الرئيسية / مقالات / ضاع الجولان عندما انهارت سوريا عام 2011

ضاع الجولان عندما انهارت سوريا عام 2011

علينا أن نصدِّق أن المنطقة يُعاد رسمُها. القانون الدولي يقاوم، لا العرب ولا المسلمون المنشغلون بحروب أهلية مع بعضهم البعض. القانون الدولي يقاوم في القدس ويقاوم في الجولان كما لو أنه بقايا “تقاليد” متداعية مع كل التقدير والاحترام لثبات مواقف الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين ودول عديدة في العالم ومع كل الانحناء أمام النضال الفلسطيني اليتيم والعاجز.

إلا أن الجولان ضمّته إسرائيل عام 1981. من حيث الوقائع لا جديد في ذلك. لكن ما هو جديد، أي الاعتراف الرئاسي الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، هو أقوى من الوقائع. بل أقوى “الوقائع” في الظروف العالمية التي تحتل فيها الولايات المتحدة الموقع الأول في العالم.

كان علينا أن نتوقّع منذ بدأ الانهيار السوري عام 2011 السقوط الجديد للجولان. كل منطقة كانت تنهار في سوريا كان الجولان يبتعد معها عن الكيان السوري الذي كرّسته المعاهدة بين فرنسا والكتلة الوطنية عام 1936 (مزارع شبعا دخلت في تعقيد جديد وباتت معرّضةً لكل أنواع الخبث الإسرائيلي).

هذا الرئيس الأميركي ليس وحده بل وراءه قوى عميقة التأثير في الكونغرس تتلطّى به. لقد انضم الأميركي إلى طاولة الإنكليزي مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو ولو متأخرا مائة عام وسنتين كي يعدّل في خرائط الاتفاق البريطاني الفرنسي.

من يقرأ القرار الأميركي الذي وقعه ترامب يعرف أن الذين صاغوه اعتمدوا على عناصر سياسية صرفة ومستجدة وأعادوا عبر تبرير لماذا يعترفون بسيادة إسرائيل على الجولان كتابةَ تاريخ المنطقة مرورا بعام 1967 ثم بالعنصر الجديد في الصراع في المنطقة وهو الدور الإيراني.

لم تحترم الدولُ السيادة السورية بعد 2011. حجة دعم الثورة السورية لم تكن تعني اجتياح سوريا عسكريا بوسائل مباشرة وغير مباشرة. هذا إذا سلّمنا بمصداقية بعض الدول الأوتوقراطية بدعم حراك ديموقراطي. الثورة الأصيلة ضد الاستبداد، كما يجري في دول كثيرة في العالم، تُدعم من خارجها.

سقط الجولان في حلب وإدلب والرقة عندما حصلت العسكرة. عسكرة الثورة وتحول الثوار العلمانيون إلى ناطقين معلنين أو صامتين باسم التيارات الأصولية الأكثر بشاعة.

دعونا لا نبني أوهاما: العالم مشغول بقضايا الاقتصاد والتقدم العلمي والتنافس على الأسواق. ومن سوء الحظ، حظ المنطقة، أن نهاية الحرب الباردة حملت معها إمكانية اللعب بالحدود الدولية للدول سلبا. الاقتطاعات بالقوة حصلت في العديد من الدول فكيف مع الدولة الأكثر عدوانيةً في العالم، دولة الأبارتايد الوحيدة المتبقية.

الرد الأول الاستراتيجي يكون بالسعي لوقف الحرب في سوريا بأي ثمن. لا أحد في المعارضة العلمانية يجب أن ينتظر التفاوض مع النظام لإعلان الموقف المبدئي بضرورة وقف الحرب أيا يكن الثمن.

يلعب دونالد ترامب بالعالم، بخرائط العالم بدءاً من الشرق الأوسط الضعيف. إنها لحظة وراثة لجيوبوليتيك هش منذ الحرب العالمية الأولى. انكشف عام 1948 ثم انكشف عام 1967 ولا زال ينكشف.

لسنا الضعفاء الأُوَل في التاريخ. ما يملكه الضعفاء المحترمون هو شجاعة القول أن الهزيمة تستوجب تغيير الذات قبل الخصم.

نظريا، ولكنْ عميقاً، كل كيان في المنطقة بخطر. وها هو جيل عربي ثالث أو رابع يواجه حقيقة تبلورِ تحوّلِ إسرائيل إلى الدولة الأكثر تماسكا في المنطقة، دولة عظمى “يجب” أن تحيطها أشلاء دول ومجتمعات لا دول ومجتمعات.

والمشهد الراهن ليس صادما بقدر ما هو كاشف.

هكذا يستمر التاريخ العربي المعاصر من قعر إلى قعر في المنحدَرَيْن اللاوطني واللاديموقراطي. ونحن جيل من أجيال هذه اللعنة المتمادية.

Jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد