الرئيسية / home slide / عالم ينتخب وبلد ينتحب

عالم ينتخب وبلد ينتحب

05-10-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

سمير عطالله

صندوق الاقتراع في مجلس النواب (نبيل اسماعيل).

“إبكِ كالنساء مُلكاً
لم تدافع عنه كالرجال”
الأميرة عائشة لابنها عبدالله الصغير

صار الحساب بالأيام والحسبة بالسنين. والزمن يمضي على الجميع، في اليسار وفي اليمين. وبدل “#الفوضى الدستورية” التي هُدّدنا بها، هناك فوضى عارمة في كل شيء، في كل المؤسسات، في كل النظم، والمعايير، وفي كل الاعراف، وفي كل الآفاق.

لا ضرورة لتهديدنا بشيء، فما عاد هناك شيء، ولا بقي شيء، وما من أحد سلِم من البلاء الذي عمّ البلاد وجفّف عروقها وشرايينها، وأحرق مواسمها، ونهب المستقبل من عيون اطفالها، وملأ افواه كبارها بالرماد.

هيكل عظمي ولا قيامة بعد الآن. لا سيزيف يتسلق تلّته، ولا “أعجوبة” #لبنانية قادرة على ريّ كل هذا اليباس. ولا تندهي ما في حدا، باطل الاباطيل، كل شيء باطل. حالة توراتية لا تُصدّق. الحضيض عبارة لم تعد تعني شيئاً في وصف هذا الانحلال. كل شيء في خانة الصفر. كل شيء في درجة العدم. ولا ضرورة لفوضى دستورية. الفوضى الاقتصادية تكفي. الفوضى النقدية تفيض. العدمية المصرفية اعدام لحياة الجميع. اللصوص في كل الهياكل. لا شيء. لم يعد مهماً مَن سيأتي ومَن سيذهب. حتى مخدّر الأمل فقد خواصه. الحقيقة المرعبة ما عاد يمكن ان تغطى بالعبارات البازارية. ظلمة الليل ووحشة النهار وسواد الأيام.

لكل فئة قضاؤها إلا اللبناني، قدر لا قضاء فيه. ووعد واحد هو الوعيد. ولغة واحدة: أنا. أو، أنا أو الفوضى. أو الفراغ. أو الطوفان. ما في كلمة هادئة واحدة. ما من مكان لشريك. ما من بلسم لجرح. ما من حفظ لمودة، ما من كرامة لرفيق. ما من احترام لأحد أو لماضٍ أو لسيرة أو لمحترم. لا شيء. وفوق كل ذلك وعد بارد بالفوضى وكأن ما نحن فيه فردوس النظام والسكينة.
عبث بالدولة، وعبث بالوطن، وعبث بالحكم، وعبث بالرزق، وعبث بالحياة، وعبث بالسلم، وعبث بالأمن، والوعد الوحيد هو الفوضى الدستورية. يريدون تعليمنا كيف نعيش. دروس لا نهاية لها في النجاح والأداء والسعي. متربعون على كومة من الافلاس الكلّي، والدروس لا تتوقف. موت في احتفال. خوّة على الفقر والحزن والقاهرون زُمر زُمر. ومقاطعات. والناس دربان: درب الآلام ودرب المتألمين.

من المصادفات السعيدة أننا في عصر انتخابي في كل مكان. القارة البرازيلية، الى الشمال الإيطالي، إلى الغابون. يذهب اهل اليمين وأهل اليسار وأهل الوسط الى صناديق الاقتراع ويختارون من يشاؤون بلا تهديدات بالحرب الأهلية أو الفوضى الدستورية.

يذهب الخاسر الى بيته والرابح الى بيت الأمة لأن السلطة في الدول السوية أمانة وليست تملكاً ولا استملاكاً. حملت جورجيا ميلوني لافتة كتبت عليها “شكراً ايطاليا” ومضت نحو الحكم كأول امرأة في روما منذ زمن. فمن يحمل “شكراً لبنان”؟

الامبراطورية والناخب في الدول الديموقراطية كائن مزاجي سريع التقلب. إذ بينما انعطف الايطاليون مرة واحدة نحو الفاشية وإرثها الغليظ، عاد البرازيليون الى اليسار بعد تجربة ضحلة مع ضابط سابق. وكان من ميزات العقيد بولسونارو أنه اعلن في عز الجائحة ان البرازيل قد برأت من كورونا. وفي اليوم التالي اصيب هو، ثم اصيبت زوجته، ثم اصيبت الاكثرية الساحقة من نحو 215 مليون برازيلي.

