طرابلس والأرز في “الهلال المقلوب” (1/3)

عماد الدين رائف|الإثنين20/05/2019
Almodon.com

طرابلس 1959 في كتاب الرحالتين التشيكسلوفاكيين يرجي هانزيلكا وميروسلاف زيكموند

دفعت أحداث العام 1958 اثنين من أبرز الرحالة التشيكسلوفاكيين يرجي هانزيلكا (1920-2003) وميروسلاف زيكموند (ولد سنة 1919، واحتفل بعيد ميلاه المئة في شباط/ فبراير الماضي)، إلى زيارة لبنان، فانطلقا في رحلة بريّة طويلة في نيسان/ أبريل 1959 من العاصمة براغ نحو بيروت مرورًا ببودابست، بلغراد، سراييفو، سكوبيه، تيرانا، صوفيا، إسطنبول، أزمير، الساحل السوري، واستقرّا في مبنى قانصو الكائن في شارع مدام كوري في رأس بيروت. وكنتُ قد ترجمتُ فصلاً من الكتاب الذي ضمّناه مشاهداتهما، وهو الكتاب الذي صدر أولاً في براغ سنة 1961، بعنوان “الهلال المقلوب”، يتحدث عن “أناس بيروت الصغار”، ونشرته ضمن كتاب “من بيروت وعنها – أوراق أوراسيّة في التفاعل الحضاري” (بيروت: دار المصوّر العربي، 2018)، يرسمان فيه بورتريهات اجتماعية للمدينة وناسها. خريف العام 1959، وصل الرحالتان إلى طرابلس، ومنها انطلقا إلى الأرز، وقد شاركهما هذه الرحلة رفيقان هما الميكانيكي أولديرجي هالوب والطبيب روبرت وست، واستعانا فيها بسيارتين من نوع “تاترا 805″، وضمّ الفصل الرابع والعشرون من الكتاب مشاهداتهما، وهو بعنوان “اثنا عشر شيخًا ذوو شباب أبدي”، تنشر “المدن” ترجمته في ثلاث حلقات، مع الصور الأصلية.

==

طرابلس

تحمل مدينتان اسم طرابلس في العالم. نحن على قناعة بذلك بناء على تجربة خاصة مررنا بها قبل سنوات. كنا آنذاك في شمال أفريقيا ننتظر الأخبار من وطننا، وبعد ثلاثة أسابيع تلقينا رسالة وقد شطبت يدٌ ما بحدّة كلمة “لبنان” المرفقة بكلمة طرابلس، وحفرت مكانها بحبر القلم كلمة “ليبيا”.

إلى جانب أن شواطئ المدينتين كلتاهما تُغسلان بمياه البحر المتوسط ذاتها، فهما معًا ترتبطان وفق “علم الأنساب” بأصل واحد، إذ إن كل واحدة منهما عبارة عن تجمّع لثلاث مدن معا. تدين طرابلس شمال إفريقيا باسمها إلى ائتلاف ثلاث مدن رومانية شهيرة، كانت تسمى ليبتيس ماغنا وأويا وصبراتا، أما الحال مع طرابلس اللبنانية فالوضع أكثر تعقيدًا إلى حدّ ما. في هذا البلد الصغير، المستلقي على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، يعتقد كثيرون أن المرء يستحق الاحترام والتقدير أكثر كلما كانت شجرة عائلته أقدم وأعرق. ويزعم أنصار هذه المدرسة “التأريخية” أن الفينيقيين القدماء أسّسوا “مدينة تحكيم” في موقع مدينة طرابلس الحالي، حيث قامت ثلاث مدن فينيقية، هي صور وأرواد وصيدون، بتسوية النزاعات التجارية والقانونية الناشئة فيما بينها، بالتالي فإن طرابلس مدينة عريقة ومجيدة، طالما أنّ الفينيقيين هم من أسسها.

في المقابل تجد في لبنان أناسًا واقعيين يعتقدون أن خمسة آلاف عام من الثقافة لن تساعد الناس إن هم غفلوا عن تلك الثقافة ولغتها وهم اليوم لا يعرفون كيفية القراءة والكتابة بها بشكل سليم. وفي المجمل، فقد أطفأ المصريون والأشوريون جذوة فينيقيا، أما طرابلس المعروفة التي غدا الصليبيون الفرنسيون يطلقون عليها اسم “تريبل” أي “الثلاثية”، فقد نشأت على الأقل قبل وقت طويل من عبور الإسكندر المقدوني فيها.

ومع ذلك، وبغض النظر عن الجدل التاريخي حول أصل المدينة ففي الواقع ستجد ثلاثة مدن بالفعل هنا، على الرغم من أنه لا يوجد أي شيء فينيقي فيها. التراث التركي في طرابلس يتآكل في شيخوخته ويتقوقع في حطامه، أما الحداثة العربية المشحونة بوطأة السمة الأوروبية الغربية العديمة الذوق، فتحاذي الأسواق القديمة وتنأى عنها إلى نواح نائية من المدينة. تزحف السيارات الأميركية الفاخرة المطلية أفواهها بالكروم على الشوارع لتلتهم ما يذكرك بالشرق في هذه النواحي، وإذا ما تبقى منه شيء فإن زعانفها الخلفية كفيلة بإزالته. الآن، على الشارع الرئيس وسط المدينة نصف أوروبا ونصف أميركا، مزيج غربي تحشر فيه بالعربية نقوش إعلانات بأحرف النيون المضيئة وإشارات السير. هنا حيث يسود قانون “الأثقل وزنًا يأتي أولا”.


