الرئيسية / مقالات / ظاهرة غير عادية من مواطنين عاديين

ظاهرة غير عادية من مواطنين عاديين

لقد فكرتم بالنيابة عنا ستين عامًا،

فكان تفكيركم ” زي الزفت”

المخرج العالمي يوسف شاهين

المرءُ يُدعى خارقًا، إذا أنجز أعمالاً خارقة. وعلى هذا، مثلًا، يُعَدُّ من الخارقين أرسطو ونيوتن وأديسون وماركوني وبيل غيتس، وتوم جوبز، وأينشتاين، ومدام كوري، وكذلك شكسبير والمتنبي وسواهم، لأنهم قدموا للإنسانية أعمالاً خارقة من معطيات بسيطة.

قبل هذا، كان إيمان الناسُ بالرسائل السماوية مرهونًا بما يقدمه أصحابها من معجزات، كشق ِّالبحر بالعصا، وإحياء الموتى، والإسراء إلى المسجد الأقصى، لأن الإنسان كان ولا يزال وجلًا متوجسًا من تلك المنطقة المجهولة في وعيه، مصدقًا لما لا تستشعره الخمسُ الحواسُّ إذا ما اقترنت الظاهرة بأمور غير مألوفة. أما الآن، فما أصدِّقُه ويصدِّقُه معي الملأ، أن مئات الآلاف من اللبنانيين العاديين المجهولين، يصنعون ظاهرة خارقة متمادية، تتخطى شبكات العيون إلى المستقبل العميق.

لفتني في الأسبوع الماضي مقال للأستاذ رفيق خوري استشهد فيه بالفيلسوف الفرنسي Alexis de Tocqueville إذ يقول: “كل جيل هو شعب جديد، كل دورة انتخابية هي ثورة دستورية”، وهذا ما يفسر لي شعوري الغريب بأنني متعاطف عقلًا وعواطفَ مع حركة الناس، على رغم أنهم يخلعون عنهم “وصايتي”، أي وصاية الأجيال السابقةِ، المزمنةَ العقيمةَ التي أدَّت إلى تشكيل طبقة كلسية منعت عن الدولة والمواطنين الهواء والضياء، ووأدت فيهم الابتكار، وعمَّمَت عليهم حالة الاستنقاع التي أفرزت الفساد المفضي إلى الإفلاس وإعلان الفشل العام. ذلك أن الدورة الانتخابية عندَنا بقيت مقفلةً على أشخاصِها، ولم تعدْ ثورةً دستورية، فأصبحَ على الشعبِ أن يثورَ من أجلِها هي أيضًا.

من حق النسوة أن يذهبْن إلى التظاهر بكامل زينتهن، أو بثياب الطبخ… أو بعُدَّتِه؛ ومن حق المراهقين أن يثبتوا نضجهم، وهم يحتقبون كتبهم؛ ومن حق البؤساء أن يصبحوا نجومًا على الشاشات يضيئون العقول المظلمة المقفلة؛ بل من حق هؤلاء العاديين أجمعين أن يتلاقوا من مختلف الأمكنة في مؤتَلِفِها، وقد حملوا، واحدًا واحدًا، مشاكلَهم الشخصية وطرحوها على بساط الشوارع التي دمجَتْها كلَّها وحوَّلتْها إلى مطلب جوهري واحد هو: “الشعب يريد حكومة أهلًا للثقة”؛ من هنا راحَ الناس العاديون الذين لا يزعمون أنفسهم من القوم الخارقين، ينجزون عملًا خارقًا على رغم شدة بساطته، ذلك أن الفئات التي تجانست، لم تنتخب لنفسها قيادات تتحدث باسمها، بل وجد كلُّ فرد في نفسه الجدارة الكافية لتمثيلها بخطاب خال من التَّقَعُّرِ السياسي، أو الحذلقة، أو ادعاء الخبرة بالأمور الاقتصادية والعلاقات الإقليمية والدولية، فجاء مباشراً مستقرًّا في عنوانه الصحيح، واضحاً بمغزاه، وهو أن العقلية التي راكمت الأزمة وأهملت حلها، وعجزت عن توقعها، لا تستطيع البتَّةَ أن تخرجنا منها، وهذا يوجب البحث عن مقاربات جديدة وإرادات موثوقة، وخطط عملية، ومواعيد محددة لإنجاز ما لا يحتمل التأخير من استحقاقات، ورؤيةٍ سياسية تستطيع أن ترمِّم علاقات لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة، فيستعيد دوره كممر مالي، ومجال للأفكار والصحافة والاستثمار. ولعلَّ الدورَ الرائدَ الذي يلعبهُ الفنانون في الساحاتِ وبين الناس، ترجمةٌ يوميَّةٌ لهذا المرتجى، إذ تحوَّلَ النظّارةُ من حولِهم آلاتٍ متَّسِقةً في تختٍ موسيقيٍّ جديدٍ لا نشازَ فيه، تكريسًا لوحيٍ ينبع من أعماق الوطن ويهبُّ في هوائه ويصبُّ في فضائه . بعد كلِّ ما تقدم، أرى أن مطالبة الحكم للمتظاهرين بتسمية من يفاوض عنهم لتحديد مطالبهم، هي لزوم ما لا يلزم، لأن المواطن العادي، صرح أكثر من مرة، باسم الشعب اللبناني، أنه يطالب بحكومة جديدة بعد احترام الآليات الدستورية، تكون بريئة من أي تلوث في الأداءِ، أو فساد في السمعة، أو عقم في التفكير.Volume 0% 

