الرئيسية / home slide / طفولتي حتى الآن

طفولتي حتى الآن

 

إبراهيم نصر الله
القدس العربي
15092022

ذات يوم حين كنت أعمل محرراً ثقافياً، خصصتُ زاوية في الجريدة بعنوان «قصتي مع كتابي هذا» يقدم فيه الكتّاب تجاربَهم مع كتبهم الجديدة. وكان في ظني، الذي لم يبق ظنًّا، أن لنا مع الكتب تجارب خاصة، كيف نكتبها، وكيف نعيد كتابتها، نتأملها، وصولًا إلى قرار نشرها، وربما ما بعده، ولعل هذا لا يختلف عن تجاربنا مع البشر ومراحل هذه التّجارب.
حينما كنت أتحدث عن روايتي الأخيرة «طفولتي حتى الآن» كنت أكتشف في كل مرة جزءًا من تجربتي معها، لم أكن قد تنبّهت له من قبل؛ وهذا أمر طبيعي، فحين تنهي كتابك تحسّ لفترة طويلة بحالة من الدُّوار، خارجه.
حين رحلت شاعرتُنا الكبيرة فدوى طوقان عام 2003 كتبت شهادة طويلة عن علاقتي بها منذ الطفولة، أي مذ كنت طفلًا فاجأته قصائد إبراهيم طوقان، أولًا، وقصائدها ثانيًا، وقد نُشرت تلك الشهادة على صفحة كاملة في «القدس العربي» في ذلك العام، وهي واحدة من الشهادات، أو الاعترافات التي لم تُكتب إلا لقول كلمة «حبّ كبيرة» لإبراهيم وفدوى، ولأثرهما البالغ في حياتي، وأعني أثر كتابتهما، قبل أن أعرف فدوى شخصيًّا في منتصف التسعينيات.
تلك الشهادة أثارت اهتمام أخي وصديقي الكاتب «فاروق وادي» الذي رأى فيها قصة قصيرة مستوفية لشروط هذا النوع الأدبي، ولكن لم يكن لها مكانٌ في أيّ من كتبي، لا لشيء إلّا لأنني لم أكتب قصصًا قصيرة إلّا في حالات نادرة جدًّا، وظلت مخطوطة، أو تمَّ تفكيكها لتكون جزءًا من هذه الرواية أو تلك. وحين كنت أعمل على إعداد «كتاب الكتابة» عام 2018، فكّرتُ في إدراج شهادتي عن إبراهيم وفدوى فيه، إلا أن محبتي لها، وربما إحساسي العميق بأنني إذا نشرتها ستنتهي فيه إلى الأبد، حال دون ذلك، إذ كنتُ أرى فيها كثافة يمكن أن تتّسع لتكون رواية قصيرة للفتيان!
وحسنًا أنني فعلتُ ما فعلت، إذ إنني بعد عام شرعتُ في كتابتها روايةً، لكنني حين أنهيتها اكتشفت أنّ هناك الكثير من الأحداث التي حدثت قبْلها، والأحداث التي عشتُها بعدها.
وهكذا بدأتْ «طفولتي حتى الآن» تتشكّل وفق المنطق الفنّي لرواية فدوى، أو الجزء المتعلق بفدوى وإبراهيم، وهو منطق الرواية لا منطق السيرة، وقد كنتُ حريصًا على هذا لأسباب كثيرة؛ إذ رأيتُ في منطق فن الرواية قدرة عالية على تذويب الأنا، كي لا يكون بطلها هو محورها المُطلَق.
لقد تعمدتُ تفكيك الأنا وتذويبها، وتبديد زهوها بنفسها وبما أنجزتْه كما يجيء دائمًا في السيرة؛ التي من النادر أن يستطيع فيها كاتبها أن يكون أقل من بطل.
منطق السيرة يحوّل البطل إلى قطار منطلق في اتجاه واحد، من طفولته، إلى العمر الذي بلغة عند كتابة السيرة. في طريقه، يقف عند محطات كثيرة أو قليلة، يصعد فيها شخص ما القطار، شخص عرفه؛ أحبه أو كرهه، ولكن على هذا الشخص أن ينزل في المحطة التالية ليصعد شخصٌ آخر وينزل الشخص الأول الذي ينتهي دوره.
