عبد القادر الجزائري ماسوني: نصدق «آر تي» أم نكذب التاريخ؟ أولادنا من المحيط إلى الخليج!


لينا أبو بكر
Jan 25, 2018
القدس العربي

طلقت ميلانيا ترامب مرتين خلال رحلة زواجهما الغريب، بعد أن اضطرها إفلاسها في شبابها المبكر للإرتباط به، وبيني وبينك أيها المشاهد مش عيب، ولكن العيب هو ما كشفت عنه قناة «فوكس» الالكترونية، حين وجهت اتهاما مباشرا للرئيس وحرمته بالكذب على «الميديا» والشعب، عندما صرحا، أنهما لا يعرفان في حياتهما مصطلحا اسمه «الشجار الزوجي»، علما بأن ترامب «الزوجة» ترى في زوجها نسخة مطابقة من أبيها في الهيئة والطباع، رغم اختلاف المكونات الثقافية والاجتماعية بينهما، فكيف تتلقى أنت كمشاهد عربي هذه التهمة التي تختصر مصفاة عرقية ضخمة وطاحنة، بحبل كذب، طوله لا يزيد عن نصف متر حسب قصة المثل الشهير؟ وهو بشكل أو آخر يتماهى مع أحد ألقابه: صاحب «الأصابع القصيرة»، كما يحلو لأطفال بلاده أن يتمسخروا عليه!

إنه مرض الصورة، الآتي من عالم والت ديزني «الماسوني»، أروع ملكوت على وجه الأرض للأحلام، وقصص المغامرات الأسطورية وعوالم الفرسان والحوريات، والنبلاء من أصحاب الدم الأزرق، والأميرات الشقراوات اللواتي ارتبطت بهن صورة ترامب، في أذهان الصغار الذين أجابوا على استفتاء حول أول ما يتبادر إلى مخيلتهم مجرد سماعهم اسم ترامب! وهي ذاتها الصورة التي تحيط بالأمير الخليجي المترف، والباذخ، تعيد إلى الذاكرة أساطير «ألف ليلة وليلة»، عن ملوك الإنس والجان، وقصور المردة ونسوان السلطان، وأولاد جهنم في «ريتز كارلتون» الخليج، وأحفاد الإيوان المحرم في أصفهان!

حجر النرد وروشِتّة الميعاد!

الفارق بين ترامب وحكم السلمانيين في السعودية، ليس التناقضات، ولا الصورة الإعلامية – رغم أنها تثير ما تثيره من شغف مجنون لدى المتتبعين – تحليليا وتجاريا – إلا أن ما يجمعهما عروة وثقى، تكمن في سبب وصولهما إلى رأس الحكم، فترامب لم يدخر أي تصريح عنصري ضد الأعراق المغايرة، وربما نجح باختلاله العقلي والأخلاقي، فما أن تولى منصبه حتى انقلب عليه منتخبوه، لماذا؟ في حين أن السلماني جاء باستيراتيجية تلبي كل التطلعات الإعلامية والاجتماعية للتغيير، ولم يواجه سوى السخط والغضب والاعتراض، كمان لماذا؟
إنه حجر النرد، الذي يتحكم به أصحاب المحفل الأكبر، يحركون السلم ويبقون على الثعبان في وضع متجمد، على طريقة أفاعي الزلازل في اليابان، التي تضرب رأسها بالحيطان حتى تهلك، لتموت قبل أن ترتجف أعصاب الأرض أو تهتز قصباتها!
الطريف في الأمر، أن النبوءات أو التنجيم الإعلامي يحدد لك ملامح المراحل، فلو عدت إلى ما كتبه توماس فريدمان عن مستقبل أمريكا تحت عنوان «الأرض مسطحة»، تعثر على الحائط الذي يلتصق برأس ترامب، طالما أنه يجر امبراطوريته المغرورة إلى ما وراء سور غليظ من العزلة المطبقة، اشتدت وطأته بعد منحه الصهاينة «روشيتة الميعاد»، كمحاولة طبية فاشلة لمعالجة تاريخهم المصاب بأعراض التيه!
طيب، عد إلى قناة «فجر النهاية» الالكترونية، لتلتقط أعراض الفتنة الخليجية بعد الفتنة العراقية والشامية، التي يدخل على إثرها الشرق في غيبوبة وعي، لا يستفيق منها إلا على القيامة، فقد صنف النبي الكريم الفتنة إلى أربع: فتنة الدم، ثم المال، ثم الفروج، ثم الفتنة الإعلامية، التي وصفها بالصماء العمياء، تمور مور الموج في البحر، تبدأ في سوريا ثم بابل وتنتهي في الجزيرة… مما يعني بالضرورة وحدة مصير قوامها: الفكفكة أو التفكك… فماذا بعد!

البرنامج والتاريخ!

