الرئيسية / home slide / “طرابلس سكوب”… ليس تمريناً في الحنين

“طرابلس سكوب”… ليس تمريناً في الحنين

محمد حجيري|الجمعة10/12/2021شارك المقال
Almodon.com

  • اطلال


    من افلام تلك الايام


    من بقايا الصالات


    ممنوعات

تفتتح “أمم” للتوثيق، السبت 11 كانون الأول، معرض “طرابلس سكوب، عودٌ على طرابلسَ في ثقافتِها وممارساتها السّينمائيَّة” في شكا (شمال لبنان، مبنى خوري -حي البحر)، ويضم المتعلقات والوثائق الخاصة بأرشيف “الشركة السينمائية التجارية طرابلس لبنان” SCCTL، تنسقه الباحثة الالمانية الفرنسية المستقلة، ناتالي روزا بوخر، بالشراكة مع المركز الفرنسي في طرابلس في لبنان، والمؤسسة العربية للصورة… والمعرض ثمرة صولات وجولات من البحث والنبش والتقصي الميداني. تقول ناتالي بوخر لـ”المدن” أنها في البدايات، وتحديداً العام 2013، وفي مرحلة لاحقة بدأت تذهب برفقة المخرج هادي زكاك للبحث عن الصالات في طرابلس، عملا سوياً، لكن بعد نحو سنة، ذهب كل منهما في اتجاه، هادي عمل على مشروعه الخاصة، بينما ناتالي انتقلت للتعاون مع مؤسسة “أمم” للتوثيق، وقادها بحثها الميداني إلى العثور على الأرشيف الضخم للشركة السينمائية التجارية الذي عملت على إحيائه، واختارت جزءاً منه لإقامة معرض “طرابلس سكوب”… وهو من الأرشيفات الكثيرة التي حصلت عليها مؤسسة “أمم” وعملت على ترتيبها وحفظها درءاً للتلف أو الاندثار…

يوثّق المعرض جانباً مهماً من حياة سينما طرابلس وناسها واقتصادها وثقافتها وترفيهها، ما بين بداية الأربعينات الى ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية، خصوصاً أن متعلقات الأرشيف تعود إلى الشركة كانت تدير العديد من صالات السينما حينذاك، مثل الريفولي وبالاس وروكسي وكابيتول ودنيا وأوديون ورومانسي وأمبير وركس. كانت الصالات الموزعة في ساحات المدينة (خصوصا التل) وبعض أمكنتها الرئيسة، تعرض أفلاماً رائجة من العربية (اللبنانية والمصرية) إلى الهندية، ومن الأوروبية إلى الأميركية، من بروس لي إلى جان لوك غودار، من الرومانسية إلى العنف، من التقليدية إلى الجنس. لم تنفصل عن التأثير التجاري، ولم تبتعد عن النفَس الثقافي، في مدينة كان لها إيقاعها اليومي وحركتها ومحوريتها وتنوعها الديموغرافي، رغم أنها تعرضت للتهميش منذ العام 1920 حين أعلن تأسيس لبنان الكبير، إما بسبب مواقفها السياسية المتمردة، أو بسبب أن السلطة اختارتْ التركيز على بيروت كعاصمة.


وويتضمن المعرض وثائق تاريخية أو يومية وأرشيفية، بصرية ومكتوبة، تعكس حياة المدينة في السنوات الغابرة والمنسيّة، وعالم صالات السينما بكل تفاصيله، من العبارات التي تقول “الرجاء عدم وضع الأرجل على الكراسي” و”ممنوع التدخين” في الصالة”، إلى الملصقات وفواتير الكهرباء وعقود إيجار تعود إلى أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، وصور لمقاطع كانت تعرض في الواجهات، مروراً بوثائق مختومة من الأمن العام اللبناني تجيز عرض الأفلام، وصولاً إلى طرق تقسيم مقاعد الصالات بين فئات المشاهدين: (طلاب، جيش، ومواطنون عاديون، أو بين بلكون وصالة)، وعلى أساس الفئات تحدد الأسعار..

ومن بين الوثائق أو المتعلقات، دفتر يبدو رواية أو حكاية بحد ذاته، يعود الى بداية الخمسينيات، يتضمن مدفوعات السينما ومداخيلها في زمن الليرة، فيسجل صاحبه أجرة الفيلم وثمن الطوابع والمكانس والصابون والكهرباء وأجرة الصالة، وكيف توزعت الأموال على أصحاب الصالات والأشخاص والمؤسسات… من يتأمل الأرقام في تلك الأيام يشعر أنه في حياة أخرى.

