الرئيسية / مقالات / عبد الحليم خدام فقط لاغير

عبد الحليم خدام فقط لاغير

كان أكثر ما لفتني عندما التقيت للمرة الأولى( هناك مرة ثانية وأخيرة) بمعية الأستاذ طلال سلمان في التسعينات من القرن المنصرم (الراحل) عبد الحليم خدام في مكتبه في دمشق أنه يستخدم القاف في لهجته. لا أعرف حتى اليوم هل كانت تلك لهجة السيد خدام الأصلية وهو المسلم السني ابن بانياس، اللهجة القافية التي يستخدمها أهل الساحل السوري وجباله مثلما يفعل مسيحيو اللاذقية ومحيطها أو أن هذه القاف لهجة اكتسبها خدام أو تبنّاها بسبب طول العشرة السياسية مع بعض أهل النظام السياسي الحاكم وأصولهم الريفية الجبلية. والتي أصبحت عشرة تحالفية.

عبد الحليم خدام كان بعثيا قديماً أرسى ولاءه للرئيس الراحل حافظ لأسد حين كان عدد البعثيين القدماء محدوداً بين مؤيدي الأسد بسبب معارضته ل”القيادة التاريخية” لحزب البعث ممثلةً بميشال عفلق و صلاح الدين البيطار اللذين انضما إلى النظام العراقي مع كل البروتوكولات غير الفعالة لأنها كانت لا تمنع صدام حسين من قتل مقرّبين منهما. سينقلب “رجل سوريا القوي” كما كان معروفاً بهذه الصفة قبل عام 1970 أي الجنرال حافظ الأسد وزير الدفاع، سينقلب على “القيادة القطرية” بقيادة صلاح جديد وينشىء نظامًا سياسيًا لم يزل يحكم سوريا إلى اليوم.

كان عبد الحليم خدام في الصف الثاني القيادي من نخبة بعثية حكمت سوريا بعد عام 1963 إلى أن وضعه الرئيس حافظ الأسد في الصف الأول بتعيينه وزيراً للخارجية. الذي لا ينتبه إليه كثيرون اليوم أو لا يريدون أن ينتبهوا هو أن عبد الحليم خدام كان محافظاً لمدينة حماه عام 1964 عندما وقعت الصدامات الأولى بين النظام البعثي و”الإخوان المسلمين”. كانت البيانات تصدر تباعاً ضد الإخوان من دمشق التي كان يتولى الحكم فيها أسماء مثل أمين الحافظ ونورالدين الأتاسي (السنيين) وشبلي العيسمي ( الدرزي) وأسماء بعثية أخرى مسيحية واسماعيلية وعلوية معروفة. كانت تلك أيام كانت النخبة البعثية المتعددة الطوائف مؤمنة جميعها بالوسيلة العسكرية للسيطرة على الحكم والبقاء فيه وتريد فعلًا تغيير سوريا. كانت تعي عدم شعبيتها لكنها أيضا كانت تريد سوريا علمانية ضد نظام إسلامي أصولي بقيادة الإخوان المسلمين. الذي أريد أن أقوله هنا هو أن الصدام مع “الإخوان المسلمين” سمة أصيلة لدى الناصريين والبعثيين ورثها حافظ الأسد ولم “يخترعها”.

يومها، سنة 64 حصل الصدام الأول الكبير في مدينة حماه الذي سبق الصدام الثاني الأكبر عام 1973.وكان عبدالحليم خدام في أوائل صعوده السياسي.

في ذلك اللقاء الأول معه بقيت في ذاكرتي بعض آراء عبّر عنها إذ قال أن “سوريا دفنت جيلين حتى الآن من الذين يشبهون بعض الذين لا زالوا يحكمون لبنان” وقال أيضا أن “مجموعات المعارضة الحالية في سوريا لا تستطيع أن تدير مدرسة فكيف ستدير بلدًا!” وبعض تعليقات أخرى أتيت على ذكرها في سياق مختلف في أحد فصول كتابي: “المهنة الآثمة- نقد تجربتي في الكتابة السياسية”.

كان عبد الحليم خدام “المدني” بين العسكر. صحيح أن الفارق بين المدني والعسكري تلاشى مع الوقت في النظام السوري الذي أظهر قدرةً هائلة على البقاء. انفكّت سوريا ولم ينفكّ النظام. ستُدرس طويلا جدا بعد اليوم هذه القدرة التي ساهمت بتغيير صورة المشرق العربي بل الأدق بنية المشرق العربي.

عبد الحليم خدام كان شاهدًا رأى الكثير وكان الأفضل لصورته أن يلتزم الصمت كما فعل فاروق الشرع لأن دوره الجديد بعد 2005 كان بلا أفق حتى في أجواء المعارضة. صحيح أنه صار بعد سقوط رفعت الأسد في منتصف الثمانينات من القرن الماضي أحد رموز الفساد في سوريا لكنه بقي – في لبنان على الأقل – رجل حوار وحائط مبكى للسياسيين عندما يغيب الحوار والحائط خصوصا لصديقه السخي المستجد رفيق الحريري.

كان خدام يحمل من النظام جلافته العسكرية وسلاسته السياسية. كان رجل المهمات الصعبة لحافظ الأسد مثلما هدر صوته في مهرجان تكريم رشيد كرامي في طرابلس بعد أيام على اغتياله عام 1987. يومها استمعت الطبقة السياسية القديمة والجديدة اللبنانية الحاضرةُ رموزها في القاعة إليه بخوف بل بذعر. كان ذلك صوت حافظ الأسد الغاضب جدا من اغتيال حليفه الكبير في السياسة اللبنانية باعتبارها خسارة لا تعوّض سياسيًا للنظام السوري. يومها أيضا وعلى المنبر أصيب خدام بعارض صحي حين كاد أن يقع أرضا لولا إسعافه السريع ونقله إلى المستشفى. لكن خطابه كان مبشِّرا بأحداث كبيرة سيشهدها لبنان. وقد شهدها بين أعوام 1987-1993 دون شك و حملت من دهاء وانتقام الرئيس حافظ الأسد الشيء الكثير.

كانت باريس ولا تزال منفى وملجأً له ولعائلته منذ انشقاقه. لكن باريس أيضا معتادة أن تكون هذا المنفى لكثيرين غيره من أثرياء المعارضات السورية ومتواضعي الإمكانات المالية، ومن أثرياء المعارضات في العالم وفقرائها. ففي باريس تتجمّع بشكل مثير رموز من العالم الثالث، منهم من “جاؤوا” بثروات كبيرة من بلدانهم أو سبقتهم ثرواتُهم إلى الفرار قبل أن يخسروا نهائياً في الصراع داخل بلاطات السلطة كما تحتضن نضالات فارّين أصيلين في الثقافة والسياسة ضد حكام بلدانهم.

ننتظر إفراج عائلته عن مذكراته. طبعاً هو يعرف الكثير جداً.. لكن مثل آل طلاس لم يكن انضمامه إلى المعارضة مقبولاً حتى من الكثير من المعارضين. كان من الصعب استساغة أن يصبح اسم كعبدالحليم خدام من رموز الشعار الديموقراطي. مصطفى طلاس رغم انشقاق أبنائه وهربه هو من دمشق بقي صامتاً لم تصدر عنه كلمة واحدة ضد رفيق حياته المهنية والسياسية حافظ الأسد.

رحل عبد الحليم خدام. الرحمة له والبقاء لسوريا.

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد