الرئيسية / home slide / عبد الحميد وعثمان باشا والتلصّص على الذاكرة

عبد الحميد وعثمان باشا والتلصّص على الذاكرة

 وسام سعادة
 القدس العربي
20072020

اللحن الذي جعل من قصيدة «يا ظلام السجن خيّم إننا نهوى الظلاما» التي كتبها نجيب الريّس من سجنه الفرنسيّ في جزيرة أرواد، إبان الثورة السورية الكبرى، أنشودة للحرّية متداولة في المشرق العربيّ ـ وهو لحن كثيراً ما يُنسَبُ للبيروتيّ محمد فليفل ـ هو في الواقع لحن «مارش عسكري» عثماني، عزفته الفرقة العسكرية العثمانية «المهتر» لأول مرّة عام 1910، في الذكرى العاشرة لرحيل بطل الصمود الأسطوري في معركة بليفنا (شمال بلغاريا اليوم) بوجه الروس عام 1877، ووزير الحربية لاحقاً، نوري عثمان باشا.
يحتلّ «مارش بليفنا» هذا موقعاً عزيزاً في الفولكلور التركي، كما في فولكلور مسلمي البلقان بشكل عام، بخاصة عند البوشناق. ولأن الواقع التاريخي لا يبخل علينا بالمفارقات، يبدو أنّ لحن «مارشا بليفنا» هو في الأصل، لمؤسس الفن الأوبرالي العثماني، الأرمني تيغران تشوهادجيان المتوفي قبل الغازي رحيل نوري عثمان باشا بعامين.
بعد أشهر طويلة من الصمود في بليفنا، تمكّن الروس عام 1877 من أسر نوري عثمان، لكن اللوحة التي ستعلق في الذاكرة هي تلك التي يُرجع فيها قيصر الروس الإسكندر الثاني للقائد العسكري الأناضولي سيفه، ويطلق سراحه.
مثّل عثمان باشا نموذجاً قتالياً مشتهى في لحظة الهزيمة المريرة، لأن حرب 1877 كانت تلك التي عبر خلالها الروس نهر الدانوب جنوباً حتى بلغوا ضواحي الأستانة، وبدت العاصمة العثمانية على شفير الرجعة مجدّداً «مدينة لقيصر».
كما أنّها الحرب التي دفعت بالسلطان عبد الحميد الثاني إلى تعليق العمل بالدستور بعد أشهر قليلة على إقراره، وتفريق مجلس «المبعوثان»، وإحباط إصلاحيي فترة «التنظيمات»، بإستمالة البعض منهم وتشريد البعض الآخر في المنافي.
لكنّ عبد الحميد واصل التحديث بسبل أخرى. رغم نزعته إلى التسلّط والبطش، وبالتداخل مع السمة المحافظة لفترته، واعتماده أكثر من أي سلف آخر له على مفهوم الخلافة. أدرك عبد الحميد في نهاية الأمر أنّه ليس بـ«فسيفساء» التعددية وحدها يمكن أن تستمر الإمبراطورية، إنّما بأن يكون لها قوام، وأنّ هذا القوام يصنع أساساً بالتحديث المحافظ والممركز، وبالاعتماد على معادلة أن رقعة السلطنة العثمانية تنحسر فيما رقعة الخلافة العثمانية تتوسع (إلى درجة أن الأمريكيين طلبوا منه ابان حربهم مع اسبانيا عام 1898 ثني مسلمي الفيليبين عن مهاجمتهم). بالتوازي، ارتدت المرامي التحديثية ـ المحافظة بشكل كارثي على نسيج السلطنة، وبالأخص عند محاولة إعادة دمج الأناضول الشرقي بها. تأثّر عبد الحميد وفريقه بنموذج وحدات «القوزاق» في روسيا، وأرادوا أن يستميلوا القبائل الكردية المترحّلة إلى جانبهم في الأناضول، بدلاً من التمرّد عليهم، وأن يدفعوا بها لاحقاً نحو التوطنّ والفلاحة. كانت النتيجة أن فيالق «الخيالة الحميدية» المشكّلة من هذه القبائل اصطدمت بشكل دام بالفلاحين الأرمن، وتحولت السلطنة إلى ادارة تصادم بين مكوناتها الإثنية، على مرأى ومسمع، وتدخل أو لامبالاة، الدول الأوروبية، حسب مصالح كل منها، وحسب اللحظة.

أيقن عبد الحميد أكثر من سواه أهمية دار الأوبرا، كما أهمية أن يكون للدولة متحف همايوني تتقاطر إليه القطع الأثرية المكتشفة في تلك الفترة، بدلاً من أن تجد طريقها إلى متاحف لندن وباريس وفيينا وبرلين وسانت بطرسبرغ

