الرئيسية / مقالات / ظريف “أخذ على خاطره” وخامنئي يحتاج الى المعتدلين والمحافظين

ظريف “أخذ على خاطره” وخامنئي يحتاج الى المعتدلين والمحافظين

تراجع وزير خارجية الجمهورية الاسلامية الايرانية محمد جواد ظريف عن استقالته التي قدّمها في الخامس والعشرين من شهر شباط الماضي، بعد انتهاء زيارة رئيس سوريا بشار الأسد لطهران، أو قبيل انتهائها بقليل. وقال الاعلام في حينه، سواء في طهران أو غيرها من العواصم المعنية في العالمين العربي والاسلامي كما في العالم الأوسع، أن ما دفعه اليها كان التجاهل التامّ له ولوزارته في أثناء الاعداد لهذه الزيارة، وعدم إشراكه في المباحثات التي أُجريت مع المسؤولين الايرانيين الكبار وخلالها. ولم يصدر شيء عنه أو عن رئيس الجمهورية الشيخ حسن روحاني، والاثنان ركنان مهمان في معسكر الاعتدال، ينفي السبب المُشار اليه الى الاستقالة. علماً أن الاستقالة بواسطة إحدى أبرز وسائل التواصل الاجتماعي لم يعتبرها الكثيرون جدّية ونهائية. ورجّحوا أن يكون تقديمها بهذه الطريقة فيه الكثير من الرغبة في لفت الانظار الى تجاهل غير مقبول، وفي دفع القيادة العليا الممثلة بالمرشد والولي الفقيه آية الله علي خامنئي الى معالجة الوضع في سرعة، أولاً “بتطييب خاطر” ظريف، وقد حصل ذلك باتصال رسمي به من قبل كبار دمشق وبتوجيه دعوة رسمية اليه لزيارتها. وثانياً برفض روحاني الاستقالة وبالتجاوب السريع لظريف معه. طبعاً ما كان لرفضها أن يتم لو كان الدافع الفعلي لتجاهل مقدمّها هو اتخاذ خامنئي والمعسكر المحافظ، الذي هو جزء منه بل رئيسه، بفئاته الثلاث العلماء والعسكر مع “الحرس الثوري” و”البسيج” والسياسيون، قراراً باقفال كل الأبواب مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشقيه الغربي والشرقي، والردّ على المواجهة الشرسة التي بدأها مع إيران دونالد ترامب منذ سحبه أميركا من الاتفاق النووي الموقّع معها، وتردّد أوروبا الكبير في التضامن معها رغم تمسكها بهذا الاتفاق وسعيها الى البحث عن طريقة لاستمرار التعاون المثمر مع الجمهورية الاسلامية رغم أخطار ردود الفعل الترامبية. وما كان في امكان روحاني رفضها أيضاً لو كان متأكداً من وجود قرار كالمُشار إليه، وربما وجد نفسه مضطراً الى الاستقالة بدوره خوفاً من تحميله مسؤوليات كثيرة، وأهمها اثنتان واحدة عن “تساهل ومرونة” ما في المفاوضات النووية أدت الى عدم رفع العقوبات الأميركية كلها عن إيران والى تعقيد تنفيذ ما رفع منها، والى فرض الكونغرس عقوبات أخرى جديدة عليها. ومسؤولية أخرى عن تردّي الوضع الاقتصادي وانتشار الفساد على كل المستويات اللذين أثارا الشعب الايراني ومؤيّدي النظام الاسلامي فيها، فتظاهر بعشرات الآلاف وربما بأعداد أكبر في عشرات المدن والبلدات وهو مستعد دائماً للعودة الى الشارع. فالمرشد والولي الفقيه الذي ما كان للتفاوض مع أميركا، في إطار المجموعة الدولية 5+1 حول نوويتها، أن يبدأ ثم ينجح لو لم يحصل على تغطية جدّية وموافقة حاسمة منه، يعرف أن تعرّض الاتفاق النووي لنكسة كبيرة كان بسبب ترامب وسياساته واستراتيجياته أو بالأحرى لا سياساته ولا استراتيجياته، لا بسبب تهاون روحاني وظريف. وهو يعرف أيضاً أن المحافظين أو المتشددين المتنوّعين، وعلى نحو خاص السياسيين منهم وقفوا ضد المفاوضات النووية ثم الاتفاق الذي أعقبها، لأنهم شعروا أنها ستنجح في وجود أوباما في البيت الأبيض، وأن ذلك سيقوّي من يسمّون إصلاحيين أو معتدلين وسينعكس ذلك على نتائج الانتخابات التشريعية التي ستجري بعد توقيع الاتفاق. علماً أن ضمن المحافظين المتشددين من علماء دين و”حرس” من يعدّ نفسه ايديولوجياً – دينياً للاستمرار في رفض الحوار مع أميركا وفي مواجهتها في المنطقة، وفي تنفيذ الخطة التوسعية الايرانية للسيطرة أو للاستحواذ على نفوذ كبير في شرق المتوسط وفي دول الخليج العربية، واستخدامه لدخول دول أخرى عربية واسلامية.

ذلك كله يكوّن انطباعاً أن المرشد والولي الفقيه خامنئي يعرف دقّة الوضع الداخلي في بلاده وحاجته الى وحدة الشعب الايراني كله، أو على الأقل جمهور الثورة الاسلامية المكوّن من محافظين متشدّدين وإصلاحيين أو معتدلين. لذلك فهو مصمّم ليس على إمساك العصا من الوسط فقط، بل على إدارة الصراع بين جناحي النظام بطريقة تمكّن بلاده من تخفيف أثار العقوبات بعض الشيء، وتجنّبها حرباً مباشرة وشاملة مع اميركا وحلفائها في المنطقة، لا تستطيع دول أوروبا المتمسكة بالخطوط المفتوحة معها أن تبقى محايدة فيها. كما لا تستطيع حليفتها روسيا، رغم أن جهات دولية كثيرة تشكّ في وجود تحالف بينهما وتعترف فقط بعلاقة عمل جيدة، ولا الصين المتفهّمة لها خوض مواجهة عالمية دفاعاً عنها، وخصوصاً إذا ارتكبت أخطاء جسيمة جرّاء شعور “غرور القوّة ونشوة الانتصار” الذي أخذ جانباً من عقلها في مرحلة ما، والذي يظنّ كثيرون أن البراغماتية والحكمة والحسابات الدقيقة ستحلّ مكانه إذا لم تكن حلّت بعد. لكن المشكلة الكبيرة هنا هي أن “الغرور والنشوة” طاغيان لدى رئيس أميركا ترامب غير المعروف داخل بلاده وخارجها لا بالبراغماتية ولا بالحكمة ولا التعقّل ولا بالتخطيط ولا بالعقل الاستراتيجية ولا بالكتابة ولا التخطيط. فهو يفتخر أنه بخطاباته الشفهية وصل الى رئاسة أميركا وبتغريده على “تويتر”، ولذلك يتمسّك بهذا الاسلوب ويفاخر بعدم استعداده للتغيير والتصرّف كرجل دولة في وقت تحتاج بلاده بقوة الى مثله.

كيف تصف الجمهورية الاسلامية الايرانية استقالة ظريف؟ وهي تعبير منه أنه “أخذ على خاطره” لابعاده عن زيارة الأسد، يجيب متابعون من قرب لعملها وحركتها. هي نوع من الاعتراض الشاكي على حضور محمد واعظي مدير مكتب روحاني اجتماع الأخير مع الأسد، ومن العتب لحضور قاسم سليماني اجتماع خامنئي – الأسد وغيابه عنه.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد