الرئيسية / أضواء على / عاصفتان تكفيان حاجة اللبنانيين لسنة كاملة! العواصف الثلجية والمخزون المائي في لبنان

عاصفتان تكفيان حاجة اللبنانيين لسنة كاملة! العواصف الثلجية والمخزون المائي في لبنان

#النهار_جامعة

المقال الآتي هو الثاني في سلسلة مقالات اللجنة البيئية المنبثقة من مشروع الشركة بين “النهار” والجامعة الأميركية في بيروت. وتضم اللجنة، كل من: الدكتور معين حمزة، والدكتورة نجاة صليبا، والدكتور جوزيف زعيتر، والدكتور ربيع الشاعر، والدكتور فادي الجردلي.

لبنان من البلدان “الغنية” بثرواتها المائية حيث يتلقى معدلاً سنوياً يناهز 830 ملم من المتساقطات التي تهطل خلال فترة وجيزة نسبياً لم تعد تتجاوز 4 أشهر في السنة (كانون الأول-آذار). وتتلقى السلسلتان الشرقية والغربية لجبال لبنان ما بين 50 إلى 67 في المئة من مجموع الأمطار السنوية على شكل ثلوج تساهم في تجديد محتوى الخزان الجوفي والطبقات الكارستية والينابيع. وقد تصل مساهمة الثلوج في تغذية الطبقات العليا بالمياه الجوفية إلى نحو 75 في المئة، مما يؤكد أهميتها الإستراتيجية في النظام الهيدرولوجي في لبنان.

يراقب المجلس الوطني للبحوث العلمية من خلال برامج مركزه للاستشعار عن بعد ومن خلال “مرصد الثلوج” الذي يضم شبكة محطات مناخية متقدمة لرصد الثلوج ونظام لمعالجة صور الأقمار الاصطناعية، التي تُستخدم لتحديد المساحات التي تغطيها الثلوج في لبنان أو ما يُعرف بالغطاء الثلجي. فخلال “العواصف” التي شهدها لبنان منذ بداية العام 2019، تبين أن الغطاء الثلجي قد تطور من %25 من مساحة لبنان ولامس ارتفاع ألف متر (في 4 كانون الثاني 2019 قبل العاصفة “نورما”) ليبلغ 45٪ من مساحة لبنان (في 11 كانون الثاني 2019) بعد العاصفة “نورما” وقد لامست الثلوج إرتفاع 760 مترًا في بعض المناطق اللبنانية. أما بعد العاصفة “ترايسي”، فقد أظهرت الصور الفضائية أن الثلوج التي لامست ارتفاع 640 مترًا قد توسعت رقعتها لتغطي %40 من مساحة لبنان في 21 كانون الثاني 2019، بزيادة بلغت حوالى %70 عما سجل في الفترة الزمنية نفسها من العام الماضي. تجدر الإشارة إلى أنه في نهاية كانون الأول 2018 (قبل العاصفتين)، كانت الثلوج تغطي %80 من سلسلة جبال لبنان الغربية و%35 فقط من السلسلة الشرقية، وقد أدى تساقط الثلوج المكثف في فترة زمنية قصيرة إلى تغطية كامل السلسلتين.

خلال فترة وجيزة لم تتجاوز 10 أيام بعد العاصفتين ونتيجة التحسن التدريجي بالطقس، أظهرت الصورة الفضائية المأخوذة في 28 كانون الثاني 2019 أن الثلوج ما زالت تلامس حدود 1150 مترًا، في حين تقلص الغطاء الثاجي سريعاَ لحوالى %23 من مساحة لبنان الإجمالية.

