الرئيسية / home slide / عباس جعفر… بعلبكي في «المدينة»

عباس جعفر… بعلبكي في «المدينة»

يحيى جابر وعباس جعفر و«هيكالو» ثالثهما

بعد «بيروت… الطريق الجديدة» الذي حمل الحيّ البيروتي إلى الخشبة، و«تعارفوا» الذي جمع شباباً وشابات من مناطق وخلفيات مختلفة في بيروت طارحاً موضوع «الهويات» في لبنان، ها هو الكاتب يحيى جابر يتوجّه إلى بعلبك. بمزيج من الميلودراما والكوميديا، تعلن «هيكالو» عن ولادة الممثل المسرحي عباس جعفر، وتستعيد قصّة «دار السلام» ونشأة «حي الشراونة»، كما تدخل حياة العشائر ويوميات المطلوبين للعدالة وغيرها من القضايا

شهد مساء 12 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي ولادة ممثّل مسرحي من قماشة نادرة. الجدّ، الجدّة، العمّة، العمّ، الأب، الأم، الشيخ، ابن العم، الصديق، زوجة ابن العم، عشائر: جعفر، شمص وزعيتر، رئيس مجلس النواب نبيه بري، الشرطي، وحتى الكلب… هم جميعهم عباس جعفر. «هيكالو» ليست مجرّد مسرحية عابرة، من تأليف وإخراج يحيى جابر، الذي أبدع تنجيماً وحفراً وصقلاً لموهبة جعفر. دفع جابر بمَن حضر العرض الأول أن يزور امتداد وعمق الوطن وعدداً من الدول. جعل خشبة المسرح ميتماً وحلبة سباق سيارات… كلّ هذا من خلال مساحة واحدة عليها طبل وجلد خروف وتعليقة ثياب وبعض الحراتيق، على خشبة اسمها «دوّار الشمس». هذه الخشبة حفلت بقصّة «دار السلام» ونشأة «حي الشراونة» بسبب عمود كهرباء، والسيدة الأولى زلفا شمعون و«مهرجانات بعلبك»، والابن الذي يراد له أن يتابع دروسه، والعشائر و«إرث الحشيشة» والثأر والمطلوبين للعدالة بسبب انتمائهم إلى العشيرة لا غير. قصص لا قصّة من لحم ودم ووجع ويُتم وحبّ وسيل من الضحكات لا يتوقّف وغصّات متلاحقة، سيتاح للجمهور مشاهدتها بدءاً من اليوم في «مسرح المدينة». نسأل مؤلّف ومخرج العمل يحيى جابر عن بداية التعارف مع الممثّل عباس جعفر، والوقت الذي استغرقته عملية الإعداد للمسرحية، فيجيب: «ذات مساء منذ حوالي السنة، اتصل بي صديقي علي شور وهو متعهّد ومنتج من أبيدجان، وقال لي بالحرف الواحد إنّ عباس جعفر أمانة بين يديك، فأجبته أنّ لديّ رغبة كبيرة في الحديث عن بعلبك الهرمل في أحد أعمالي، بعدما عملت على بيروت والجنوب وكسروان، ولديّ تحضيرات