آخر تشرين الأول…


وصلنا إلى طرابلس حين كانت أشجار النخيل تبدو كفتيات في صالون تزيين، شعورهن مجموعة في شبكات وهن ينتظرن بفارغ الصبر أن تجفّ تسريحاتهن اللامعة بلون النحاس. كان آخر تشرين الأول/ أكتوبر، ونسيم البحر يلاعب سعف النخيل وتحتها تتراقص عناقيد البلح النحاسية التي تضخمت بفعل الوقت والرطوبة وأشعة الشمس. وكي لا تقع أي حبة بلح على الأرض ضُمّت العناقيد بشبكات صيد ربطت أطرافها إلى جذوع السعف. في الشارع، بين الناس السائرين يدفع بعضهم عربة مليئة بالثمار ذات دولابين وهو يعرض على المارة شراء البلح الطازج. طعمه مزّ، لونه أحمر مائل إلى البرتقالي، يلمع وكأنه مغطى بطبقة دهان. هذه الثمار لم ترها أعين المواطنين الأوروبيين.

في وسط المدينة تمامًا شقٌّ عميق يمرّ فيه نهر أبو علي، فوقه منحدر حاد يصل إلى نحو مئة متر، تتكاثف عليه البيوت البيضاء بعضها فوق بعض، وهي تظهر بسطوحها من القلعة المقابلة للمنحدر، وكأنها درجات درج عظيم محطّم يؤدي إلى قمّة المنحدر حيث حيّ القبّة. بين الضفّة اليسرى لنهر أبو علي والمساحة الخضراء التي يختفي الميناء خلفها، يستلقي القسم الأكبر من مدينة طرابلس – حيّ أبي سمرا، وهو عبارة خلطة ملوّنة مزركشة فيها قبضة من كلّ شيء. حديقة حديثة ذات نافورة، مقبرة عربية قديمة، جامع كبير كان قد بني قبل ثمانمائة عام ككنيسة السيدة العذراء، كنيسة مسيحيّة حديثة ذات حجارة بيضاء، فلل على الطراز الحديث، أكواخ طينيّة، شُرَف تركية تغري الناظرين، مصاطب ذات هندسة متناسقة، عربات قديمة، سيارات فارهة ذات ثماني أسطوانات، واجهات محال تجارية باذخة من الكروم والزجاج… بسطات اكتظّت عليها خضر وفواكه ولحوم الضأن وبُسُط صوفيّة مخرّمة، أفاوية وبهارات، شاي وحلويات.. تتزاحم فيها الروائح الزكية والحريفة والعفونة. بالمجمل سوق عربية حقيقية. تسمع من أحد الأزقة رنين جرس، وتأتيك من آخر روائح الصابون المعطّر والشمع، وتتعالى من ثالث كتل دخان أزرق. تُقطع من أفخاذ الخراف والماعز والإبل المعلقة أمام حانوت جزّار قطع لحم ترمى على شوّاية كبيرة فوق منقل جمر.. أينما نظرت العين ترتطم بغيوم دخان وغيوم ذباب.



يتدافع الناس في طوابير إلى جانب البسطات، أو يفغرون أفواههم ببساطة وينظرون بشرود، يلوكون شيئًا ما، يتصايحون، يجلسون على الرصيف أو يتهادون في سيرهم. يحمل أحدهم حقيبة، آخر صندوقًا خشبيًا، وفي مواجهة طابور البشر تتلمس الحمير طريقها بصعوبة. كنا نشعر بالكثير من الضيق ونحن نحمل كاميراتنا. الناس في مواجهتنا يدركون أنّ في السوق الكثير من المتسولين والقذارة والذباب والفقر، ينظرون بوجل وبشيء من العدائية إلى كاميراتنا التي كنا قد أغلقنا عدساتها. ينظرون وكأنّهم يرسلون إلينا بعيونهم سؤالا صامتًا: أهكذا تريدون أن تظهروا لبنان؟! لا، لا نريد ذلك أبدًا، وما هو أمامنا ليس لبنان كله، هو ليس أكثر من زاوية قديمة من طرابلس. مكان مزدحم بفقراء المدينة والبادية. نعم، لن يدخل البدو أبدًا إلى المحال التجارية الفاخرة في الشارع الرئيس للمدينة أو إلى تلك الموجودة في ساحة التلّ، وربما لن يُسمح لهم بدخولها. ثم ما الذي سيشترونه هناك إن دخلوها؟ أحذية نسائية مرصعة ذات كعوب دقيقة عالية؟ ربطات عنق؟ براد؟ تلفزيون؟ وما الذي سيفعله البدوي بكل هذه الأشياء في باديته حتى لو كان بإمكانه الحصول عليها. فالبدوي ينصب خيمته غير بعيد عن المدينة، يبيع الجبن وأصواف الإبل ثم يشترى الحاجيات الضرورية جدا، وربما ابتاع هدية لزوجته.. ووداعًا يا طرابلس.

السوق عالم قائم بذاته، وقد توسّع في الآونة الأخيرة على أرض طرابلس وتضخم حتى وصل إلى حي التبانة. هناك حيث يحلّ البدو السوريون في مخيم لهم قرب قطعان الماعز الكبيرة. كان قد منع رعي الماعز في سوريا وذلك، كما قيل، للحفاظ على المزروعات الحديثة. مليون ومئتا ألف رأس ماعز يعتاش من رعيها نحو مئتا ألف شخص. في الحقيقة كانت رؤوس الماعز قد قضمت عددا من الأشجار الفتية، فاتخذ البعض ذلك ذريعة، وبشطبة قلم انتهى أمر الماعز. لكن كيف سيكون الأمر مع الناس الذين اعتاشوا من الرعي؟ يهرّب السوريون قطعانهم إلى لبنان على طول الممرات الجبلية ويبيعونها في ضاحية التبانة الطرابلسية بنصف السعر. ولا أحد يعلم ما الذي سيحدث لهم لاحقا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*