الرئيسية / home slide / عائلة مطران… سيرة أفول مسيحيي بعلبك

عائلة مطران… سيرة أفول مسيحيي بعلبك

محمد شرف|السبت16/10/2021
Almodon.com

  • منزل خليل مطران خلال أحد نشاطات “سبت بعلبك الثقافي”

أتقصّد، من حين إلى آخر، اجتياز تلّة الشيخ عبد الله، القريبة من منزلنا، والمطلّة على مدينة بعلبك من جهة الجنوب، كي أسير بعد ذلك نزولاً لجهة الغرب. ثمة طرق عديدة تقود إلى المستوى المنخفض، قياساً إلى إرتفاع التلّة التي أطلق عليها اسم الشيخ عبد الله اليونيني. لكنني أختارُ طريقاً منحدراً بعينه، كي ألقي نظرة على ما تبقّى من منازل تعود إلى الزمن الماضي، وما بقي صامداً من ذلك الحي المسمّى مسيحياً، والفاقد لتلك الصفة منذ عقود. ولأقارن، أيضاً، بين صورة فوتوغرافية التقطتها في الماضي، وما آلت إليه أحوال المكان في الوقت الحاضر. في الجهة اليسرى من تلك “النزلة”، بقي منزلان عائدان لعائلة مطران يملكهما المحامي الياس مطران، وأحدهما هو المنزل الذي ولد فيه الشاعر خليل مطران، في الأول من تموز 1872.


منزل خليل مطران من الخارج

لم يعد المشهد نحو الغرب كما في سابق الأيام. كان في الإمكان رؤية الأعمدة الستة الباقية من هيكل جوبيتير من تلك النقطة المرتفعة، أو على الأقل نصفها العلوي. صرنا، في يومنا هذا، نرى باطوناً مسلّحاً ينتصب عمارات تفوح منها رائحة المهمة الوظيفية بصعوبة، ويندحر، بناءً على معاينتها، البُعد الجمالي، ولو أنه، كما نعتقد جازمين، شكل من أشكال البساطة الذكيّة، لا الفخفخة الفارغة. وفي كل الأحوال، لم يعد شيء في الحي، كما في المدينة كلّها، كما كان. حتى عبارة “تغيّر الشيء أو المكان” لم تعد تفي بالغرض. ربما تكون عبارة إنقلاب إجتماعي وثقافي وديموغرافي أكثر ملاءمة، من أجل وصف واقع “غريب عجيب” حلّ بهذا الحي، الذي كان في السابق من أجمل أحياء المدينة. موضوع شائك لا مجال للخوض فيه، إذ هو في حاجة إلى معالجات مستقلّة، لكنه يلتصق حكماً بالحقيقة المؤلمة: لم يعد في بعلبك فرد واحد من عائلة مطران يسكنها في شكل دائم، وهي العائلة التي كان لها، ذات يوم، حضور واضح وفاعل على مختلف المستويات.


في تاريخ عائلة مطران
وبما أن العودة إلى التاريخ تبدو واجبة في هذا المجال، فإن أول ما يخطر في بالنا هو ما ذكره المؤرخ ميخائيل ألوف، الذي كان أول دليل سياحي في المدينة، وصاحب “أوتيل بالميرا” الشهير، الذي آل الآن إلى مالكين آخرين، إذ أفاد في مذكراته: “كان حبيب باشا مطران (1829-1900) أحد أبرز الشخصيّات المسيحية في مدينة بعلبك، في أواخر القرن التاسع عشر، وصاحب نفوذ سياسي واسع في كل من سوريا ولبنان”.

هذه العبارة تحيلنا بدورها إلى تاريخ أبعد، للحديث عن أصل عائلة مطران العربية وكاثوليكية المذهب، وهي التي ينتسب أفرادها إلى الغساسنة المتفرّعين عن الأزد وعرب الجنوب. سكن بعض أفراد العائلة بلاد حوران، ثم توطّنوا في بعلبك منذ ما يقرب من أربعمئة سنة، وأصبحوا من ملاك الأراضي الكبار، ولا تزال بعض أراضي سهل بعلبك لجهة الغرب ملكاً للعائلة حتى اليوم. وتقول الروايات أن حبيب باشا مطران، الذي كان يتقن القراءة والكتابة، في زمن كان معظم سكان المنطقة من الأميين، بدأ حياته العمليّة كوكيل على أرزاق آل حرفوش، إذ كان يهتم بإدارة المناطق الزراعيّة وحساب الغلّة، كما دخل في خدمة الولاة، وكان مخلصاً للدولة العثمانيّة. وفي ذلك الحين قصد ابنه يوسف مدينة إسطنبول، وأقام في فندق كبير “له عيون وآذان”، على ما أسرّ لنا الراحل إدمون سلامة، وكان يشيد في أحاديثه بالسياسة التركيّة ورجالاتها، مما أثار إهتمام السلطات صاحبة العيون والآذان المنتشرة في كل زاوية، وأدّى بالتالي إلى قيام علاقات وثيقة بينه وبين مسؤولين كبار. وفي أيار 1892، توجّه حبيب مطران إلى الآستانة، فحظي بشرف المثول أمام الحضرة الشاهانيّة مع نجله يوسف. في ذلك الحين، منحته السلطنة مرتبة مير ميران الرفيعة، فكان أول مسيحي يحصل على رتبة باشا، كما كان أول مسيحي في سوريا يحصل على وسام من الدولة العثمانيّة، التي اعتمدت عليه في تسيير العديد من أمورها في مدينة بعلبك وجوارها.


منزل خليل مطران من الخارج

هذا، وقد أنبتت عائلة مطران مجموعة من الشخصيّات التي لعبت دوراً بارزاً في الحياة السياسيّة والإجتماعية والثقافيّة على مستوى الوطن وفي منطقة بعلبك أيضاً. إذ برز منها، على سبيل المثال: المطران باسيليوس، المتوفى العام 1811، واكليمنسوس المطران، مطران بعلبك في القرن التاسع عشر (توفي العام 1826) وحبيب باشا مطران، الذي تم ذكره، ونجله يوسف صاحب امتياز مرفأ بيروت وسكة دمشق وحوران، كما برز سليم بك مطران (1929 – 1904) عضو مجلس متصرفية جبل لبنان، وندرة مطران، عضو المؤتمر العربي الأول الذي عُقد في باريس العام 1913، والنائب حبيب مطران (1907 – 1989 ) نائب البقاع الأسبق ووزير الصحة عام 1969، ونخلة مطران، وبالطبع الشاعر الكبير خليل مطران.

قامت دار حبيب باشا مطران في وسط مدينة بعلبك، وهي منزل فخم مؤلف من طبقتين، تتوافق هندسته مع النمط والتقاليد المعمارية التي كان متّبعة في بيوت البورجوازية اللبنانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتزيّنه الزخارف والرسوم التي ما زالت مرئية حتى اليوم. وقد اشترى المنزل لاحقاً شخص من آل السكاف، وتحوّل في فترة من الفترات فندقاً، إلى أن بيعت طبقته الأرضيّة، في ستينات القرن الماضي، إلى شخص من آل رعد فجعل منها حسينية، بينما احتفظ آل السكاف بالطبقة العلوية حتى يومنا هذا (تضرر المنزل بشدة جرّاء قصف إسرائيلي لمبنى مجاور خلال حرب 2006، وقد أعيد ترميم سقفه وبعض أجزائه، لكن بعض جدرانه ما زالت متصدّعة). هذا المنزل كوّن، من الناحية العمليّة، الحدود الشماليّة للحي المسيحي من جهة سوق بعلبك، والممتد نحو الجنوب. إلى ذلك، كان عدد كبير من متاجر بعلبك في هذه الناحية ملكاً للمسيحيين، وخصوصاً تلك الواقعة ضمن ما يسمّى السوق القديم.