لم أفضل قط هذا النوع من السّرد، ولم أُرد التورّط فيه، ببساطة لأنني كنت أريد أن يكون معي، من أول الرحلة إلى آخرها، كلّ أولئك الذين بنوا محطة قطاري معي، ومدّوا قضبان ذلك القطار الذي كنت أريد أن أقول بوضوح إنه ليس قطاري وحدي، وإن الحياة لم تكن لي وحدي.
وهذا ما استطعت تجاوزه في هذا النص بقوة الحبّ، وما كان يمكن أن يحدث هذا بغير اللجوء إلى فنّ الرواية، وهو فنٌّ يمكن أن أدعوه الفن الديمقراطي، بخلاف فن السيرة الذي يمكن أن أعتبره «حكم القائد الأوحد»! إلّا فيما ندر من حالات.
أحد أصدقائي الأعزاء، الناقد الدكتور محمد عبد القادر، أبدى ملاحظة من أجمل الملاحظات التي كنت في حاجة إليها فعلًا، لكي أتأكد مما قدّمتُه في هذه الرواية، حين أشار إلى أن «طفولتي…» هذه هي مجموعة سير الشخصيات التي فيها، إنها سيرة نور، وسيرة بشير، وسيرة قاسم، وسيرة أمّي بالطبع، وسيرة عمتي، وسيرة نبيل، وسيرة هالة، وسيرة فدوى، وسيرة الأمكنة، و…، وبالطبع، إنها سيرتي التي تتقاطع مع سيرهم، هذه السيرة التي قدّمتُ لها بجملةٍ في مطلع الكتاب تقول: عن الخيال الذي عشته، والحقيقة التي عاشتني.
لكن ما اكتشفتُه أن تلك الجملة لم تكن كافية لكي تُقنع كثيرًا من القراء أن لا يكتبوا إليّ بمحبة بالغة: هل يمكن أن تدعو «نور» لجلسة مناقشتنا للرواية؟ ويكتب آخرون: هل يمكن أن نحتسي معها فنجان قهوة؟ ويكتب آخر: إذا وعدتَني أن ألتقي بهالة فسآتي خصيصًا من الدّوحة إلى عمّان. ويكتب آخر: أنا أقيم في القاهرة، هل يمكن أن تُزوِّدني بهاتف الشخصية التي استقرتْ في مصر؟ ويذكر لي اسمها لأنه يحب أن يعرفها عن قرب.
من الجميل فعلا أن كثيرًا من هؤلاء القراء باتوا مهتمين بلقاء هذه الشخصيات، ولا أذكر أن أحدًا طلب مني بعد صدور هذه الرواية رقم هاتفي ليتعرف إليّ لنفس السبب! لقد تأكّد لي أنني كنت نقطةً في بحرهم، وهذا أمر أسعدني، لأن اكتمال الجمال قائم في تكامله.
لقد تحققّت أمنيتي في أن أكون واحدًا منهم، لا كلَّهم، وتحقّق الهدف من هذه الرواية، وهو أن أقول لهم شكرًا كبيرة لما قدّموه لي طوال حياتي، وأن يكونوا على يقين من أن وجودهم في الماضي كان حقيقيًّا إلى هذا الحدّ الذي واصلْنا فيه حياتنا في الحاضر والمستقبل، باعتبارهم من أجمل وأروع ما حدث ويحدث.
وبعــد:
أعود لأقول: إذا كان لهذه الرواية من قصة، ولقصصها الكثيرة التي في داخلها من قصص، فهي خروجها على «أنا» كاتب السيرة، الذي يبدو لي في سير كثيرة كمن عاش مع مجموعة من البشر في عمارة واحدة مكونة من عدة شقق، وحين همَّ بكتابة سيرته استولى على العمارة كلها، وطردهم خارجها، ولم يعد يمنحهم أكثر من نظرة تطول أو تقصر، وهو يفتح نوافذها ويلقي نظرة على كلّ واحد منهم على الرصيف، قبل أن يُغلق النافذة ليفتح نافذة أخرى ليلقي نظرة صوب واحد آخر منهم، ثم يغلقها.
سعيد أنني ومن أحب كنا معًا في البداية، ومعًا الآن، ومعًا دائمًا، في نصِّنا المشترك هذا.. في هذه الخيال الذي عشته، والحقيقة التي عاشتني!
*قدمت هذه الشهادة ضمن نشاطات معرض عمان الدولي للكتاب الذي أقيم هذا الشهر.

إبراهيم نصر الله