الرئيسية / home slide / طلائع الاضمحلال اللبناني المزمن

طلائع الاضمحلال اللبناني المزمن

 وسام سعادة
القدس العربي
21062021

يضمحل البلد من دون صخب في هذه الأيّام. يضمحل كما الأدوية المفتقدة في الصيدليات، وانحسار تغطية الضمان وشركات التأمين. وكلما اكتسبت الطوابير مزيداً من «البرونزاج» وهي تسابق بداية فصل الصيف، متشنجة أو غافلة، على محطات البنزين. هذا في بلد سيطرت على إعلامه طيلة الأشهر السابقة على الانهيار خرافة اقتراب موعد تحوّله إلى دولة نفطية ثريّة، وهلّل فيه أركان دولة الشؤم لتباشير التنقيب عن النفط والغاز قرب سواحله.
في المباشر، تضمحل الليرة. تتمادى في التهاوي، إلى ما يجاوز عشرة أضعاف سعرها الرسمي. ما يجعل راتب القاضي حوالي أربعمئة دولار شهرياً، وقس على ذلك راتب الأستاذ الجامعي وسوى ذلك من الوظائف.
ولا يبدو أن هناك سقفا لاستمرار التهاوي. مثلما لا يبدو من البديهي استمرار تسديد الرواتب والأجور، على ما لحق بقيمتها من اندثار فظيع. هذا فيما السعر الرسمي للعملة «الوطنية» الذي ينقص عن عشر سعرها الفعلي، لم يعد يدري أحدٌ في المقابل كيف السبيل إلى «تحريره» كي يحلّق هو الآخر، ويخبط يمنى بيسرى، وما استمرار التثبيت حتى الآن سوى واحدة من التدابير السانحة بـ«قص» الودائع.
بخلاف عقد الثمانينيات، حيث أسفر انهيار العملة اللبنانية عن شيوع التعامل بالدولار الورقي بين الناس، فإن الانهيار الحالي، كما الإقبال الحالي على الدولار يتم في ظروف الشح الشديد لهذه العملة الخضراء، بحيث لم يعد البحث عنه هو لتبادله في اتجاهات مختلفة في السوق، انما، أساساً في اتجاه واحد، إلى خارج الحدود، سواء بالنسبة إلى كلفة الاستيراد، أو بالنسبة إلى عائدات التصدير التي من مصلحة المنتج ان يودعها خارج لبنان، أو بالنسبة لهجرة الفئات الأكثر اقتداراً، أو التي نجحت في إنقاذ جزء كبر أو نقص من ثرواتها. الإقبال على الدولار الآن هو من أجل «تسفيره» بعدُ أكثر.
ويضمحل البلد كلما تعاظم بعدُ أكثر الفارق بين دولار «بائت» وبين دولار «طازج» وبين الفئات التي تقتات على الدولار البائت، والفئات التي يُنظر إليها، كما لو أنها «تُفرفش» بدولارها الفريش، أي بالدولار البحت، الدولار كما ولدته أمّه، وزارة الخزانة الأمريكية، التي لم يخطر لها أنّ شبكة من المفلسين الخبثاء في بلد صغير، معدوم النمو فيه منذ ست سنوات، سوف تتحايل على افلاسها باختراع تصانيف للدولار الأمريكي، بما يشكل في نهاية الأمر اعتداء مضحكاً مبكياً على السيادة المالية للولايات المتحدة الأمريكية!
باصطناع تمييز بين دولار ميت وآخر حي، أمكن لهذه الأوليغارشية المالية المالية، المطوّعة لجهاز الدولة لحسابها، التحايل على الإفلاس، مع زيادة كلفته. أمكنها تقسيم الدولار الى فئتين، تسديد الأول، الميت للمودعين، بثلثي ثم بنصف ثم بربع ثم بخمس ثم بسدس قيمته، فيما هي تدعوهم في نفس الوقت أن يودعوا فيها ما نجحوا في سحبه منها قبل فوات أوان السحب، أو ما يصل إلى أيديهم من دولار حرّ حتى الآن، وعلى أساس أنّ هذا دولار طاهر، ولن يمسّه رجس هذه المرة، ولا فساد، ولا اكتتاب جديد على طرابيزة قمار «سندات الخزينة». والبلد كان قبل الكارثة، يعيش – إلى حد بعيد – على التحويلات من الخارج، وما زال يعتمد على التحويلات من خارج، بشكل يُضعف مقولة أنّه تحت «الحصار» ولا يلغي أنّه ذلك قيد «النبذ» عربياً ودولياً.

لا يبدو أن هناك سقفا لاستمرار التهاوي. مثلما لا يبدو من البديهي استمرار تسديد الرواتب والأجور، على ما لحق بقيمتها من اندثار فظيع