أعظم ما قام به اللبنانيون، أنهم خلقوا حقائق سياسية صارمة، من غير رفع شعارات سياسية، ورسموا خريطة طريق من غير حاجة لمؤتمرات المتخصصين، وأعلنوا انتماءهم الوطني إلى دولتهم، واستقلالهم عن تأثير الانتماءات الفئوية، أو التقيد بالإشارات التي تصدر عن السفارات، فسيدة المنزل التي ترتب على عجل شؤون بيتها لتذهب إلى الساحة، والطالب الذي يعطل دراسته لإنجاز فروضه الوطنية في أمكنة أوسع من المدراس، والفقير والمريض اللذان يتوكآن على الجوع والعكازات ليمضيا نحو المستقبل، هؤلاء كلُّهم لا ترتهن حركاتهم لاتصال يأتي من ملحق عسكري أو قنصل فخري، أو جهة أجنبية، لأن وجعهم وجع وطني يعبرون عنه بفرح غير مسبوق، وفي مفارقة خارقة فعلاً، إذ إن المتألم يعبر عن جرحِه بالغناء والمهرجان المستدام، فيما تعلو الجهامة وجوه من تسببوا له بالألم؛ وما العرض الرسمي العابس في عيد الاستقلال، بالمقارنة مع الاستعراض الشعبي البهيج في ساحة الشهداء ، إلا إعلان جديد لدولة لبنان الجديد.

إن التطوراتِ، الشعبيةَ والمبتكرة، أصابت حراس المومياءات السياسية بإرباك شديد، وجعلت أصحاب متحف الشمع في قلق على تماثيلهم السياسية من اقتراب الشعلة إليها، فراحوا يبحثون عن كعب أخيل، ثمَّ “عجموا كنانةً وطنية كاذبة” ورموه بسهام صدئة طاشت عن أهدافها، لأن تصويبَهم ذهب إلى ما لا يُرَى، فالعيون الزجاجية المبرمجة على مشاهدها الجامدة لا تستطيع النفاذ إلى الروح الذي يحرك “المفرد في صيغة الجمع”. لذلك كانوا يُمْنَوْنَ بالخيبات كلما تهاوت تُهَمُ العمالة والحزبية والتمويل الخارجي تحت مئات آلاف الأقدام التي تزحم الشوراع والساحات في طرفة عين، تماماً كما يزحم النور الظلام.

منذ قرن، أنشىء لبنان الكبير فوق أشلاء إمبراطورية مهزومة، حين أَعْلنَتِ الرعايةُ الأجنبيةُ دولةً غير دينية، من معادلة جغرافية وبشرية فائقة الخصوصية، في إطار من القوانين الوضعية والنصوص الدستورية التي ما لبِثَت أن انتهكت فأصيبت الدولة بتهتك خطير. حتى إنَّ طوائف الشعب اللبناني كانت إلى فترة ليست ببعيدة، موضع تنازع في الولاءات، إلى أن أتت اللحظة التاريخية الراهنة التي صدر فيها عن الشعب وحدَه، “مانيفست” تأسيس جديد لدولة جديدة بريئة من العجمة الأجنبية، علمها لا خلاف عليه، ولا شريك له في الرايات، ونشيدها صداح من أجواق الجماهير، وهويتها خالية من خانات المذاهب.

ليست هذه السطور من فصول الحماسة عند العرب، بل هي اعتراف مرفوع إلى مقام الأبناء والحفدة السامي، واعتذار نطاطئ فيه الرؤوس أمامهم إقراراً بالفشل وسوء الإدارة.

إن حركة الشعب اللبناني تطالب بحكومة جديدة، أي بمجلس إدارة نزيه ومقتدر، يكون فريقًا طبيًّا يوقع وثيقة ولادة الدولة الجديدة، لأن الفريق الحالي لم يعد مؤهلًا إلا لتوقيع وثيقة الوفاة.

يقول المثل الفرنسي: “العالم ينتمي إلى من يستيقظ باكراً”، فهل نخرج من حالة الاستعصاء إلى حالة الإتقاء، بتشكيل حكم انتقالي سريع، اتقاءَ ما حدث للعراق الشقيق وما دفعه من أثمان باهظة وصولاً الى الحل المطلوب؟!

اضف رد