عالم‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬بوصلة

 حسن أوريد 
القدس العربي
10072019

صدر‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬كتاب‭ ‬خليق‭ ‬بالاهتمام،‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬أو‭ ‬وضع‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المهددة‭ ‬بالأفول‭ ‬أو‭ ‬الغرق،‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬غرق‭ ‬الحضارات‮»‬‭ (‬باللغة‭ ‬الفرنسية‭) ‬لأمين‭ ‬معلوف،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬سفينة‭ ‬تتقاذفها‭ ‬الأمواج‭ ‬والعواصف،‭ ‬مهددة‭ ‬بأن‭ ‬تهوى‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬البحر‭. ‬معلوف‭ ‬صاحب‭ ‬كتابات‭ ‬رصينة،‭ ‬منها‭ ‬كتابه‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬حاز‭ ‬به‭ ‬الشهرة‭ ‬‮«‬الصليبيون‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العرب‮»‬،‭ ‬وكذا‭ ‬‮«‬الهويات‭ ‬المتناحرة‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬كتاب‭ ‬ذو‭ ‬راهنية‭ ‬حارقة،‭ ‬مثلما‭ ‬يقال‭. ‬وأمين‭ ‬معلوف،‭ ‬وهو‭ ‬مفكر‭ ‬وصاحب‭ ‬تجربة‭ ‬عريضة‭ ‬في‭ ‬الكتابة،‭ ‬ليس‭ ‬ممن‭ ‬يُلقون‭ ‬القول‭ ‬على‭ ‬عواهنه،‭ ‬لذلك‭ ‬فكتابه‭ ‬حول‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المهددة‭ ‬بالأفول،‭ ‬يكتسي‭ ‬أهمية‭ ‬بالغة‭.‬
‭ ‬يستعير‭ ‬الكاتب‭ ‬صورة‭ ‬سفينة‭ ‬التيتانيك‭ ‬حيث‭ ‬الركاب‭ ‬يستمتعون‭ ‬برحلتهم‭ ‬ويستمعون‭ ‬لكونسيرت،‭ ‬فيما‭ ‬السفينة‭ ‬مقدمة‭ ‬على‭ ‬الارتطام‭ ‬بالجبل‭ ‬الثلجي‭. ‬العالم‭ ‬ذاهل‭ ‬عن‭ ‬الأخطار‭ ‬حسب‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الفرنسي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬لبناني،‭ ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذه‭ ‬الأخطار‭ ‬أن‭ ‬تُطوّح‭ ‬بالسفينة‭.‬
أول‭ ‬هذه‭ ‬الأخطار‭ ‬هو‭ ‬الاختلال‭ ‬البيئي،‭ ‬ويفسح‭ ‬أمين‭ ‬معلوف‭ ‬المجال‭ ‬للعلماء‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬البيئية،‭ ‬لمن‭ ‬ينتابهم‭ ‬الشك،‭ ‬فالتحولات‭ ‬المناخية‭ ‬تتهدد‭ ‬أرجاء‭ ‬عدة‭ ‬بالقحط‭ ‬وندرة‭ ‬المياه،‭ ‬منها‭ ‬منطقة‭ ‬الساحل‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬عموما،‭ ‬ومنها‭ ‬كذلك‭ ‬ذوبان‭ ‬الجبال‭ ‬الثلجية،‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬جزرا‭ ‬وأرخيبلات،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أخطار‭ ‬كلاسيكية،‭ ‬منها‭ ‬سباق‭ ‬التسلح،‭ ‬والهويات‭ ‬المتناحرة،‭ ‬وسطوة‭ ‬السوق،‭ ‬وظاهرة‭ ‬رئيس‭ ‬أمريكي‭ ‬يتصرف‭ ‬مثل‭ ‬كاوبوي،‭ ‬وأوروبا‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬قيادة‭ ‬أو‭ ‬رؤية‭ ‬جامعة‭. ‬‮«‬من‭ ‬الواضح،‭ ‬يقول‭ ‬معلوف،‭ ‬أننا‭ ‬دخلنا‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬مضطربة،‭ ‬يصعب‭ ‬التكهن‭ ‬في‭ ‬مآلها،‭ ‬عرضة‭ ‬لكل‭ ‬الاحتمالات‭ ‬الممكنة،‭ ‬ومن‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭. ‬فغالبية‭ ‬المعاصرين‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬يؤمنون‭ ‬بمستقبل‭ ‬التقدم‭ ‬والرفاهية‭. ‬وحيثما‭ ‬هم،‭ ‬يكتنفهم‭ ‬شعور‭ ‬الضياع‭ ‬والغضب‭ ‬والمرارة‭ ‬وفقدان‭ ‬البوصلة‮»‬‭.‬