وهذا الإفلاس المكابر، يتحايل بدوره على حقيقة الأرباح التي حققتها المصارف نفسها، ومعها المودعين أنفسهم، طيلة السنوات الماضية. بفعل الهندسات المالية التي أدارها مصرف لبنان، وسعت لزيادة هذه الأرباح، في عز انعدام النمو الاقتصادي، وبدعوى مواجهة انقطاع النمو، أي عملياً مواجهة الركود بالشعوذة الرقمية. حتى كانت النتيجة أن من أفلح في إخراج ماله قبل فوات الأوان فاز بهذا، ومن تخلّف عن الأمر نُكِب، وصار مصيرها كمصير أمواله، أيامه، الضائعة سدى.
والإفلاس كما كان تحايلاً على هذا الربح المتراكم في وقت سابق، فإن ذلك الربح كان تحايلاً بدوره على امتناع النمو. وهو نمو كان متحايلاً على نفسه هو الآخر، يوم كان يحقّق مؤشرات إيجابية تغطّي طبيعته المشوّهة، التي تنهش في رصيد الأيام الآتية، وهي في النهاية وبالاً على الجميع أتت.
وجاء معها زمن التحايل على الإفلاس، المستمرّ حتى الآن، إلى أن ينسخ التحايل نفسه في طور جديد.
انهيارات متواصلة لسبل العيش، انما بشكل متفاوت بحدّة بين الفئات المختلفة، وباختلافات يجري تعميم التعامل معها أخلاقوياً ومزاجياً بدل محاولة التحديد الطبقي لمآلاتها.
فمن لا سبيل له إلى الدولار «الفريش» يحدّد التناقض الأساسي، باعتباره، بين الذين ينالون أجورهم بالدولار وبين من ينالونها بالدولار «الميت» المسمّى تفكهاً «لولار» أو بالليرة. ومن تأخر عن إخراج وديعته قبل صدّ المصارف للمودعين، يعتبر أن من أخرجها قبل فوات الفوت مسؤول عن مصيبته هو.
ومن لم يهنأ في سنوات «ما قبل الانهيار» بفوائد مخملية استثنائية بالنسبة إلى وديعة مصرفية تغنيه عن إنتاجية فعلية، لا يفهم الآن لماذا عليه أن يتضامن مع من خسر في المصرف وديعته، فهذه الوديعة المفقودة كانت قبل فقدانها ثقلا جاثما فوق منكبيه هو.
في المقابل، الكارثة تبدو أقل كارثية بالنسبة إلى كل من كان مديوناً لمصرف بقرض سكني أو غير سكني. في حين ان جيلاً لا حيلة له من الآن فصاعداً لطلب قرض، لشراء سيارة، أو لشراء منزل.
الكارثة ليست هي نفسها على الجميع. هذا بديهي. ما هو أقل بديهية أن كل فئة تنظر إلى نفسها أنها مظلومة من سواها أكثر، أو أنّها الفئة التي يشكّل انهيارها خطراً أكبر على الجسم الاجتماعي ككل، وبالتالي هي الأولى بالإسعاف والإنجاد.
وفي المجتمع الطائفي، لا يمكن أن يبقى هذا الشعور بالتفاوت في المظلومية جراء الكارثة، محصوراً بالاختلاف في مصدر ومستوى وعملة الدخل، وفي قياس الفارق بين الحال الحالية للنفر وبين حاله قبل الانهيار، بل يتخذ الأمر بعداً تناظرياً، انشطارياً، بالضرورة، بين الطوائف. كل طائفة ترى جارتها الأكثر تسبّباً في إرهاق الدولة، سواء من داخلها أو من خارجها، بالحمولة الزائدة، التي تسببت بانسداد الأفق أمام المجتمع ككل. في المقابل، يخطئ من يعتبر ان انهيار التماسك المجتمعي يمكنه أن يحفظ التماسك الاجتماعي داخل الطائفة الواحدة. تحلّل المجتمع بإمكانه زيادة العدوانيات الجماعتية، لكن هذه العدوانيات لم تعد تملك «الاقتصاد السياسي» اللازم لتأمين التماسك الاجتماعي داخل كل طائفة مأخوذة على حدة. كراتين الإعاشة التي تحرص عليها أحزاب الطوائف بعيدة في هكذا وضع عن إعادة إنتاج مشاهد الإدارة الذاتية للمعازل الطائفية كما خبرناها في لبنان الثمانينيات.
عقد العشرينيات من القرن الحالي هو عقد الاضمحلال اللبناني. «الانهيار» يبدو مصطلحاً مضللاً قياساً على ما يمكن أن يوفّره الاضمحلال من دلالات تأخذ وقتاً أطول. للإنهيار «جمالية» مستترة لا يوفّرها الإضمحلال. في الانهيار تشوّق إلى السلب المنقلب ايجاباً. في الاضمحلال لا. بل ان «اللا» نفسها هي التي آخذة في الاضمحلال.
بالنتيجة هناك بلد، خرجت أقسام واسعة من ناسه إلى الساحات في خريف 2019، ثم أصيبت انتفاضته بـ«السكتة». هذا عندما ووجهت بنقطة متقدمة وصعبة، لكن لا مهرب منها، من انعقاد الصلة بين المعركة السياسية وبين المعركة الاجتماعية. والبلد غير حرّ سياسياً مثلما أنه مستعبد مالياً، مثلما أنه غير قادر على تحديد دوره اقتصادياً، مثلما أنه مستلب ثقافياً، يتأرجح في تعامله مع الآخرين بين فوقية تافهة وبين دونية ذليلة.
لا يمكن تقديم أو تأخير شيء من هذا على هذا، ولا يمكن في أي لحظة عدم وصل كل اعتبار بما هو أساسي، وهو إشكال الحرية. الناس ما زالوا يجدون ما يقتاتون به، أكثر مما هم يتنفسون فيه بحرية. يقولون ما يحلو لهم، قياسا على بلدان أخرى، لكنهم ليسوا أكثر حرية، بل أقل. هنا لا معتقلات كبرى، نعم، لكن المجتمع كلّه بمثابة سجن كبير، والسجان فيه جزء من المواطن نفسه. انعدام الحرية هو شعورك بأنّ لا مونة لديك على أعضائك، على حواسك، على أيامك، على مصيرك. هذا شعور لبناني بامتياز اليوم.

كاتب لبناني