حول هذه المنطقة المنسيّة من الجمهورية اللبنانية، لكن قلت له إنّ بعلبك الهرمل الخاصّة بعباس جعفر مختلفة عن بعلبكي أنا وهرملي أنا. فهو يعالجها بطريقة تتناقض مع كيفية معالجتي لها. التقينا لاحقاً وانضم إلينا عباس وتعارفنا، وشاهد مسرحيتي «تعارفوا» وكان يشعر بالخوف في البداية من هذه التجربة. جمعتنا جلسات عدة لاحقاً، ومن عاداتي أن أجلس مع الممثلين الذين سأعمل معهم فترة شهر في أحد المقاهي، بمعنى أنّنا نتعارف بشكل يومي، ولا أبدأ بالعمل قبل أن أتأكّد مع أيّ شخص أتعامل، مع أي سيناريو وأي سكريبت، مثل أيّ طبيب نفسي، وبالفعل أحببتُ عباس واكتشفت فيه المواهب التي أريدها ونقلتُه إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة التدريب في البيت، ومن هناك بدأت المعارك الهائلة في البحث والتنجيم والحفر. وبعد ذلك، طلبت منه أن أكون على أرض الواقع وأزور جرود الهرمل والدار الواسعة وحي الشراونة… واستغرقت التمارين كالعادة ستّة أشهر». وعن أبرز الصعوبات في التعامل مع الممثل عباس جعفر، يقول جابر إنّ مجموعة صعوبات عدّة واجهتهما، من بينها: «كيف ننتقل بهذا الشخص التلفزيوني إلى عالم المسرح الذي يجهله تماماً، فهو لم يشاهد أي عمل مسرحي في حياته، ما خلا عملي المسرحي «تعارفوا». لا علاقة لعبّاس بفنّ المسرح أكان إعداداً أو تمثيلاً أو إخراجاً أو حضوراً، وهو آتٍ إلى عالم شخص مثلي إلى حدّ ما محترف، فكيف سأتعامل معه؟ البداية مع ألف باء المسرح، وكيف نتنفّس ونصعد على الخشبة وكلّ الأولويات الأساسية، وتمّ تجاوز الصعوبة الأولى بقوّة ومرونة وسلاسة، فالممثّلون من طراز عباس جعفر، يمتلكون الكثير مما لم يُكتشف بعد. مشكلة عباس أنّ معظم الذين تعاملوا معه، مع تقديري لهم، لم يُظهروا قدراته. ذهبنا معاً إلى أماكن لم نزرها قط في التمثيل. أمّا الصعوبة الأساسيّة بالنسبة إليّ، فكانت كتابة وتوليف ومسرحة النصّ تحت وطأة رقابة ما خفيّة، هي رقابة الدين والعشيرة والمجتمع. كان هذا مأزقاً لي، فعليّ أن أكون جريئاً وفي الوقت نفسه حريصاً على تدوير الزوايا في مكان ما، لأنّ الجميع يعي جيداً في أيّ مجتمع نعيش. هناك صعوبة كوني شخصاً عصبيّاً إلى حد ما، وكان عباس مرناً في هذا الموضوع، وكنا نستغرق وقتاً ليفهم أحدنا الآخر».

أكثر من صوت طالب المخرج الاكتفاء بالجزء الأول من المسرحية وعدم الإطالة في سرد الأحداث، وأشارت بعض الأقلام إلى أنّ بطل العمل شعر بالتعب في الجزء الثاني، وهذا ما ظهر جلياً عليه. يعلّق جابر: «كنّا نميل إلى خيار استمرار المسرحية من دون أيّ استراحة، لكنّ هناك أموراً فُرضت عليّ، ما دفعني إلى أخذ استراحة والقيام بتجربتي. وهناك تغييرات غير جوهرية في العروض الثلاثة المقبلة. في العادة، أجري تغييرات على مسرحياتي ولو بعد مرور عشر سنوات. لديّ إصرار على أنّ «هيكالو» متماسكة ومتجانسة تحمل شيئاً من الدراما».

وحول مسرحة حياة عباس جعفر، يقول: «جزء أساسيّ من عملي الذي أقدّمه على خشبة المسرح هو أنّني أستلهم المجتمع من الفرد والعكس صحيح. مَن يعمل معي هو جزء أساسي كمنجم وعليّ إعادة مسرحته وصياغته وإنتاجه من جديد. هناك ما هو صحيح، وهناك ما لعبت دوراً فنياً فيه، لنذهب بالموضوع إلى أماكن أخرى. الفن بالطبع ليس دوماً ابن الواقع، بل هو ابن التعبير والمخيّلة وأحياناً هناك رؤية ما للمخرج أو المؤلّف في طبيعة تركيبة النصّ أو رؤيته الإخراجيّة».
وعن الانتقال من «مسرح دوّار الشمس» الذي شهد العرض الخاص بالصحافيين والفنانين إلى «مسرح المدينة»، يضيف: «هو لأسباب تقنيّة بحت، فالخشبات اللبنانية كلّها محجوزة حتى مطلع السنة المقبلة، وهناك مسارح محجوزة في آذار (مارس) أو تموز (يوليو) المقبلين. المسارح قليلة جداً بالفعل، وحجزنا ثلاثة أيام في «مسرح المدينة». وإذا وجدت أيّ مسرح ملائماً للعرض أقدّم فيه هذه المسرحية، لن أتوانى للحظة، فمشروعنا هو أن يشاهد كلّ الناس هذا العرض. وفي ما يتعلّق بالإقبال على المسرحية، فمن المعروف أنّ أعمالي تشهد مئات العروض وتستمر لسنوات».

كان عليّ أن أكون جريئاً وفي الوقت نفسه حريصاً على تدوير الزوايا في مكان ما (يحيى جابر)


يرى جابر أنّ التحدّي الأكبر الذي يواجهه في هذا العمل هو أن يتحدّى نفسه. «التحدّي الكبير هو تحدّي النفس، وكنت دوماً في مواجهة نفسي، أتحداها وأنهزم وأنتصر معها، وأحترم وأقدّر كلّ ألعاب الآخرين وماراتوناتهم. لديّ ماراتوني الخاص وأركض مع نفسي وأرفع الهزيمة قبل النّصر».
نسأل بطل المسرحية عمَّ تغيّر في عباس جعفر بعد العرض الأول للعمل؟ فيجيب بأنّه أصبح شخصاً مسؤولاً. «أستيقظ باكراً ولديّ دروس وواجبات. وبعد المسرحية، رأيت نفسي بصورة مغايرة، ولمستُ النتيجة حول ما قدّمته».
وعن وقوفه على خشبة المسرح منفرداً يغني ويرقص ويؤدي أدواراً وشخصيات مختلفة، وأبرز الصعوبات التي واجهها خلال التحضير، يقول: «كنت دوماً أقف منفرداً على خشبة المسرح لدى تقديمي «ستاند آب كوميدي» مدّة ربع ساعة من دون أيّ تحضير مسبق، والفرق بين النوعين أنّني كنت أعرف الهدف الذي أريده في إطلالاتي قبل المسرحية، وهي أنّني أريد فقط إضحاك الناس. أمّا اليوم، فالذي اختلف هو أنّني أريد إيصال رسالة وبطريقة سلسة ومن دون إشعار الناس بالملل، وهذا ما استطعت فعله، الحمد لله». وعن تقييمه لأدائه، يقول: «لم أدرس التمثيل ولا المسرح، لكن ما كُتب عنّي (بعد العرض الصحافي) أنعش قلبي. شُبّهت بممثلين كبار أمثال رفيق علي أحمد، وتشارلي شابلن وشوشو وغيرهم، ما يضعني أمام مسؤولية ويدفعني لأتعلّم من كلّ تفصيل يحصل أو يمرّ أمامي وأتدرّب أكثر. في الماضي لم أكن أولي اهتماماً بالكثير مما يحدث أمامي، واليوم بتّ أقول إنّ هذا التفصيل يمكن أن يُكتب منه قصّة ويُقدّم بطريقة مميّزة. كلّ التعليقات إيجابية، وهذا لا يعني أنّني كامل، لكنّه يدفعني إلى الأمام كي أقدّم عملاً أجمل. كلّي ثقة أنّ كلّ عرض سيكون أجمل من الذي سبقه».

* «هيكالو»: مساء اليوم ولغاية الأحد ــ «مسرح المدينة» (الحمرا) ـــ للاستعلام: 01/753010