الرئيسية / مقالات / طرابلس وشهيدها يحييان تحرّكات بيروت: “دمك بيّ الكل”!

طرابلس وشهيدها يحييان تحرّكات بيروت: “دمك بيّ الكل”!

نادر فوز|الثلاثاء28/04/2020
Almodon.com

“يا فواز ويا شهيد.. عن الثورة ما مِنْحِيد، يا فواز كرهنا الذلّ” (مصطفى جمال الدين)سقط شهيد آخر لثورة 17 تشرين. فوّاز السمّان، فوّاز فؤاد. نزفَ حتى الموت في مستشفى في طرابلس، بعدما أصابه الرصاص الحيّ للجيش اللبناني. المدينة تأبى إلا وأن تكون طليعية في كل شيء. فوّاز فؤاد، اسم يصلح لشخصية بطولية في رواية. وتدور القصة حول شعب قرّر أن ينتفض. فاستمرّ في انتفاضته أشهر طويلة، عانى خلالها من الجوع والحرمان والفساد والطائفية. واجه الشعب سلاحاً قاتلاً، شرعياً وغير شرعي. وقف بوجه البلطجة والتشبيح. تحدّى كل استبداد المصارف وسيناريوهات السلطة وما فيها، حتى فيروس كورونا.

تستمرّ فصول روايتنا لكن فؤاد ترك النصّ وما فيه من أمل وبطولات. سقط، كما سقطت قبله أيضاً أسماء علاء أبو فخر وعمر زكريا وحسين العطار وإبراهيم عبد الحميد وإبراهيم المحمود. كلها أسماء تليق بأسماء أبطال الروايات. لكنّ سقوطها، حقيقي ولا رجوع عنه. والانتفاضة الحقيقية الحاصلة لا تبجيل فيها ولا تكاذب، كما حال تلك الأحزاب في حروبها العبثية على محاور الذبح على الهوية. فيها الكثير من الغضب والحزن. “سقط لنا شاب في طرابلس”، هذا ما قلناه صباحاً. سقط واحد منا، ربما جائع بلا وظيفة ولا ضمانات اجتماعية. يشبهنا، ولو أننا لا نعرفه. لم نألف وجهه بعد، لكنّ اسمه على كل لسان. غاب بطل جديد فيما القصة تتوالى، وفصولها متسمرة.

“دمّك بيّ الكل”
شارك مئات من ثوار 17 تشرين في وقفة غضب حداداً على روح فوّاز. شعار شبه وحيد في ساحة الشهداء، “يا فواز ويا شهيد… عن الثورة ما مِنْحِيد، يا فواز كرهنا الذلّ… ودمك وحده بيّ الكل”. يمكن لهذا الهتاف أن يختصر الكثير، يضاف إليه هتافات أخرى ضد رموز السلطة، من كبيرها إلى صغيرها. وضد المصارف وحاكمه. كيف الحداد على فواز؟ كيف نُخرج كل ذلك الغضب؟ مجموعات من الناشطين والناشطات قطعت الطرق المؤدية إلى ساحة الشهداء. أضرمت النيران بخشب الورش فيها. انتقلت إلى مبنى جمعية المصارف، كسرت ما تبقى من زجاج في واجهته. انتقلت إلى جسر الرينغ وقطعته. أحرقت مستوعبات نفايات، وحوّلت القوى الأمنية السير بعد أن انتشرت في المكان. لكن كل هذا لا يكفي طبعاً. “سقط لنا شاب في طرابلس”، ولن يعيده كل هذا.

بَصقة في وجه الأمن
لن يشفي أي أمر طعم خسارة شهيد وأثنين وثلاثة وأكثر. وقفت ناشطة بوجه رجال قوى مكافحة الشغب في وسط بيروت وكالتهم بالشتائم. مختصر الكلام، “تقتلون الناس من أجل سلطة فاسدة جوّعت أسركم مثلما ما جوّعت كل اللبنانيين. أنتم تحمون الفاسدين وتطلقون النار علينا نحن العزل” (كلام ملطّف). عجزت دروع رجال الأمن عن صدّ كل هذا الكلام. الصوت خارق للدروع. لم ينته المشهد، بل حاول أحدهم تهدئة الناشطة، وهو يحادث زميلاً له على جهاز لاسلكي. حتى في هذه الظروف لم يتواضع. فرمت في وجهه “تفو” عريضة، ومشت. لخّصت كل كلامها برذاذ، مصحوب بكورونا أو لا نعرف. لكن أفرغت قليل ما في صدرها، وفي صدر الآلاف.

على الرينغ
على جسر الرينغ تبادل للسلامات بالأحذية أو الأكتاف. اعتدنا على هذا المشهد. انكبّ المعتصمون على الأوتوستراد وقطعوه. حاوطتهم القوى الأمنية من كل جهة وعملت على تحويل وجهة السيارات بما يتناسب مع الموقف. شعارات وهتافات اعتيادية أيضاً، ضد رئيس الجمهورية وصهره، ضد مجلس النواب مجتمعاً ورئيسه، ضد حسان دياب وحكومته، ضد زعماء الحرب الأهلية والفساد، ضد المصارف والمصرف المركزي وحاكمه. “دعوس يا شعبي دعوس، على الحكومة والمجلس، على سلامة والمصرف”. وطبعاً لا مهرب من إنشاد “الهيلا هو”. عدنا إلى المشهد الأول، لم يتغيّر شيء سوى أنّ السلطة أثبتت فشلها مرة أخرى، واستمرّ الخراب والانهيار والجوع والفساد في تصادهم.

أعادت الثورة التي قامت في طرابلس منذ يومين، كل الناس إلى الشارع. والحركة في الميدان تصاعدية. هذا ما يبشّر به نشاط المجموعات والثوار في مختلف المناطق، لأنّ كل المطالب واضحة وكذلك الأعداء، ولأنّ ثمة رواية يجب كتابة فصلها الأخير، علّ قصة أخرى تبدأ بعدها.

اضف رد