الحرب الأهلية .. وما بعدها
جاءت الحرب الأهلية، العام 1975، كي تقلب الموازين وتفتك بالواقع البعلبكي وتوازناته، كما حدث في غير منطقة لبنانية. لم تشهد بعلبك، خلال هذه الحرب، صراعات دامية كما كانت الحال في أكثر من منطقة ومدينة لبنانية، بل اقتصر الأمر على مناوشات ومعارك محدودة دارت بين أحزاب يسارية وأخرى ذات طابع ديني. كما أن المسيحيين لم يلتحقوا، عدا قلة قليلة منهم، بأحزاب سياسية. ناهيك بأن العلاقة بين مسلمي بعلبك ومسيحييها طغت عليها دائماً دلائل الصداقة وحسن الجوار والمصالح المشتركة. لكن الحرب الفعلية التي عجزت عن دخول مدينة لها طابعها الخاص، وجدت طريقها بسهولة، عبر مفاعيلها ونتائجها النفسية، إلى أذهان الناس. وقد زاد هذا الوضع تأزّماً بعد نزوح أعداد كبيرة من سكان القرى إلى بعلبك، إضافة إلى جماعات أخرى قصدت المدينة هرباً من العاصمة “المشتعلة”، ما أدى طغيان اللون الطائفي الواحد، وإلى تغييرات ديموغرافية وإجتماعية وثقافية ذات عواقب كبيرة.

وفي هذه المسألة الحسّاسة لا بد من الإشارة إلى أن عدداً من المسيحيين تعرّضوا لمضايقات من قبل عناصر “غير مسؤولة وغير بعلبكية”، كما ترد العبارة على ألسنة بعض من تداولنا الحديث معهم حول هذه الأمور من وجهاء الطائفة المسيحية. جرى ذلك ضمن وضع أمني وسياسي متدهور على صعيد البلد كلّه، تضاءل معه الأمل بنهاية سريعة لحرب هوجاء، معقّدة وغير واضحة أحياناً، إختلط فيها السياسي بالطائفي والمذهبي. هذه الظروف كلّها ساهمت في بعث الخوف والقلق في نفوس المسيحيين، وترسّخ هذا الخوف بفعل الممارسات المذكورة، ما أدّى، بالتالي، إلى رحيلهم بشكل تدريجي من المدينة على مدى سنوات الحرب، بحيث لم يبقَ منهم في مدينة بعلبك، في أيامنا الحاضرة، سوى مجموعة لا تزيد عن 5 في المئة من عددهم الأصلي، وربما أقل. عائلة مطران كانت من ضمن تلك العائلات التي غادرت المدينة، وهي التي لم يكن أفرادها كثيري العدد في الأصل، ولم يبقَ من أثر لها سوى المنزلين الفارغين المذكورين، علماً أن الطبقة السفلية من مسكن المحامي يشغلها أناس لا علاقة لهم بالعائلة، وربما تمّ استقدامهم من أجل أعمال الخدمة والصيانة.

وإذا كان المنزل العائد للمحامي الياس مطران استطاع الحفاظ على أناقته، فإن منزل الشاعر خليل مطران تعرّض لمحن عديدة خلال الحرب الأهلية، وما بعدها. إذ سكنه حيناً مهجّرون، وتحوّل مكاناً لصفوف تلامذة مدرسة راهبات القلبين الأقدسين حيناً آخر، إلى أن أصبح مهجوراً، عربشت الحشائش في أنحائه، وتصدّعت بعض جدرانه، وترهّل قرميده. بقي المنزل، أو المنزلين، كشاهد على نمطٍ معماري عائد إلى حقبة ماضية، وصارا أشبه بجزيرة ذات طابع مختلف ضمن بحر من الأبنية الخرسانية، التي منع حجمها وإرتفاعها، من رؤية الأعمدة الستة، وبعض أجزاء الهياكل الرومانية، التي أمكن معاينتها من تلك النقطة في الماضي، كي تستبدّ البشاعة بمشهد ذهب إلى غير رجعة.

