الرئيسية / home slide / عبد الجليل وهبي…شاعر الأغنية اللبنانية الذي ألهَم أحمد رامي

عبد الجليل وهبي…شاعر الأغنية اللبنانية الذي ألهَم أحمد رامي

محمد حجيري |الأربعاء26/01/2022
Almodon.com :

يستعرض الأب بديع الحاج، عميد كلية الموسيقى في جامعة الروح القدس، في كتابه “عبد الجليل وهبي”(*)، حياة الشاعر، ويتحدث عن أعماله، الشعرية والغنائية، حتى وصوله إلى الإنتاج. يتناول الكتاب سيرة عبد الجليل في مختلف شخصياته، أو بالأحرى نشاطاته في حياته، من طفولته حتى دخوله معترك الحياة العملية في الإذاعة اللبنانية. ويجتهد في توثيق قصائده، ومن صدح بها وغنّاها من المطربين والفنانين، في لبنان والعالم العربي. ومن ثمّ ينشر الحاج، أعماله التي لم تنشر سابقاً، وهي قصائد غير معروفة كغيرها من الأغاني التي اشتهرت بأصوات كبار الفنانين. 

عبد الجليل وهبي، شاعر العامية اللبنانية والغناء المنبري، وصانع القصائد التي تحيى “شخصيات منها أسطورية ومنها تاريخية”، “من أجل استخلاص العبر الأخلاقية والاجتماعية”، عدا عن أنه المنتج الفني و”رجل الأعمل”، والسبّاق في إرساء “تطوير الصناعة الموسيقية والصناعة الإعلامية في العالم العربي”، والمتعاون مع أبرز الفنانين العرب، وهو المولود في حلب العام 1921، من عائلة تعود أصولها الى بلدة حاروف الجنوبية في النبطية، عاد مع الأهل إلى بيروت وانضم إلى مدرسة حوض الولاية بعد فترة أمضاها في تلقّي دروس أولية لدى شيخ مجاور لمسكنه. حصته من الدراسة في حوض الولاية كانت شهادة البكالوريا، وتعتبر في وقتها إنجازاً. عشق وهبي الشعر منذ يفاعته، وارتقى المنابر وهو في السادسة عشرة من عمره، وراح يتدرّج في نشاطه الشعري مرحلة بعد مرحلة، الى أن التقى الشاعرين أسعد سابا وأسعد السبعلي، فأسس معهما ما عرف آنذاك بـ”عصبة الشعر”. وخاض وارتجل في جميع ألوان الزجل وفنونه، وتبارى مع كبار شعراء الزجل، منهم: خليل روكز، محمد المصطفى، علي الحاج القماطي، محمد شاهين، زين شعيب، موسى زغيب وغيرهم. بعد الاختبار والممارسة في مجال الشعر المنبري والشعر الغنائي، مال عبد الجليل الى كلمات الغناء، مختاراً مجال الغناء محترفاً في هذا المجال، ليُسمّى أو يلقب بـ”شاعر الأغنية اللبنانية”، ومع أنه كان نجماً في هذا المجال، وبصوت مشاهير العالم العربي، لكن أعماله الشعرية كانت شبه منسية أو مشتتة، ولهذا يحسب للأب بديع الحاج جهده في اعادة توثيقها وجمعها في كتاب كجزء من الذاكرة الفنية والموسيقية.

وعبد الجليل كان مزواجاً، تزوج أربع مرات، في العام 1941 تزوج من ناهيل عياش، وفي 1950 تزوج من الفنانة وداد(بهية عوّاد)، وبعد طلاقه منها العام 1956 تزوج من سناء جركس، وآخر زيجاته من المغربية ربيعة لسلامي…

ولعبتْ وداد (راجع المدن السبت 28/5/2016) دوراً في حياته الفنيّة والمهنيّة، فهي صاحبة الصوت، تنقلت في عواصم عربية وكان حلمها إرساء نفسها في الغناء، نشأت في جو فني، فهي ابنة موسيقي ومطربة، وشقيقة نرجس شوقي التي اشتهرت في العراق، وهي زوجة محمد عبد صالح عازف القانون، وزوجة عبد الجليل وهبي صانع الأغنية، ثم زوجة الموسيقار البيروتي توفيق الباشا، ووالدة المغني علي وهبي، والموسيقار عبد الرحمن الباشا… تعرّفتْ في كواليس الإذاعة اللبنانية على عبد الجليل وهبي، واستفادت من خبرته وتواصلت مع الوسط الفني، وشكلتْ معه ثنائياً فنياً، وارتبط هذا الثنائي بالملحن اللبناني فيلمون وهبي، وعُرف هذا الثلاثي بثلاثي وهبي الذي لمع بشكل خاص في محطة الشرق الأدنى، وأبرز ما بقي من تجربة وداد الفنية أغنية “بتندم”. ورغم التعاون على مدى سنوات، كانت العلاقة بين المغنية والشاعر غير مستقرّة، شهدت مناكفات ومحاكم وانتهت بالطلاق بطريقة تشبه المسلسلات التركية.

Video Player

في العام 1953، انضم عبد الجليل بصفة شاعر أغنية، الى الإذاعة اللبنانية، التي شغل فيها مركز رئيس قسم اختيار النصوص الغنائية من 1955 حتى 1975. كان مركز الإذاعة في السراي الحكومي في بيروت، وكان من أقطابها آنذاك ميشال خياط وحليم الرومي اللذان طلبا إليه التخلّي عن الشعر المنبري ذي القافية الواحدة والنغم المتواصل والمعاني المتداخلة، والتركيز على القصيدة القصيرة المختصرة منوعة القوافي، وأن تكون باللهجة اللبنانية مع مراعاة تبسيطها والتوفيق بين اللهجة المحليّة والإقليمية، ما يشبه اللهجة البيضاء بمفردات اليوم، لتصل إلى المستمعين في كافة البلدان العربية. وكان هذا الخيار مساراً فعالاً لتعزيز الهوية الغنائية اللبنانية أو “الامبريالية الثقافية اللبنانية” على قول أحدهم، بموازاة اللهجة المصرية التي كانت حينها تعادل الفصحى المفهومة في أوساط العالم العربي أجمع، ويعود الفضل في ذلك إلى الإعلام المصري والأفلام المصرية، وحتّى خُطَب عبد الناصر.

عمل وهبي بنصيحة خياط والرومي، وأصبح من أوائل صانعي الأغنية اللبنانية برفقة عدد من الشعراء والملحنين، قبل ظهور الأخوين رحباني بسنوات قليلة. وكرّت سبحة أغانيه على ألسنة العديد من المطربين: حليم الرومي، وديع الصافي، صباح، سعاد محمد، نور الهدى، زكية حمدان، نجاح سلام، وداد، نصري شمس الدين، سامي الصيداوي، مصطفى كريدية، محمد غازي، نجيب السراج، صباح فخري، مها الجابري، فهد بلان، وردة الجزائرية، نجاة الصغيرة، فايزة أحمد، عبد الغني السيد، عبد العزيز محمد، عبد الحليم حافظ، فريد الأطرش، طروب، وسميرة توفيق..
ينقل الأب بديع الحاج، أن وهبي كان “يصدّر” الصورة الشعرية الى مصر.
والحال أن المطربة نجاح سلام كانت تقدّم أغنية من كلمات عبد الجليل وهبي ولحن فيلمون وهبي مطلعها:لا المرسال ولا المكتوب/ بيغنو عنك يا حبوبخلي العين تشوف العين/ حاجي تخلي القلب يذوباليوم الما بشوفك فيه/ من أيامي مش محسوبوكان الشاعر المصري أحمد رامي حاضراً الحفلة، فقاطعها طالباً إليها أن تعيد المقطع الأخير، ففعلت، فقال لها “الكلام ده حا حطه في أغنية”، وكانتْ أغنية “عودت عيني على رؤياك” لأم كلثوم وهي من كلمات أحمد رامي: “وإذا مرّ يوم من غير رؤياك ما ينحسبش من عمري”.

وقد ذهب أحمد رامي نفسه أبعد من ذلك عندما استعار من عبد الجليل وهبي الكلمات اللبنانية. ففي أغنية “حيرت قلبي معاك” مثلاً قال: “بدي اشكيلك من نار حبي، بدي احكيلك عاللي في قلبي”.و”بدي احكيلك”، بحسب الأب الحاج، تعبير لبناني وليس مصرياً، ففي مصر يقولون “عاوز أكلّمك”.وأثرى وهبي الأغنية اللبنانية، ومن أهم أغانيه “عاللوما” التي غناها وديع الصافي في بداياته. وتحكي الفنانة وداد، أنه في أحدى الأمسيات بعد ولادة ابنتها البكر فاطمة بثلاثة اشهر، زارهم وديع الصافي برفقة زوجته، وفي السهرة أخذ عبد الجليل يلاعب ابنته ويرندح شعراً كتبه لها “عاللوما عاللوما يا حلوة يا فطومة.. دخل الله ودخل عيونك يا حلوي جننونا”.وما أن سمعه الصافي حتى طلب أن يعطيه القصيدة على أن يستبدل اسم ابنته بكلمة “مهضومة”. ورغم طلب بهية بأن تحصل على هذه القصيدة، إلا أن الشاعر استجاب لطلب رفيقه الذي كان في بداية مشواره. وغيّرت هذه الأغنية مسار وديع الصافي بكلماتها البسيطة واللحن التراثي الذي أضفاه عليها وديع. وكانت فاتحة أغنيات مثل “جنّات ع مد النظر”، و”بترحلك مشوار” و”بالساحة تلاقينا”..

 شواهد كثيرة دلت على أهمية عبد الجليل وهبي كشاعر غنائي، وأي دليل يؤكد ذلك أكثر من أن كبار الفنانين العرب من موسيقيين ومطربين بادروا للتغني بكلماته لتلحينها، من وزن الموسيقار فريد الأطرش، وبأغنيات علقت في الذاكرة مثل “اشتقتلك” والتي قدمها فريد في فيلم “رسالة من امرأة مجهولة”(1962،)، بالإضافة إلى “يا مدلع يا حلو”… ومع كل أغنية من كلماته حققت صدىً لدى المستمعين، تسارع نجوم الغناء العربي للتغني بمزيد منها، ومنهم فايزة أحمد في “بنتي أمورة”، “يالله ينام ابني” و”ما بين غصون النخيل”، وشريفة فاضل “في حبيبي نجار”، وصباح فخري في “عدد النجوم والرمال بعتلك مراسيل”، وطروب في “يا حلاق اعمللي غرة”، وسميرة توفيق في “يا صبابين الشاي”، وفهد بلان في “يا أم العيون الكحيلة”.

في بداية الحرب الأهلية، هاجر عبد الجليل وهبي إلى دولة الامارات، هارباً من جحيم الاقتتال، وافتتح مؤسسة تعني بالإنتاج الفني، عاد إلى لبنان العام 2003، وتوفي في 16 نيسان 2005.

(*) كتاب الأب بديع الحاج: “عبد الجليل وهبي، في الشعر، في الإنتاج الفني الإذاعي، في جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى في لبنان” دار نلسن- بيروت-400ص/ ط1 -2022).