لا يلغي هذا في مقلب آخر أن عبد الحميد الثاني (الذي ثمّة أساس قوي لأن تكون والدته أرمنية، وأن يكون بالتالي، جندرياً، سلطاناً تركو ـ أرمنياً) لم يكن داعية انغلاق وتحريم، بل كان عازف بيانو مثابرا، مع ولع خاص لديه بموسيقى جوزيبي فيردي. كذلك كان والده السلطان عبد المجيد عازفاً للبيانو، واعتنى بزيارة المؤلّف ذائع الصيت فرانتس ليست إلى القسطنطينية (كان هذا الإسم المعتمد للعاصمة العثمانية باللغات الأجنبية، ولم يمنع استخدامه بموجب قانون إلا مع قيام الجمهورية التي نزعت عن المدينة صفتها كعاصمة).
أيقن عبد الحميد أكثر من سواه أهمية دار الأوبرا، كما أهمية أن يكون للدولة متحف همايوني تتقاطر إليه القطع الأثرية المكتشفة في تلك الفترة، بدلاً من أن تجد طريقها إلى متاحف لندن وباريس وفيينا وبرلين وسانت بطرسبرغ.
في العام نفسه، الذي شهد صمود نوري عثمان في بليفنا، واجتياح الروس أراض البلقان العثماني حتى ضواحي الأستانة، كان عثمان آخر، هو عثمان حمدي بك، يشرف على اكتشاف أثري استثنائي في ناحية صيدا (لبنان حالياً). مجموعة نواويس نقلت إلى اسطنبول، ولا تزال فيها، رغم مطالبات لبنانية متقطعة، أهمها ما عُرِف بـ«ناووس الإسكندر» وهو في الحقيقة للملك الذي ولاه الإسكندر على صيدون.
في كتابها عن «تاريخ المسلمين والمسيحيين واليهود في الشرق الأوسط» تتوقف هيذر شاركي عند مفارقتين، أولها أنّ عثمان حمدي هذا، كان مهتماً بأن لا ينهب الأوروبيون القطع الأثرية (على ما فعلت «البعثة الفينيقية» التي عملها ضمنها ارنست رينان في فترة التدخل العسكري الفرنسي على الساحل السوري)، لكن نتيجة ذلك كانت نقل هذه القطع إلى اسطنبول، وبالتالي احتفاظ الدولة التركية بها في حاضرتها الأوروبية، وليس في لبنان. أما المفارقة الثانية التي تتوقف عندها شاركي، والمتعلقة بإبداع عثمان حمدي كأشهر الرسامين العثمانيين في الفترة الحميدية، فهي أنه يرمز في لوحاته إلى «الإستشراق العثماني»، من موقع الحاضرة الإسطنبولية، عند النظر إلى الأطراف، والمجتمعات التي لم تصبها بعد جرعات قوية من التحديث تقارن بما نالته العاصمة. هل كان عثمان حمدي يستشرق على نفسه أو على الآخر ضمن وحدة السلطنة؟
ثمة ذاكرة مبعثرة بين 1877 عثمان نوري باشا، بطل الصمود في بليفنا الذي ستخلده «المارش» العسكرية التي انتقل إلينا لحنها من دون أن ننسبه إلى أصله على الوجه الصحيح، وبين 1877 عثمان حمدي بك، المشرف على التنقيب على الآثار، ومكتشف «الناووس الإسكندري» في صيدا، المستقر في متحف اسطنبول اليوم، ورسام المشاهد «الإستشراقية» لمناحي الحياة في أنحاء السلطنة.
جزء أساسي من هذه الذاكرة يتصل بالعلاقة بين بيروت وبين اسطنبول. فبيروت مثّلت محطة أساسية في مشاريع التحديث الحميدية. لئن كان انشاء «ولاية سوريا» عام 1865، ومباشرة بعد المواجهات الطائفية في جبل لبنان والشام، هو انشاء يحمل توقيع جيل الإصلاحيين العثمانيين، ومدحت باشا على رأسهم، فإن انشاء «ولاية بيروت» عام 1888، حمل توقيع عبد الحميد الثاني مباشرة. تعامل عبد الحميد مع هذه الولاية على أنها نموذج أساسي للتحديث العثماني البعيد عن العاصمة. ومع أنه لم يفكر يوماً بزيارة لا بيروت ولا الولايات العربية، هو الذي قلّما خرج أساساً من يلدز، فإنّ كل المشاهد كانت تحضر اليه من خلال هوسه بالتصوير الفوتوغرافي، وبعثه مجموعة من المصورين إلى الأنحاء المختلفة من دولته، ينقلون له أولاً أول مشاهد العمران وحياة الناس وحفريات الآثار، وكان الأقرب اليه من المصوّرين هم «الأخوة عبد الله» أي فيكين وهوسيب وكيفورك عبد اللهيان. وهنا، تلتقط شاركي نقطة مقارنة ذات دلالة: كان كل من عبد الحميد والملكة فيكتوريا مهووسين بالصور الفوتوغرافية، لكن عبد الحميد، بخلاف ملكة بريطانيا وامبراطورية الهند، كان مهتماً بجمع ما أمكن من صور عن مملكته ورعاياه، وشاركي تسميه هنا «سلطان الفوتوغرافيا»، لكنه لم يكن مهتماً أبداً بأن تلتقط له الصور الفوتوغرافية، ولا أن تعمّم على صروح الدولة وإداراتها.
عبد الحميد هو في مقلب آخر، اسم لتعليق الدستور، لاضطهاد جماعات بأسرها، للتنكيل بأحرار الشرق. لكنه في الوقت نفسه، مفتاح لهذه الذاكرة المقموعة، هذه الذاكرة التي يرسم أثرها كل من عثمان نوري باشا، المحارب الذي نستعيده لحناً دون أن نعرف أصله، وعثمان حمدي بك، الرسام ومكتشف نواويس العصر الإسكندري ـ الهلنستي، المسحوبة من صيدا إلى اسطنبول، مثلما تسجلها ألبومات «سلطان الفوتوغرافيا» التي كانت بيروت حبيبته عن بعد. يتلصّص عليها بالصور.

كاتب لبناني