ترفع السنيورة ميلوني الشعار الذي رفعه حزب الكتائب اللبنانية في الثلاثينات، وهو “الله، الوطن، العائلة”. كان ذلك في الثلاثينات، وكان اللبنانيون متأثرين كالعادة بالتيارات المتنافسة في اوروبا. وقد أخذ مؤسس الحزب الشيخ بيار الجميل بالأفكار الاوروبية الانضباطية. وحضر عام 1936 اولمبياد برلين التي كانت ذروة الاعتزاز بالنسبة الى ادولف هتلر. وعاد الى بيروت يحلم بشيء من هذا في بلده الصغير، غير مدرك أننا شعب لا يليق به أي وعد سوى الفوضى، بما فيها، أو خصوصاً الفوضى الدستورية.

ركزت شقراء ايطاليا في جملتها الانتخابية على العودة الى حياة العائلة ومعها الى الكثلكة وتقاليدها. ومثل جميع الفاشيين الجدد في اوروبا دعت الى ابقاء المسلمين في بلدانهم، وهو الشعار الذي يؤمّن، أو يوفر، الأصوات الشعبية في القارة هذه الأيام، سيما وأن ايطاليا وجدت نفسها بوابة المهاجرين من افريقيا وحوض المتوسط، واختلفت مواقف الغرب اختلافاً جوهرياً حول مسألة غير متوقعة.

فكان ان اقام رجل مثل دونالد ترامب سوراً على حدود المكسيك، بينما فتحت انغيلا ميركل حدود المانيا امام مليون لاجىء سوري على الاقل. وحاولت دول مثل المجر واليونان ومقدونيا اغلاق حدودها في وجه الموجات المتسارعة والمتزايدة، بدعوى ان المهاجرين سوف يغيرون منهاج الحياة ويفرضون على المواطنين عادات غريبة.

يتساءل المرء: هل يمكن ان تعود الدول المتحضرة الى حالات التوحش التي عرفتها في الحرب العالمية الثانية؟ يأتي الجواب سريعاً عما يجري على أطراف القارة في اوكرانيا، حيث يبدو ان فلاديمير بوتين سوف يجر اوروبا، وربما اقاليم أخرى معها، الى الحرب. حتى الآن يبدو أنه مصاب بعدوى عربية مريرة. فهو لم يقبل ان يحوز في استفتاء الدومباس، أقل من 99% وهي النسبة التي كانت وقفاً على العرب، وأضحك ما فيها الجدّية التي كان يتلبس بها. العدوى الأخرى كانت سياسة الضم، فإذ اكتفى صدام حسين بضم الكويت باعتبارها مجرد محافظة تحمل الرقم 19، فإن الزعيم الروسي ضم إلى أمجاد الكرملين، اربع مقاطعات واحتفل بذلك مع زعمائها.

كان هنري كيسينجر قد اقترح على اوكرانيا منذ البداية: اسمعو مني. اعطوا القرم للروس وبضع اراضٍ أخرى، وأعلنوا انفسكم دولة محايدة، ولا ناتو، بلا بلوط. بعض التسويات “البراغماتية” لا تأخذ في الاعتبار مشاعر الشعوب. يوزع “العزيز هنري” اراضي الغير، باعتباره حامل نوبل للسلام. أعطي هذا التكريم بعدما وقّع آلاف اوامر القصف في فيتنام وكمبوديا. وأعطيت الجائزة نفسها لباراك اوباما قبل ان يحفظ اين تقع غرفة نومه في البيت الأبيض. يقول لي صديق سوداني انه بلغ الراحة النفسية وهو شاب، عندما اقتنع كلياً بأن يترك تفاؤله بالناس الى العالم الآخر: “هنا يا زول كلّو مو كويس”.

تعلّم بعضنا الواقعية من “العزيز هنري” وها هو ينتظر الجائزة. نوبل ابناء عم. بعد نهاية الحرب في لبنان، تم الاتفاق على تكليف قادة القتال احلال السلم. وما زالوا يحاولون. وصديقي السوداني يقول ضاحكاً “يا زول لبنان والسودان حتة واحدة. كيف كيف. واحِد ابيض واحِد إسود”.

الحل طبعاً ألاّ تصغي لأصدقائك السودانيين. وللمناسبة ليس ايضا الى الليبيين ولا العراقيين ولا السوريين ولا التونسيين ولا الصوماليين ولا الفلسطينيين، ولا طبعاً اللبنانيين. كان لنا صديق ممن رحمهم الله، ينرفز كثيراً “ويشقّع” كثيراً من دون الحاجة الى “بردوني” أو كاس عرق. وكان يتفنن في التشقيع. وعندما يعدد المشاكل التي تحاصره، لا يكتفي بالقول إنه “عالم كذا مذا” بل يشدد على ان الكون كله كذلك. ما بالك حزين وقلق ومكتئب؟ انت وحدك الملك. العالم (أو الكون) ينتخب، امرأة أو رجلاً، وانت البطل العبقري الذي يمضي عاماً لتشكيل حكومة، وعامين لانتخاب رئيس، وربع قرن لإعلان التفليسة. كل هذا صنع يديك.