الأخطار‭ ‬التي‭ ‬تتهدد‭ ‬سفينة‭ ‬العالم،‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تهوي‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬الأعماق‭. ‬ويُذكّر‭ ‬أمين‭ ‬معلوف‭ ‬بسابقة‭ ‬غرق‭ ‬نموذج،‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬وهو‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬واعدا،‭ ‬وعانق‭ ‬التوجهات‭ ‬العالمية،‭ ‬سواء‭ ‬أكانت‭ ‬الليبرالية‭ ‬أو‭ ‬الماركسية،‭ ‬وبرزت‭ ‬منه‭ ‬أسماء‭ ‬واعدة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هوى‭ ‬كما‭ ‬تهوي‭ ‬السفينة،‭ ‬وانفصل‭ ‬عن‭ ‬العالمية‭ ‬ليغور‭ ‬في‭ ‬الخصوصية‭.‬
اللحظة‭ ‬المفصلية‭ ‬التي‭ ‬أضاع‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الفرصة‭ ‬التاريخية،‭ ‬يقول‭ ‬لنا‭ ‬أمين‭ ‬معلوف،‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬67،‭ ‬حينما‭ ‬غار‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬اليأس،‭ ‬ولم‭ ‬ينهض‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬ليسقط‭ ‬في‭ ‬شعور‭ ‬مدمر‭ ‬آخر‭ ‬وهو‭ ‬الغضب،‭ ‬اللحظة‭ ‬المفصلية،‭ ‬أو‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تخلف‭ ‬فيها‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬عن‭ ‬الركب،‭ ‬هي‭ ‬56،‭ ‬بعد‭ ‬تأميم‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬ومطاردة‭ ‬الرأسمال‭ ‬الغربي‭. ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬كفّت‭ ‬مصر،‭ ‬وكانت‭ ‬هي‭ ‬القاطرة،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كوزموبوليتية‭ ‬أو‭ ‬عالمية‭. ‬نأت‭ ‬عنها‭ ‬الرساميل،‭ ‬وهجرتها‭ ‬الأفكار‭ ‬المتفتحة‭.. ‬عاشت‭ ‬على‭ ‬ميراث‭ ‬الفترة‭ ‬الليبرالية،‭ ‬ولكن‭ ‬ككل‭ ‬ميراث‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬استثماره‭ ‬فهو‭ ‬مهدد‭ ‬بالنضوب‭. ‬67‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬المأساة،‭ ‬بل‭ ‬صورتها،‭ ‬وهي‭ ‬المفضية‭ ‬لحالة‭ ‬اليأس‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬ينهض‭ ‬منها‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭.. ‬ومنذ‭ ‬غرق‭ ‬سفينة‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬سنة‭ ‬67،‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬حطامها‭. ‬تعطُّلُ‭ ‬المركب‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬56،‭ ‬وليس‭ ‬67‭. ‬السفينة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬غرقت‭ ‬ولم‭ ‬تنهض‭ ‬من‭ ‬غرقها،‭ ‬وهي‭ ‬لبنان‭. ‬يقر‭ ‬معلوف‭ ‬بأن‭ ‬النظام‭ ‬الطائفي‭ (‬أو‭ ‬المحاصصة‭ ‬مثلما‭ ‬يقال‭ ‬اليوم‭) ‬كان‭ ‬لها‭ ‬مسوغ،‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬لبنان،‭ ‬ولكن‭ ‬كمرحلة،‭ ‬للانتقال‭ ‬للمواطنة‭. ‬والذي‭ ‬حدث‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تمت‭ ‬قرصنة‭ ‬فردوس‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬اعتبارات‭ ‬طائفية،‭ ‬ودخلت‭ ‬البلاد‭ ‬حربا‭ ‬أهلية‭ ‬خلفت‭ ‬جراحا‭ ‬غائرة‭… ‬
