوانب من سِيَرِ “كبار” في المقلب الإسلامي، كان لهم أثرٌ كبيرٌ في الخير والمحبّة، وشابهوا أجمل صفاتِهِ. هو تكريم لوجوه لبنانية، كان لها عميق الأثر في صناعة المشهد الجميل في بيروت والشمال والجنوب والبقاع وغيرها من المناطق. الحلقة الـ17 نستذكر فيها الشيخ الراحل عبدالله العلايلي.

تقول الحكاية إن الشيخ عبد الله العلايلي كان يتجوّل مع الناشر الشهير إلياس أنطوان إلياس في مستودع كتبه، و”خلال تبادلنا أطراف الحديث وصلته بروفة لملزمة من قاموسه، ولفتت انتباهه كلمة إنكليزية تعني: سار بمحاذاة الشاطئ. فقال لي إنه عبثاً حاول البحث عن مرادف عربي لها من كلمة واحدة لا جملة، وبلمح البصر أجبته: تشطّى. وهي تفي بالمعنى المطلوب”(حديث لجريدة “السفير”، 1995). فرح إلياس بهذه الصيغة، وقال للعلايلي: إنه سوف يطبع كتابه “مقدّمة لدرس لغة العرب”. وهكذا كانت المقايضة. كان الشيخ الضليع باللغة العربية والواضع معجماً لها، يدعو دائماً إلى تحريرها: “لا تضعوا اللغة في قماط يحبس أنفاسها”. وهو إلى تحرير اللغة، كان منادياً بتحرير الفكر وتحرير الدين وتحرير الإنسان، وكان جريئاً، لا يحول شيء دون إبداء رأيه، مهما كانت غرابته، كما “لا يحول بيني وبين رأي أنّه قليل الأنصار. فإن الحقيقة لم تعد تُنال بالتصويت”، كما كتب في مقدمة كتابه البديع “المعرّي ذلك المجهول”.

الشيخ المولود عام اندلاع الحرب العالمية الأولى في بيروت لعائلة متوسطة تعمل في التجارة، أمضى نشأته الأولى في كتاتيب بيروت والتحق بمدرسة “الحرج” التي أسستها جمعية المقاصد الإسلامية، ثم انتقل إلى الأزهر في القاهرة حيث تابع دروسه إلى حين تخرّجه العام 1936.

انتسب إلى كلية الحقوق في القاهرة، لكنه اضطر إلى قطع دراسته والعودة إلى بيروت بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية. تسلَّم بعد عودته مهمة التدريس في الجامع العمري الكبير في بيروت، واستمرّ فيه ثلاث سنوات يخطب في المصلين داعياً إلى نبذ الطائفية والانتفاضة ضد الانتداب الفرنسي.

شارك في تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي إلى جانب كمال جنبلاط. كتب دستور الحزب، ثم ما لبث أن غادره بعد سنة ونصف. ثم ترشّح بعدها لمنصب مفتي الجمهورية اللبنانية وخاض معركة قاسية، ولم يفز.

كتب العلايلي في مجالات عدة، أهمها اللغة، كما كتب في السياسة والفقه والتاريخ العربي والإسلامي، واعتبر دراسته ضرورة للإفتاء، وأنه لا دراسة فقهية من خارج معرفة عميقة لتفاصيل ومنعرجات التاريخ، فنشر كتاباً عن “تاريخ الحسين” وآخر عن السيدة خديجة “مثلهنّ الأعلى”، كما روى مشاهد وقصصاً “من أيام النبوة”، و”إني أتهم” واحد من كتبه التي هاجم فيها التفكّك الطائفي الذي استشرى في المجتمع اللبناني. أما كتابه “أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد…”، فهو كتاب يكتسب أهمية كبيرة لأنه يتناول قضايا كتب عنها العلايلي في العام 1978 ولا تزال إلى اليوم قائمة في إشكالياتها، ويثار حولها غبار كثيف، خصوصاً في مسألتي العقوبات الجسدية والزواج المختلط. في مسألة العقوبات الجسدية رأى  أن الحدود، مثل قطع يد السارق أو رجم الزانية وسواها، ليست مقصودة لذاتها، بل لغاياتها. في مسألة الزواج المختلط اعتبر العلايلي أن القرآن يحرّم زواج المسلمة من المشرك، وليس من الكتابي، فأجاز هذا الزواج، مخالفاً بذلك الإجماع الفقهي. 

هو يحاول في كتابه “زحزحة باب موصد”، بل نقول “أبواباً موصدة”، لكثرة المواضيع التي خلخل العلايلي أقفالها الصدئة، وخلّع أبوابها الصلدة التي تحول بين الشريعة وهموم الناس

ربما هذا كان السبب في تعرّضه لضغوطات كثيرة ومضايقات أدّت إلى سحب كتابه من التداول، وبقائه طيّ الكتمان حتى إعادة نشره في بداية التسعينات، “ولا أعتقد أنّ الذين منعوا كتابي من التداول هم المدافعون عن الشريعة! فالشريعة ليست ديناً بل منهج حياة وسلوك… وكلّ منهج من هذا النوع متطلّب للتجديد حتى يبقى على قيد الحياة”، يقول في حوار مع مجلة “الحوادث” بعد سحب كتابه من السوق في العام 1978 “بعدما اشتراه أحدهم من دار النشر دفعة واحدة”. ولعلّ هذا النوع من الاجتهادات “الثورية”، دفعت بكثيرين إلى إعطائه لقب “الشيخ الأحمر”. ويكتسب العلايلي أهميته من خلال تناوله مواضيع معاصرة تشمل ميادين عملية عدة تتصل بالدين، وكان هدفه كما كتب في تصدير الطبعة الثانية من “أين الخطأ…” (دار الجديد، 1992)، أن يجد الناس في كتابه “شيئاً يحمل على التساؤل، ولا يعنيني أكان ذلك لجدارة أم كان لنكارة”. وهو يحاول في كتابه “زحزحة باب موصد”، بل نقول “أبواباً موصدة”، لكثرة المواضيع التي خلخل العلايلي أقفالها الصدئة، وخلّع أبوابها الصلدة التي تحول بين الشريعة وهموم الناس. 

وأكثر ما قد يدلّ على انفتاح الشيخ، الذي يرقد بسلام في الحديقة الخلفية لجامع الإمام الأوزاعي، وحرصه على معرفة الآخر وقبوله، هو ما قاله في مقابلة مع أحمد بيضون (نشرت في كتابه “كلمن: من مفردات اللغة إلى مركّبات الثقافة”): “هذه طبيعتي. أنا سمح مع كلّ فكر وإن كان مناقضاً لما أعتقد… يهمّني الفكر لذاته من أيّ مصدر… عندما كان عليّ أن أتعمّق في دراسة الكتب الدينية كنت أقبل بنهم على كتب تناقضها تماماً. ولي طبعاً أصدقاء ومحبّون في أديان أخرى، ومذاهب أخرى، وحتى من الملاحدة. الفكر مقدّس”.

اضف رد