الرئيسية / home slide / عبد السلام العجيلي..الحكواتي ذو العينين

عبد السلام العجيلي..الحكواتي ذو العينين

بشير البكر|الإثنين15/03/2021
Almodon.com

طبيب الفقراء في الرقةقلة هم السوريون الذين لم يسمعوا بالدكتور عبد السلام العجيلي، ليس لأنه زعيم سياسي أو شخصية مقررة في المناهج الدراسية، بل لأنه ظاهرة ولدت مع ميلاد مدينة الرقة الحديثة في نهاية الحرب العالمية الأولى، وأصابه قسط من أسرار تلك الحاضرة التاريخية التي استقرت على ضفاف نهر الفرات، واستراحت على شاطئه لتكبر بين أشجار الصفصاف والطرفة والغرب والبردي. والعجيلي سليل الحكاية التي تمتد في سيرة الأهل الذين جاؤوا من بادية الموصل ليستقروا حيثما ناخت الذلول، ويعمروا الدارة الأولى ليس بعيداً من الرصافة. وفي أول زيارة لي إلى الرقة، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، أردت زيارة صديق من بيت العجيلي، ولم أكن أعرف العنوان. وحين سألت بالقرب من محطة القطار عن بيت العجيلي تبرع شخص ونقلني إلى هناك، وهو لم يكن على صلة بالكتابة، بل رجل عادي يعرف العائلة عن طريق الدكتور عبد السلام الذي كان أول طبيب زار عيادته في الرقة، وهذا يدل على السمعة الطيبة التي يحظى بها الدكتور عبد السلام الذي كان يداوي المرضى الفقراء بلا مقابل.

ولا تقف سيرة العجيلي عند ممارسة مهنة الطب في بيئة فقيرة، بل هو علامة ثقافية ومن مؤسسي الحركة الأدبية في المدينة، وهي حركة ثقافية نشيطة ومتميزة ورفدت الحركة الثقافية السورية بعدد من الكتاب المعروفين مثل ابراهيم الخليل، خليل جاسم الحميدي، محمد جاسم الحميدي، هيثم الخوجة، محمد الحاج صالح، خليل الرز، ابراهيم الجرادي، شهلا العجيلي، ومن الذين جاؤوا من خارج المدينة وتفاعلوا مع الحركة الثقافية في الرقة نبيل سليمان، ووفيق خنسة..إلخ.

وذات ليلة من خريف 1993، تلقيت اتصالاً هاتفياً من الصحافي ياسر هواري العتيق في هذه المهنة. هو مؤسس لصحف عربية كبيرة وعديدة، منها “الشبكة” في دار الصياد مع سعيد فريحة، و”الأسبوع العربي” التي كانت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي المجلة الأسبوعية الأولى، وقبل أن ينتقل إلى المنابر الاعلامية باللغتين الفرنسية والانكليزية، أسس مجلة “كل العرب” في باريس التي كان لها موقعها الطليعي بين الصحف العربية المهاجرة. وحمل هواري أكثر من لقب، “أبو الصحافة العربية”، “شيخ الصحافيين العرب” في فرنسا. وكان الغرض من الاتصال دعوتي للعشاء مع الدكتور عبد السلام العجيلي الذي طلب حضوري بتوصية من الصديق الشاعر بندر عبد الحميد، والذي حدثته خلال زيارته إلى باريس عن مؤسسة فرنسية لديها مشروع لتحويل إحدى قصص العجيلي إلى فيلم سينمائي. والقصة هي الأولى من مجموعة “قناديل اشبيلية” والتي تحمل العنوان نفسه، وتعد واحدة من أنضج كتابات العجيلي فنياً وفكرياً، وكان الفريق الفرنسي يفكر في تحويلها إلى فيلم لأن أحداثها تدور في مدينة اشبيلية، وتتناول مسألة إشكالية تتعلق بإعادة تركيب تاريخ العرب في الأندلس من خلال رؤية نقدية حادة للبكاء على الأطلال لدى قطاع واسع من العرب. وبالفعل ربطتُ الدكتور العجيلي بالطرف الفرنسي، لكن المشروع لم يتم لأنه لم يحصل على التمويل اللازم.