اللحظة‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬هي‭ ‬79،‭ ‬المتزامنة‭ ‬مع‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬حيث‭ ‬حل‭ ‬الغضب‭ ‬محل‭ ‬اليأس،‭ ‬ووجد‭ ‬في‭ ‬التنظيمات‭ ‬الدينية‭ ‬الجسم‭ ‬الحاضن‭.. ‬لكن‭ ‬القصة‭ ‬لم‭ ‬تنه،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السرد‭ ‬الممتع،‭ ‬لوضوح‭ ‬بيانه‭ ‬وثاقب‭ ‬تحليله،‭ ‬والمخيف‭ ‬كذلك،‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يتستر‭ ‬عن‭ ‬الأخطار‭ ‬المحدقة،‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬الغرب،‭ ‬أو‭ ‬يتأثر‭ ‬به،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬هو‭ ‬جسد‭ ‬غانية‭ ‬تعرضت‭ ‬للاغتصاب،‭ ‬وتحمل‭ ‬من‭ ‬ثمة‭ ‬أثر‭ ‬مغتصبها‭. ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬فيما‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مكر‭ ‬التاريخ،‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬الغرب‭… ‬لن‭ ‬يسلم‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬اهتزازات‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬أول‭ ‬أعراض‭ ‬هذا‭ ‬الاهتزاز‭ ‬هو‭ ‬الإرهاب،‭ ‬ومن‭ ‬القضايا‭ ‬ذات‭ ‬المضاعفات‭ ‬العميقة،‭ ‬الهجرة‭. ‬الغرب،‭ ‬موزع‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وهي‭ ‬بغير‭ ‬قياد،‭ ‬أو‭ ‬سفينة‭ ‬ثملة،‭ ‬حسب‭ ‬التعبير‭ ‬الفرنسي،‭ ‬وأمريكا‭ ‬تحت‭ ‬ظاهرة‭ ‬شعبوية‭ ‬مرشحة‭ ‬لأن‭ ‬تستمر،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬فكرية‭ ‬جعلت‭ ‬الغرب‭ ‬يفضل‭ ‬السعادة‭ ‬على‭ ‬الحرية‭.. ‬أو‭ ‬السعادة‭ ‬الزائفة،‭ ‬التي‭ ‬يتيحها‭ ‬نظام‭ ‬السوق‭ ‬والمنظومة‭ ‬الاستهلاكية‭. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬يستطيع‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مرآة‭ ‬للغرب؟‭ ‬مرآة‭ ‬تكشف‭ ‬عيوبه‭ ‬وزيغه‭. ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬الذي‭ ‬يوجد‭ ‬فيه‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬يتعذر‭ ‬ذلك‭… ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬سفينة‭ ‬الغرب‭ ‬تمخر‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬بوصلة،‭ ‬فسفينة‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬حطام،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬محرك،‭ ‬تتقاذفها‭ ‬الأمواج،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬وجهة‭.‬
لكن‭ ‬هل‭ ‬ينبغي‭ ‬الارتكان‭ ‬لليأس؟‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬التمرين‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬متناقضا،‭ ‬التشاؤم‭ ‬في‭ ‬النظرة‭ ‬أو‭ ‬التحليل،‭ ‬والتفاؤل‭ ‬في‭ ‬الفعل‭. ‬يقر‭ ‬معلوف‭ ‬أن‭ ‬الأسوأ‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬مؤكدا،‭ ‬ومن‭ ‬الضروري،‭ ‬وقد‭ ‬أزيح‭ ‬قوس‭ ‬سقوط‭ ‬برلين،‭ ‬وتبدت‭ ‬مساوئ‭ ‬النيوليبرالية،‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬معالم‭ ‬العالم‭ ‬الجديد‭. ‬ولعل‭ ‬الشيء‭ ‬الطريف‭ ‬والمفيد‭ ‬الذي‭ ‬يوحي‭ ‬به‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يسفر‭ ‬عنه،‭ ‬هو‭ ‬التداخل‭ ‬الحضاري‭ ‬والتاريخي‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬والعالم‭ ‬العربي،‭ ‬فمصلحة‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬هي‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬يحمل‭ ‬تراثا‭ ‬تاريخيا‭ ‬وقيما‭ ‬فكرية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يرهن‭ ‬مصيره‭ ‬لتصور‭ ‬يطبعه‭ ‬البزنس‭ ‬والمغامرة‭ ‬والمقامرة‭ ‬والمساومة،‭ ‬وهي‭ ‬النظرة‭ ‬التي‭ ‬تجسدها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

*كاتب‭ ‬مغربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*