الرئيسية / home slide / ضد السيادة الوطنية في لبنان

ضد السيادة الوطنية في لبنان

 بكر صدقي
القدس العربي
13082020

كان مشهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بيروت الجريحة وهو يعانق أفراداً من الجمهور الذي استقبله استقبال «المنقذ»، ومطالبة آلاف اللبنانيين بعودة الانتداب الفرنسي، أشبه ما يكون بفيلم سوريالي. فبلداننا المنكوبة بالاستقلال، بالطريقة التي تجسد بها إلى اليوم، كانت غارقة في مناخ إيديولوجي يجعل من المشهد والمطالبة المذكورتين خيانةً وكفراً. خيانة في البيئة القومية ـ الوطنية ـ اليسارية، وكفراً في البيئة الإسلامية، وكلاهما معاً لدى عصابات السلب والنهب المسلحة الممسكة بإمكانيات الدولة ومواردها والسلطة العمومية المنبثقة منها.
كذا كان مشهد أعواد المشانق الرمزية التي نصبها جمهور المحتجين، في ساحة الشهداء وسط بيروت، لشخصيات العصابة الحاكمة في لبنان، وبخاصة صورة حسن نصر الله، والي ولي الفقيه خامنئي على «مقاطعة» لبنان التابعة لإيران. فهذا أمر غير مسبوق في الحياة السياسية اللبنانية، يضاهي تحطيم تماثيل الدكتاتور السوري الراحل حافظ الأسد في مختلف المدن السورية في العامين الأولين للثورة. فالرعب الذي فرضته عصابات حزب الله وحركة أمل والحزب القومي السوري الاجتماعي على اللبنانيين كان يحول دون تناولهم بالنقد ـ مجرد النقد ـ لنصر الله الذي تباهى مرات في خطاباته بأنه يتلقى تعليماته من خامنئي ويشرّفه ذلك!
يمكن القول، دون حاجة إلى مجاز أو تأويل، إن هذا التباهي من قائد المقاومة المزعومة بتبعيته لإيران قد شكّل سابقة في الطعن في مبدأ السيادة، من شأنه أن يبرر مطالبة آلاف من كارهي حزب الله بعودة الانتداب الفرنسي. وفي أحسن الأحوال لا مفاضلة بين «انتداب» إيراني وآخر فرنسي، وقبلهما انتداب أسدي دموي لنحو ثلاثة عقود كان قسم من اللبنانيين يعتبره مشروعاً بل مرغوباً. فلا معنى، في الحالة اللبنانية الموصوفة، للتذرع بمبدأ السيادة الوطنية في معرض الهجوم على المطالبين بعودة الانتداب الفرنسي. وتصل المفارقة إلى مستويات أعلى إذا حاول المرء أن يقارن بين صيغة الانتداب التي كان لها إطار قانوني في منظومة عصبة الأمم، والهيمنة الإيرانية، وقبلها الأسدية، التي فضلاً عن افتقادها لأي إطار قانوني، تتسم بالوحشية والفساد، فساد الأصل والفرع معاً، الأصل إيران المحكومة بنظام دكتاتوري ديني خارج العصر، والفرع حزب الله الطائفي المسلح الذي ابتلع الدولة اللبنانية وانخرط في الصراعات الداخلية في سوريا والعراق واليمن.
يبقى أن فرنسا، أو غيرها من الدول الغنية المتقدمة، لن تهرع لاحتلال لبنان وفرض وصاية استعمارية عليه لمجرد أن قسماً كبيراً من اللبنانيين يتمنون ذلك أو طالبوا به صراحةً. فالدول المذكورة قد اكتفت من فترة الاستعمار بتأسيس التراكم الأولي لرأس المال، وباتت بغنى عن تحمّل التكاليف المادية والمعنوية للاستعمار المباشر، بما في ذلك «عبء الرجل الأبيض» المزعوم في «نقل التقدم» إلى بلداننا. فهي غير معنية بمصيرنا بعد الاستقلال، ومهتمة حصراً بوقف تدفق اللاجئين عليها حرصاً على نقاء بشرتها البيضاء، وبمحاربة «الإرهاب» في منابته بدلاً من انتظار وصوله إلى مدنه.
الواقع أن النقاش حول مفهوم السيادة الذي تعود بدايته إلى القرن السابع عشر، انتعش في الفترة اللاحقة على نهاية الحرب الباردة، ودخل مبدأ جديد في العلاقات الدولية هو «التدخل الإنساني» لكنه خضع، في كل حالة طرح فيها، للمصالح المتباينة للقوى العظمى المتحكمة بقرارات مجلس الأمن.