وفي العشاء الذي أقامة هواري في مطعم بالدائرة 17 من باريس، كان العجيلي نجم السهرة، وسحَر المدعوين بحضوره وحديثه الذي يتكئ على مخزون هائل من الذكريات، تدور بين الطب والكتابة والسياسة بين مدينته الرقة، وحلب التي عاش فيها مرحلة الشباب، ودمشق الدراسة الجامعية والسياسة والثقافة، بالاضافة إلى رحلاته إلى القارات كافة. ورغم ما عاشه العجيلي من تجارب وأسفار وما عرفه من أمكنة، فإن الرقة بقيت المكان الأثير، اختارها كي تظل مقره ومستقره حتى وفاته العام 2006. وكان في ذلك يسجل وفاءه للمكان الخاص الذي شكّل شخصيته في تجلياتها الأولى، وما بعدها على الدوام.

رافقتُ العجيلي في اليوم الثاني لزيارة جناح الفن الاسلامي في متحف اللوفر الذي كان في بداية تأسيسه، وقبل أن يتوسع لاحقاً بمبادرة من الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك. وفوجئت بأن العجيلي على دراية بتفاصيل متحف اللوفر من الداخل، والتوسعة الكبيرة التي أقامها الرئيس فرانسوا ميتران في الثمانينات من القرن الماضي. وهنا أشير إلى أن الثقافة الفرنسة إحدى مرجعيات العجيلي، فهو على اطلاع كبير عليها وخصوصاً الكلاسيكية منها. يجيد اللغة الفرنسية كتابة وقراءة ويتحدثها بطلاقة، وروى لي أنه يزور باريس بصورة منتظمة منذ الخمسينيات.

وللتاريخ كان العجيلي عضواً عن مدينة الرقة في أول برلمان سوري تم انتخابه العام 1947 بعد الاستقلال عن فرنسا، وكان ابن 29 عاماً، لكن هذا البرلمان لم يدم طويلاً، إذ قاد الضابط حسني الزعيم أول انقلاب عسكري، ونصب نفسه رئيساً للدولة وحل البرلمان والحكومة، وكان لذلك تأثيره الكبير في مسار البلد الذي يعاني من وقع نكبة فلسطين وهزيمة العام 1948. وفي تلك الحرب، شارك العجيلي في القتال ضمن جيش الإنقاذ، بقيادة فوزي القاوقجي، وعاد منه مثل بقية أبناء البلد الذين انكفأوا في وقت كانوا يحلمون بولادة سوريا الجديدة بعد الاستقلال، لكنها دخلت في نفق الانقلابات العسكرية مثقلة بالنكبة وقيام دولة اسرائيل.

لم يكن العجيلي طبيباً وكاتباً فحسب، بل وجيهاً دمج الأصول بالعصرنة، ويبدو أن كل ما تعلمه وقام به في حياته كان في ذاك السياق، ولا يعود هذا إلى أنه ولد في بيت عائلة من الوجهاء أو شيوخ البدو كما نقول في لهجة أهل تلك المناطق، بل إلى ما بذله من جهد لتنمية البذرة التي زرعها فيه ذلك البيت كي يستحق عن جدارة الوصف الذي اطلقه عليه صديقه الشاعر نزار قباني، حينما كتب يصفه في وقت مبكر جداً بأنه “أروع بدوي عرفته المدينة وأروع حضري عرفته البادية”. والتصق هذا الإطراء بالعجيلي ليصبح ما يشبه البرواز العريض لشخصية الكاتب التي ذاع صيتها في العالم العربي. وحين يقف المرء أمام تراث العجيلي، من قصة قصيرة وروايات ورحلات، فإنه يخرج بحصيلة غنية يعود الفضل فيها إلى الانتاج الغزير الذي كرس له الكاتب قسطاً من حياته، فهو لم يتفرغ للكتابة أبداً، بل مارسها إلى جانب عمله كطبيب، وجعل منها نشاطاً حياتياً مثل نشاطاته الأخرى التي توزعت بين إعطاء وقت للحياة اليومية في الرقة والسفر إلى الخارج. وهناك سؤال عن سر تخصيص العجيلي قسطاً من وقته للأدب والسياسة مع أنه كان ميالاً للعلوم التطبيقية، ولذلك درس الطب ومارسه عن حب واحترام ومهنية. ويشار هنا إلى أنه عاد الى العمل السياسي الرسمي لفترة قصيرة بعد انفصال سوريا عن مصر، وتولى وزارة الخارجية والثقافة والإعلام، ويأخذ عليه البعض ذلك، ويسجلون عليه أنه وافق على الانفصال. لكن العجيلي يقول إنه حاول احتراف السياسة حين ترشح للمجلس النيابي عن الرقة بعد الاستقلال، وكان همه خدمة هذه المنطقة التي تضاهي مساحة دولة مثل بلجيكا (26 ألف كيلومتر مربع)، وكانت “التجربة مثبطة لشاب مثلي، حين انتهت دورة المجلس النيابي بانقلاب حسني الزعيم، وهجرتُ السياسة كمحترف. وفي العام 1962 تألمت كثيراً للانفصال، وتم الحديث معي للمشاركة في الحكومة لأن البلد كانت بحاجة إلى مستقلين”.

يبقى العجيلي، لكل مُعاصريه،  ظاهرة انسانية اجتماعية
وثقافية في بيئة كانت تعيش مرحلة انتقالية من طور البداوة إلى الزراعة وبناء المدينة، وترك أثراً خاصاً في هذه المرحلة، ما يشبه تأثير كتاب بداية القرن العشرين في أوروبا. ورد له أهل الرقة الفضل الكبير بأن رأوا فيه على الدوام علامة من علامات ولادة وتطور هذه المدينة التي عرفت الإهمال الرسمي، مثلها مثل شقيقاتها في شمال شرقي سوريا، دير الزور والحسكة اللتين تشاركان الرقة النسيج الاجتماعي والبيئة الاقتصادية والثقافية. لكن ما ذهب بالعجيلي بعيداً من الرقة، هو الطريقة التي كتب وقدم نفسها بها، وهي قريبة جداً من أسلوب الحكواتي. وهو يتمتع بعين بقيت مفتوحة في الاتجاهين، الداخل والخارج، على نحو من المثاقفة الذكية، كما هو الأمر مع “قناديل اشبيلية” التي تروي قصة الشاب المغربي في اشبيلية، أو قصة شاب من الرقة في مدينة أوبسالا في السويد. وهو هنا يبدو معاصراً جداً، ونقدياً كما أشرت، لأنه يخلّص شخصياته من الحنين إلى الماضي، ويعالجها من الأوهام، ويعيدها لتفكر وتحيا في عالم اليوم.

كان العجيلي يردد في الأحاديث التي تُجرى معه، أن الأدب بالنسبة إليه هواية، ومع ذلك ترك عشر مجموعات قصصية، وخمسة أعمال روائية ومجموعة شعرية، وأكثر من عشرة مؤلفات تنتمي إلى المقالة والمذكرات وأدب الرحلات. فمهنة الطب لم تسلبه محبته للأدب. لماذا نعتبر العجيلي رائداً، وبماذا يختلف عن كل من زكريا تامر وسعيد حورانية؟ هذا السؤال يحتاج إلى أطروحتي دكتوراة.

لكن، وباختصار شديد، تكمن ريادة العجيلي في أنه كتب بأسلوب جديد، مزج بين الحداثة التي أطل عليها من خلال القراءة بالفرنسية، وأسلوب الكتابة التراثية كما هو الحال في “ألف ليلة وليلة”، ويعتبر أكثر من دارس لأدب العجيلي أنه أحد مؤسسي فن الحكاية العربية المتميزين، وشكلت أسفاره ورحلاته مادة أساسية لأعماله. وهو بذلك تميز عن تامر وحورانيه بأنه أطل على الثقافة الأجنبية باكراً وسافر بعيداً، عدا عن أنه ليس ابن العاصمة دمشق، بل هو من بيئة أخرى كرس لها قسطاً كبيراً من إنتاجه الذي تُرجم إلى لغات عديدة. ويمثل العجيلي الوفاء للرقة وأهلها، ورغم شهرته والأضواء التي سُلّطت عليه محلياً وخارجياً، ظل ذلك المواطن الذي يرفض أن يستبدل الرقة بمكان “ولدتُ في الرقة. بلدة صغيرة، أو قرية كبيرة على شاطئ الفرات بين حلب ودير الزور. من الناحية الاقتصادية كان أغلب أهل الرقة، وأسرة العجيلي منهم، يعيشون حياة نصف حضرية بأنهم كانوا في الشتاء يقيمون في البلدة، فإذا جاء الربيع خرجوا إلى البادية يرعون فيها أغنامهم ويتنقلون بين مراعي الكلأ حتى أوائل الخريف. وقد عشت هذه الحياة في صباي فأثّرت فيّ كثيراً وقبستُ منها كثيراً في ما كتبت..”، وكتابه “عيادة في الريف” يعكس عمق العلاقة بين العجيلي وأبناء بيئته، وحين تحدثتُ، في مطلع هذا المقال، عن ياسر هواري كبير، الصحافة العربية، وعلاقته بالعجيلي، فليس ذلك أكثر من إشارة إلى صداقات هذا الرجل مع كبار زمنه الذي عاشه طولاً وعرضاً وسجّل شهادة الكاتب المتعدد الذي عاش وتفاعل مع القسم الأكبر من أحداث القرن العشرين.