لو عدت إلى برنامج «رحلة في الذاكرة»، الذي تبثه قناة «روسيا اليوم»، وتحديدا لقاء «خالد الرشد» مع الباحث الروسي «أندريه سيركوف»، ستعرف كيف انهزم القياصرة في روسيا؟ ومن أين تحديدا انبثقت ثقافة الثورات والانقلابات؟

وكيف استطاعت حركات التحرر أن تشكل حلقة انشطارية من حمل عنقودي، يتولد عنه نشاطات حرارية مدمرة؟ لأن الماسونيين في روسيا استندوا إلى تعاليم ومبادئ الثورة الصناعية في فرنسا، ليشكلوا كيانا جديدا بثورة فبراير/شباط 1917 – يشغل فيه «محفل الدوما» كتلة ثقيلة في البرلمان الروسي، يتفرع عنها محفل عسكري يضم الضباط المتنفذين في الجيش الأحمر، ثم محفل للصحافيين وكبار الأدباء والشعراء والفلاسفة والمفكرين الروس، عداك عن المحفل القانوني الذي ينتنمي إليه كبار المحامين والهيئات الحقوقية والمنظمات الاجتماعية في الامبراطورية، قبل أن يطيح بهم البلاشفة، تاركين شكوكا تاريخية حول ماسونية لينين، التي نفاها ضيف البرنامج، بل عدّها ظلما أحاق به، مستندا إلى عِدّة بحث وأرشيف يخرجانه من دائرة اليقين، في الوقت ذاته الذي نفى فيه أن تكون الماسونية يهودية في تعاليمها السرية، بل نسبها إلى المسيحية، لا تدري هل هو بذلك يدافع عن الماسونية أم يهاجم اليهودية؟ في الوقت ذاته الذي بدا فيه حريصا على المحايدة أكثر من الدقة، فلا هو نفى ولا

هو أثبت بشكل قطعي، رادا كل معلومة إلى ذمة الوثائق، دون أن يعلن ثقته بها!
الطامة ليست هنا، إنما وهو يؤكد للمذيع أن المناضل الجزائري الأمير عبد القادر، ماسوني، وأنه تعامل مع حركة التحرير الماسونية في فرنسا، وانتمى لأحد محافلهم في المنفى، علما بأن هناك العديد من المصادر الجزائرية على الشبكة العنكبوتية تثبت تهمة عمالته لفرنسا، بوثائق صريحة ومترجمة احتوت على نصوص معاهدات بينه وبين جنرال الاستعمار «بيجو»، أهمها معاهدة التفنة عام 1837، التي تعترف بسيادة فرنسا، لا بل إن أحد فصول كتاب «حياة عبد القادر « الصادر في لندن 1867، أكد تقاضي الأمير من نابليون الثالث مبلغ 4000 ليرة سنويا، وأنه انضم للنادي الماسوني في مصر وقدم خدمات جليلة على صعيد الاستثمار!

خبطة مخ!

طيب، بين لعبة التشويه والدعاية، من يملك الحق في الاستغناء عن التاريخ واستبدال الحقيقة؟ ثم كيف تصبح صناعة الأبطال حكرا على الغزاة لا الحماة؟ الخطر إذن لا ينتهي حين نخرج الأعداء من بلادنا، بل يبدأ من هناك! لأن ارثنا لا ينتمي لحلمنا إنما للوهم الذي نصبح جزءا منه مع الزمن، حتى ليبدو أنه ضحيتنا لا نحن ضحاياه!
عندما كتب هذا القلم في هذه الزاوية أكثر من مرة، يؤكد أن الحرب في سوريا لم تنته بل بدأت للتو، وأن الأسد إلى زوال ما دام البلد راحت، اتهمنا البعض وقتها بأننا نشمت في دمار الشام، يا لقبحهم، وأنت تراهم اليوم يعترفون بوهمهم، لتتأكد أن الوهم، ينتمي لسلالة الحبال، ولكنه هذه المرة، حبل إنقاذ فقط لمن يتعربشون به كلما تلولحت بهم الهاويات… وأن اللعبة أكبر من الدمى التي يتقاتل عليها الصغار، ويقعون في غرام وثنيتها، ويُتَمْثِلونَها كآلهة، لأنهم مصابون بداء ترامب: الصورة!
لا تدري هل يصبح الأبطال بعد اختمار الزمن، مجرد صدمة ذاكراتية أو تاريخية، يعني بالمشرمحي: خبطة مخ، في الوعي الوطني لا أكثر ولا أقل! أم أن ساحة «صقر الصحراء» التي يؤمها السياح والزوار للبكاء على أمير الثوار، ستستبدل التمثال بشجرة الدردار، كتعويض دعائي عن التشويه الإعلامي! أم أنه عليك أن تتحول إلى كائن فضائي، ينتمي للمحطته التلفزيونية، لا تاريخه، بعد تحول التاريخ إلى جدار عازل، لا ترى فيه سوى من ظلوا وراءه لا من سبقوه إليك!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*