الرئيسية / home slide / ضحايا جائزة الغونكور الفرنسية؟

ضحايا جائزة الغونكور الفرنسية؟

 واسيني الأعرج
القدس العربي
24112021

 «الغونكور» هي أهم وأكبر جائزة فرنسية، ويفوز بها عادة كل من يكتب باللغة الفرنسية، فرنسياً كان أم غير فرنسي. أخطأت «الغونكور» في رحلتها أسماء كثيرة، من بينها اسم أكبر كاتب فرنسي في كل الأوقات: سيلين Celine في 1932 وروايته الشهيرة «سفر في منتهى الليل» لأسباب تتعلق بـ«معاداته للسامية» التي ألف فيها ثلاثة كتب هجائية نارية: «تفاهة من أجل مذبحة» «مدرسة الجثث» «الشراشف الجميلة» بين 1939-1940 رفضت دار غاليمار إعادة نشرها عندما طبعت كافة أعماله في السلسلة العالمية الراقية: الثريا (La Pleiade). فضلت غاليمار عليه، يومها كاتباً لم يكن معروفاً، ولا قيمة كبيرة له، هو غي مازولين، على روايته «الذئاب». كما سبق أن أخطأت أبولينير، وكوليت، ونتالي ساروت، وغيرهم. وكان على كاتب كبير مثل رومان جاري، الذي فاز بها بعد معاناة شديدة في 1956 على روايته «جذور السماء»، أن يتحايل على الجائزة ويمثل عليها بتغيير اسمه إلى إيميلي آجار، ويلعب اللعبة إلى منتهاها عن روايته «الحياة أمامنا» (1975) ويرفض الجائزة، لكن الغونكور أصرت على منحها له «إيميلي أجار»، (1975) وكان الكاتب الوحيد في تاريخ الغونكور الذي فاز بها مرتين. كما فاز بها كثيرون من كبار الكتاب، ومن بينهم بعض العرب والأفارقة، من أمثال الطاهر بن جلون (1987)، وأمين معلوف (1993)، والمغربية ليلى سليماني (2016)، وأخيراً السنيغالي محمد مبوغار سار (2021). حتى هذه اللحظة، الأمر يكاد يكون عادياً. ما دام هؤلاء الكتاب قد أثاروا انتباه لجنة التحكيم الثابتة، في الغونكور، كان فوزهم طبيعياً. حتى ولو أثارت النقاشات بعد كل فوز مدى أهلية هذا الكاتب أو ذاك، آخرهم محمد مبوغار الذي أسال حبراً كبيراً وأخرجوا له مقالة قديمة حول الأفارقة، شديدة العنصرية. الأمر يكاد يكون عادياً، تعودت عليه كبريات الجوائز.
لكن الشيء المثير للانتباه، لا جزائري من الذين يكتبون باللغة الفرنسية، فاز بها حتى اليوم؟ ماذا يعني هذا؟ إما أن كتاباتهم لا ترقى إلى الغونكور، أو أن هناك شيئاً غير أدبي يمنعها من الفوز؟ تأمل بسيط يظهر بأن وراء ذلك تساؤلات لا علاقة لها بقيمة النصوص. بعضهم يصل حتى حافة الجائزة، وتنتصر له الصحافة الفرنسية، لكن في النهاية لا يفوز، ويفوز غيره من الذين لم يكونوا محسوبين من الناحية الأدبية. أسماء مثل ياسمينة خضرة، وبوعلام صنصال، وكمال داوود، وصلوا إلى القوائم الطويلة والقصيرة لكن دون الفوز. والغريب أن النصوص الفائزة لم تكن بكل الجودة المدهشة، بل إن كتّابها اختفوا من عالم الكتابة. شيء مثير للدهشة: رواية «فضل الليل على النهار» لياسمينة خضرة أثارت، أثناء صدورها، جدلاً كبيراً وحولت إلى فيلم من إخراج أركادي، واهتمت الحركة النقدية الفرنسية بالرواية اهتماماً استثنائياً، وتدرج صاحبها في الترشيحات حتى ظن الجميع أنه هو الفائز في القائمة النهائية، لكنه سقط في المربع الأخير، مما أثار غضبه، فوُضع على ما يبدو، منذ ذلك الوقت، على القائمة السوداء، لدرجة أن خسر دار النشر التي كانت تهتم بنصوصه وتنشرها، ويعيش عزلة قاسية سبق أن عاشها رشيد بوجدرة. بوعلام صنصال برواياته الإشكالية التي أثارت جدلاً كبيراً، وصلت 2084 نهاية العالم، إلى قوائم الغونكور حتى ظنه الجميع أنه هو الفائز الكبير، بالخصوص أن دار نشر غاليمار التي أصدرت رواياته تعد واحدة من أعمدة الجائزة إلى جنب لوسوي وغراسي، لدرجة أن سميت الجائزة سخرية باسم هذه الدور: غاليغراسوي. كمال داود وصل أيضاً إلى الحافة نفسها بروايته الأولى «ميرسو: تحقيق مضاد»، لكن يبدو أن الطاهر بن جلون، عضو الجائزة، رفض الرواية، كما أثارت ذلك الصحافة الفرنسية والعربية، إذ هو من ميل الكفة نحو غيره.