والتأمل في متعلقات السينما أو غيرها، يفتح الباب بقوة للحديث عن الأرشيف ومعانيه. ومن يتأمل اهتمام الفسابكة بجزء من متعلقات الماضي، يلاحظ مدى الشغف بالزمن الغابر والمنسي، كأن طوفان الانترنت والمعلوماتية والديجتال واندثار الورق، خلق شيئاً من النوستالجيا للأشياء، للأرشيف الذي هو حمّال أوجه. يقول جاك دريدا: “كلُّ أرشيف هو في الوقت ذاته مثقّفٌ ومحافظ، ثوريٌّ وتقليديّ”. أرشيف سينما طرابلس يبدو ثورياً نوعاً ما، يتضمن ملامح مدينة كانت تستقبل كل جديد، وإن قالوا إنها ادارت ظهرها للبحر. فناتالي بوخر رصدت نحو أربعين صالة افتتحت على مراحل في طرابلس، وتتسع لآلاف المقاعد، وأُقفلت تباعاً وأُهملت بفعل تحولات المدينة، وتحولات السينما نفسها… تقول بوخر لـ”المدن” أنه خلال رحلاتها الى المدينة كانت تلاحظ التحولات التي تطرأ على الصالات المهجورة أو المقفلة، الكثير منها كان يفقد البانويات او اللافتات المعلقة على الواجهة، وبعضها تعرض للهدم… من خلال حديثها مع الناس عن ذاكرة طربلس وماضيها، لاحظت أن ملامح وجوههم كانت تتبدل، كأنهم كانوا يتحسرون على ذلك الماضي الجميل. يقولون لها “رجعتينا كثيراً الى الماضي”، وكانوا مستعدين بشغف للحديث عن ماضيهم ومدينتهم…

ومن خلال اللقاءات اليومية والمقابلات مع الناس من مختلف الفئات الاجتماعية، استغربتْ تلك النظرة النمطية الى المدينة من خلال الإعلام وتصويرها أنها بؤرة سلاح و”قندهار”، ولاحظت أن المجتمع أكثر ألفة وأقل انقساماً بعكس مناطق أخرى. واستغربت التهميش لهذه المدينة، حتى في أحد كتب التاريخ الذي يقول عنوانه بتاريخ لبنان الحديث أو المعاصر، لا يتطرق إلى المدينة إلا في هامشين اثنين، مع أن طرابلس بالنسبة الى لبنان، هي مثل حلب بالنسبة إلى سوريا. 

تدرس بوخر وثائق الماضي، لـ”تفهم ماذا كان يحصل، وكيف كانت الحياة، وليس كتمرين في الحنين”، وتعمل لإعطاء ذلك الماضي حقه، ولإطلاع الجيل الجديد على جانب من التاريخ الذي ربما يجهله. فهناك جيل لا يعرف هذه الصالات الطرابلسية، ولا يعرف كيف كان الحيز العام والفضاء الثقافي الذي بات مفقوداً، فمدينة مثل طرابلس ليس فيها أي متحف الآن.

خلال جولاتها، التقت بوخر الكثير من الأشخاص الذين لهم علاقة بالسينما ومسيرتها، منهم الياس خلاط وأمين كرامة، وقابلت بشرى ملك وصورت مقابلة معها، وهي كانت إحدى أبرز الناشطات في طرابلس، نظمت حفلات، منها للفنانة صباح، وتوصف بأنها نقلت الفرح إلى أسواق المدينة ورحلت العام 2016… والتقت بوخر أيضاً الناقد أميل شاهين، الذي شيّد والده مبنى في ساحة التل في طرابلس أوائل الثلاثينات، ويتضمن صالة سينمائية شجعه عليها أشخاص اهتموا بالاستثمار السينمائي، وكانت بقربه صالة سينما أخرى هي سينما “دنيا” تعرض الأفلام العربية. ولأن التهوئة والتبريد لم يتوافرا في ذلك الحين -أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات- كانت إدارة السينما تفتح النوافذ، مما مكنه من متابعة الأفلام العربية عبر النافذة.  لا وثائق ترتبط بالحرب الاهلية في المتعلقات التي عثرت عليها بوخر، وإن كانت ثمة صالات، قبل إقفالها، بدأت تختار الأفلام الرديئة والإباحية، وفي مرحلة ما بعد الحرب جرت محاولات لإعادة إحياء السينما في طرابلس، لكن في هذه المرحلة كان قد بدأ رواج أفلام الفيديو، وهناك عوامل كثيرة ساهمت في جعل الصالات مهجورة…

كانت ناتالي بوخر ستقدّم المعرض قبل نحو سنتين، لكن مع اندلاع انتفاضة 17 تشرين تأجل المشروع، وأوقفت “أمم” معظم نشاطاتها تضامناً مع الانتفاضة. ورغم تعقب المعرض عصراً منسياً في تاريخ طرابلس، إلا أن هذا المعرض لا ينفصل عن واقع المدينة التي لعبت دوراً رئيساً في مجرى الانتفاضة، والتي هي تكملة لدورها الفعال في ميدان السينما والثقافة.

(*) يبدأ المعرض في 11 كانون الأول الجاري، ويستمر حتى 9 كانون الثاني المقبل، ويستقبل الجمهور بين الساعة 11 صباحاً و5 عصراً، أيام السبت والأحد، وأيضاً تبعاً للمواعيد.