لكن يبدو أن بصيص أمل ظهر في الأفق، في ما يختص بمنزل الشاعر. ففي العام 2015 أعدّت بلدية بعلبك خطة من أجل ترميم المنزل الذي كان عرضة للتحولات العديدة، إذ لا شيء يبقى على حاله في ظل التوحّش العمراني المذكور، فالمنزل بناء عثماني ذو طابع تراثي معماري، ووجه لشخصية معنوية. لذا جاء قرار بلدية بعلبك بتحويله مركزاً ثقافياً لما فيه من رمزية، ولما يعني ذلك من تكريم وإجلال لما قدمه الشاعر من إسهامات في الشعر العربي الحديث. إلى ذلك، تأسست “جمعية خليل مطران الثقافية” برئاسة المحامي الياس مطران (ابن شقيق الشاعر ومالك المنزل، كما ذكرنا) وضمّت ثلاثة أعضاء من المجلس البلدي، وسعت إلى تأمين هبات محلّية وأجنبية من أجل ترميم المنزل.

شملت المرحلة الأولى من هذه الحملة عملية رفع الأنقاض وصيانة الجدران، بالإضافة إلى ترميم السقف القرميد، وتجديد البناء وملحقاته، بما يحفظ قيمتة العمرانية. فيما كان من المفترض أن تشمل المرحلة الثانية عملية تقسيم المنزل، كي يتضمّن مكتبتين، وصالتي مطالعة، وصالة رئيسية، وغرفتين للإدارة والموظفين، ومخزنًا، وغرفة معلوماتية، وغرفة أرشيف واستعلامات، وغرفة لمتابعة الصحف والمجلات، ومطبخاً ودورة مياه. لكن هذه الخطوات توقفت عند نقطة محددة، بسبب الأوضاع الإقتصادية ونقص التمويل. على أن هذا الأمر لم يمنع إقامة نشاطات في المنزل، رغم حالة الجدران الداخلية، (علماً أن هذا الأمر لم يزعجنا شخصيّاً، بل جاء ليضيف مسحة تاريخية، وحتى أثرياً على المكان) بعدما بادرت جمعية “سبت بعلبك الثقافي” التي تضم مجموعة من شباب المدينة، وبالتعاون، في طبيعة الحال، مع “جمعية خليل مطران الثقافية” من أجل أداء هذه المهمّة. توزّعت النشاطات بين إقامة معرض للكتب في بيت الشاعر، وتنظيم أمسيات شعرية وندوات في حديقة المنزل المجاور التي وضعها المحامي الياس مطران تحت تصرّف “سبت بعلبك الثقافي”.

وقد لقيت هذه النشاطات إقبالاً لافتاً من سكان المدينة ممن ما زالوا يفردون مكاناً للثقافة في سلّة إهتماماتهم، ويتتبعون النشاطات المتعلّقة بها. هذا الأمر دفع “سبت بعلبك الثقافي” إلى إقامة مهرجان شعري سنوي أطلق عليه تسمية “مهرجان خليل مطران”، وذلك ضمن منطقة الهياكل الرومانية، وإن لم يُقَم المهرجان هذا العام، واستُعيض عنه بحفلة تحت عنوان: “صرخة شعرية وفنيّة” لبيروت، في بدايات شهر آب المنصرم، وذلك لأسباب معروفة، صار ذكرها أقرب إلى “كليشيه” يُستعمل لدى تعذّر تنفيذ أي مشروع، أو الإحتفال بمناسبة معينة، قد تبدو، بالنسبة للبعض، خارجة عن نطاق الأولويات المعيشية، التي صارت شغل الناس الشاغل، وهمّهم المقيم.