دينامية الثلوج وتوزّعها قبل “نورما” و”ترايسي” وبعدهما

تنتشر معظم محطات الأرصاد الجوية التابعة للمؤسسات العامة في المناطق الجبلية اللبنانية بين ارتفاع 1510 و1890 مترًا وتقيس المعطيات المناخية بكفاءة، إلا أنها غير مجهزة لقياس تساقط الثلوج وسرعة ذوبانه وأثره على تزايد الطبقات الجوفية بالمخزون المائي. لذلك قام المجلس الوطني للبحوث العلمية بالتعاون مع معهد البحوث للتنمية في فرنسا وجامعة القديس يوسف بتركيب ثلاث محطات ثلجية عام 2011 في الأرز (على إرتفاع 2834م) وفي مزار كفردبيان (2296م) وفي اللقلوق (1840 م) وهي تقوم بقياس درجة حرارة الهواء والرطوبة وكمية وسماكة الثلوج المتساقطة، بالإضافة إلى سرعة الرياح واتجاهها وأشعة الشمس، وإرسال البيانات والمعطيات بشكل دوري (كل ساعة) إلى الخادم المركزي لتحليلها. ومن المؤشرات الهامة تدني درجة الحرارة إلى 12 درجة مئوية تحت الصفر في ليل 18 كانون الثاني 2019 في محطة الأرز وتراكم ما بين متر ونصف إلى مترين من الثلوج خلال العاصفتين “نورما” و”ترايسي”.

محطة مزار كفردبيان (2296 مترًا)

أهمية الغطاء الثلجي، الذي تكون خلال أسبوعين فقط، أن ذوبانه سوف يزود الطبقات الكاريستية الجوفية المنتشرة بغزارة في السلسلتين الغربية والشرقية، بالإضافة إلى السدود والآبار الارتوازية والينابيع بنحو 1500 مليون متر مكعب من المياه النظيفة. كما أن المتساقطات الهامة التي شهدها لبنان خلال هذه الفترة قد أثرت بشكل إيجابي المخزون السطحي، ففي حين كان مستوى المياه في حده الأدنى في بحيرة القرعون حيث بلغ 34 مليون مترًا مكعبًا في 3 كانون الثاني 2019، ارتفع مخزون البحيرة إلى 58 مليون متر مكعب في 9 كانون الثاني 2019 بعد العاصفة “نورما”، ثم إلى 88 مليون متر مكعب في 17 كانون الثاني 2019 بعد العاصفة “ترايسي”، أي بزيادة بلغت %258، كما اتسعت مساحة البحيرة المغطاة بالمياه 7.6 كلم مربع أي بزيادة %80.


من المعروف أن المتساقطات في سنة خيرة تبلغ نحو 8000 مليون متر مكعب (يفقد منها %75 نتيجة التبخر وعدم القدرة على استثمارها، ويتوزع استعمال 2000 مليون متر مكعب الباقية على %60 في الزراعة و%32 لحاجة السكان و%8 في الصناعة). والمفاجأة تمثلت هذا العام بأن الطقس المثلج والماطر خلال أسبوعين فقط من فصل الشتاء، أدى إلى تزويد النظام الهيدرولوجي بنسبة %20 من المخزون المتوقع سنوياً. كما أن أهمية 1500 متر مكعب التي استقبلتها الطبقات الجوفية في كونها تعادل ثلاثة أضعاف حاجة السكان الفعلية من المياه النظيفة (باعتبار أن حاجة الفرد هي 120 مترا مكعبا، وتبلغ حاجة الأربعة ملايين لبناني 480 مليون متر مكعب سنوياً)!

إلا أن الشكوك تتعاظم حول قدرة إدارات الدولة والبلديات والأفراد المحافظة على نوعية (وكمية) هذه الثروة الطبيعية في التقنيات والآليات المعتمدة لاستخراجها وتخزينها وتوزيعها وإيصالها إلى التجمعات السكنية في المدن والأرياف. وبالأخص، حمايتها من مئات مصادر التلوث الجرثومي والمعدني والصناعي وفقدانها قيمتها كمورد طبيعي حيوي مميز لمناخ لبنان. والمسؤولية مشتركة من الدولة إلى المواطن في كل مراحل الاستثمار والاستعمالات، وتتجاوز الشروط التقنية والسياسات المستدامة لتصل إلى الثقافة وأسلوب الحياة الملائم لإقتصاد المياه والحفاظ على نوعيتها وضمان الاستثمار المجدي لما توفره الطبيعة للبنان دون منّة من أحد. 

(المجلس الوطني للبحوث العلمية) 

اضف رد