الجيل الأول الذي أسس للأدب المكتوب باللغة الفرنسية اعترف له بجهوده وفاز بجوائز الأكاديميات الفرنسية، والفرانكفونية، وجائزة الدولة، إلا الغونكور؟ محمد ديب الذي كان وراء تيار الكتابة باللغة الفرنسية لغير الفرنسيين من العرب، وكان وراء مدرسة مغاربية فرضت نفسها بجانبها الإنساني والنضالي، فاز بجائزة الفرانكفونية الكبيرة وجوائز فرعية كثيرة. كاتب ياسين فاز بجائزة الأكاديمية الفرنسية، وآسيا جبار أصبحت عضواً في الأكاديمية الفرنسية وتحصلت على جوائز فرنسية وعالمية كثيرة، منها جائزة السلام الألمانية الكبيرة، إلا الغونكور، ظلت حلماً مستحيلاً. ما السبب في ذلك؟ القيمة الأدبية؟ لا أعتقد؛ لأن كاتباً مثل كاتب ياسين يعدّ واحداً من أهم المجددين في الكتابة الروائية، وتظل روايته البديعة «نجمة» إلى اليوم مثار جدل، وقد شبهته الأوساط الثقافية الفرنسية وقتها بفولكنير الرواية الفرنسية. إلى اليوم، تدرس نصوصه في كبريات الجامعات العالمية، وقد ترجمت أعماله إلى لغات عديدة جعلت منه أهم كاتب عربي باللغة الفرنسية. ولا يختلف اثنان على قيمته الأدبية الكبيرة، بحيث يشكل لحظة قطيعة مع النموذج الكلاسيكي، ويشبه الكثير من الباحثين ما قام به، في المجال الروائي، بما فعله مارسيل بروست في روايته «في البحث عن الزمن الضائع». بدا واضحاً أن المحدد الأساسي لم تكن القيمة الأدبية، ولكن النفس الثوري الذي حكم نصوص ياسين، وديب، وآسيا جبار، ومعمري، ومالك حداد، ولاحقاً بوجدرة، هو ما منع نصوصهم من الارتقاء نحو الجوائز الفرنسية الكبيرة مثل الغونكور. ليست نظرية المؤامرة، لكن موضوعاً كهذا يستحق أن يتم تأمله عن قرب بدم بارد. وإلى اليوم مازلنا بانتظار غودو الجزائري الذي ترضى به الغونكور. لقد فعل الكتاب الجزائريون، بالخصوص الجيل الجديد، كل شيء، والاندراج إما داخل الخطاب الثقافي الأدبي الراقي التحديثي نصياً وثقافياً، المدهش في إبداعيته، أو إما في نقيضه؛ أي الخطاب القريب من خطابات اليمين المتطرف، الذي يرى في العربي والمسلم خطراً محدقاً تجب محاربته، فيبتذل صورتهما مع خلط يكاد يكون مقصوداً بين الإسلام والإرهاب. وبالرغم من ذلك، لم يفوزوا بالغونكور. وكلما احتج أحدهم، وُضع في مدارات النسيان، هكذا حدث لكاتب ياسين، وبوجدرة، وياسمينة خضرا. ما يعانيه اليوم نفسياً الكثير من هؤلاء الكتاب، يصل إلى درجة الهستيريا. عندما نسمع بعضهم وهم يتحدثون عن هذا الظلم، نشعر بأن هناك حالة جنون خلقها انتظار هذه الجائزة. بدل الصمت والكتابة أو مساءلة الداخل، يغرق بعضهم في حملة هستيرية غريبة للرفع من قيمة الذات المنكسرة، كيف تم عزلهم وهم مترجمون إلى عشرات اللغات العالمية؟ فيظنون بأنهم أصبحوا مهمين لدرجة بات من المستحيل تخطيهم، وينسون أنّه لا أحد ضروري Personne n’est indispensable، وأن المؤسسة الثقافية، والأدبية تحديداً، قادرة على إنتاج البدائل عندما تحتاج إلى ذلك، بل على تحويل المحتجين من كبار الكتاب إلى غبار، ثم إلى عدم. قبل أيام أثيرت قضية سيلين لمحوه كلياً، إذ في نظر من أثاروا المشكلة من جديد، سيلين، فخر فرنسا الإبداعي، لم يكن فقط معادياً للسامية، لكنه كان مناصراً للنازية، وهيتلر تحديداً، مما يعني إعداماً جديداً. لو فقط اختار هؤلاء الكتاب المساكين مسلك سيلين الأدبي بعد أن رمى بكل المؤسسات وراءه أو كاتب ياسين الذي فضل النوم تحت الجسور على أن يبيع قناعاته الثقافية، أن يكتبوا ويكتبوا فقط، ويمضوا في طريق الإبداع… فالتاريخ وحده من ينصف في النهاية. لقد تراكمت الأجيال بعضها فوق بعض في شكل كتل متراصة، وبقي سيلين سيد الأدب الفرنسي، وما يزال كاتب ياسين شعلة في تاريخ الرواية الجزائرية والفرانكفونية المقاومة والمناصرة للحرية، متخطية كل عتبات المنع.

واسيني الأعرج