لا معنى، في الحالة اللبنانية الموصوفة، للتذرع بمبدأ السيادة الوطنية في معرض الهجوم على المطالبين بعودة الانتداب الفرنسي. وتصل المفارقة إلى مستويات أعلى إذا حاول المرء أن يقارن بين صيغة الانتداب التي كان لها إطار قانوني في منظومة عصبة الأمم، والهيمنة الإيرانية، وقبلها الأسدية

وإذا كان مبدأ التدخل الإنساني هذا ضرورياً بالنظر إلى وحشية كثير من العصابات المستولية على دول، أو في حالات الحروب الأهلية، فتسييسه إذا جاز التعبير يفقده قيمته الإيجابية وقد يحوله إلى أداة هيمنة وتحكم في يد القوى العظمى بدلاً من أن يكون طوق نجاة لمجتمعات بحاجة إلى حماية من غول العصابات المشار إليها. هذا هو ما يجدر باستقطاب الاهتمام، بدلاً من التمسك المنافق، إذا أحسنا النية بهذا الوصف، بمبدأ السيادة. أعني أن النقاش يجب أن يدور حول كيفية إصلاح العلاقات الدولية بما يمنحها عدالة أكثر، وبما يمد المجتمعات المنكوبة بوسائل حماية من تغول الممسكين بأجهزة الدول والمتحكمين بمواردها.
لسبب ما تذكّرني كلمة «السيادة» بوليد المعلم الذي يلفظها بنبرته الرتيبة المتناسبة مع أبعاده الجسدية، كلما ووجه نظامه بانتقادات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان التي تحولت، منذ آذار 2011، إلى مجازر وتهجير وتدمير أسس العمران، فضلاً عن استجلاب دول محتلة ومجموعات إرهابية متعددة القوميات، وكلما ووجه نظامه باستحقاقات التغيير التي لا مفر منها، فنراه يقول: «هذه مسألة سيادية».
لقد فهمت الأنظمة المتوحشة التي ابتليت بها بلداننا مبدأ السيادة على أنه الحق الحصري في النهب والتركيع والقتل إذا اقتضى الأمر. وليد المعلم المذكور إياه ابتكر صيغة لم يسبقه إليها أحد حين قال، رداً على بداية الحرب الدولية على داعش: «على الدول الأخرى إذا أرادت أن تعتدي على سوريا أن تنسق معنا، وإلا فهي تنتهك سيادة دولة مستقلة»! واضح أن الأمر يتعلق بزلة لسان غير مقصودة في استخدامه تعبير «الاعتداء» لكن المعنى يبقى هو نفسه لو أنه قال «إذا أرادت أن تحارب الإرهاب» وهذا هو المقصود على ما يمكن التوقع. فوزير خارجية الأسد يدعو الدول إلى التدخل في الصراع السوري على أن يكون الأمر بالتنسيق مع العصابة التي يمثلها، كما هي حال إيران وروسيا.
وها هي العصابة المستولية على الحكم في لبنان تسلك المسلك نفسه، فترفض المساعدات الإنسانية المقدمة من فرنسا إذا كانت ستصل إلى مستحقيها مباشرةً من غير المرور عبر قنوات الفساد السلطوي، كما أعلن الفرنسيون.
حركة الاحتجاجات تمكنت من إسقاط حكومة حسان دياب. هذا لن يغير شيئاً ما دام حزب الله يمسك بعنق لبنان. التخلص من هذا الحزب هو بمثابة تحرير للبلد من احتلال إيراني. لن يرتاح لبنان قبل تحقيق هذا الهدف الصعب.

كاتب سوري