الرئيسية / مقالات / صورة الفنان مناضلاً

صورة الفنان مناضلاً

يشعر المرء بالإهانة إذا بحث عن مناسبة للكتابة عن سعيد تقي الدين، لكنها ذكرى غيابه على أيّ حال. قبل أن يغيب كان عبقريّ السخرية الأدبية في لبنان. وبعد نصف قرن لم يزل كذلك. وبما أنّ الدعابة العبقرية قد ولّى زمانها، منكسرة أمام التهريج والابتذال والافتعال، فقد لا يكون لنا سعيد تقي الدين آخر.

كان رجل الفكر والعاطفة والثقافة والقومية والتواضع والسخرية من الذات. وإلى ذلك كان لامعاً في التجارة وخاسراً في الكرم، يهاجر ويغتني ويعود ويفتقر، ثم يهاجر من جديد إلى بقاع لا يعرفها إلا الله، ثم يقتله الحنين إلى لبنان وإلى رفاقه في الحزب القومي، وإلى نقد المسطحين والثقلاء والطفيليين، فيعود إلى بيروت شاهراً سيوف “دون كيشوت”، مغنياً للطواحين، مغرداً للبسطاء والمهزومين.

ترك العبقري الساخر عشرات الكتب، وأصبح رئيس نادي الخريجين في الجامعة الأميركية، وأسس جمعية “كل مواطن خفير” وفي كلّ ما فعل ظلّ ذلك الفنان الجبار الذي لا يقدم على عبقريته سياسةً أو انتماءً أو حزباَ. فقد جاء إلى القومية الاجتماعية من القومية العربية. وبالحماسة نفسها والشغف نفسه والقناعة نفسها. ولم يتوقف لحظة عن أنَّ الفكرتين متعاديتان في تلك المرحلة. كما أنه لم يَخفِ أن حبهُ للقومية العربية تحول إلى شغف في القومية السّورية. ومع ذلك فعندما تقرأ سعيد تقي الدين اليوم تراه قد دافع بلا هوادة عن خصمه وخصم الحزب، شارل مالك. وتساءل “أين فؤاد حداد”، وكأنه لا يتذكر أن فؤاد كتائبي من ألدّ خصومه، وأبدى ما شاء من التقدير والإعجاب بفؤاد شهاب الذي سوف يحاول القوميون الإنقلاب عليه.

في سبيل حزبه وقضيته كان مجموعة من الرجال في وقت واحد: متآمرٌ، ولو مضحكاً أحياناً، تاجرٌ يبحث عن الربح لكي يصرفه على رفاقه، ديبلوماسيٌ يوزع جوازات السفر على ثوار أندونيسيا، شيخٌ يضحك مرة من الناس ومرة من نفسه، كاتبٌ يوزع مقالاته على الصحف حسب شجاعتها على النشر، قرويٌ من صلابة الجبل وضعيف من ضعف الآباء، مدنيٌّ يتزعم التظاهرات في العاصمة، ويحضر الحفلات ويسامر معشر الذوات، في “السان جورج”، ويقامرُ مع البورجوازية.

كلُّ شخصية من هذه الشخصيات كانت تتطلب أن يكون الرجل جبلاً. وإذ تعود إلى سعيد تقي الدين عاماّ بعد عام تكتشف سرّه بعفوية تشبه عفويته. لقد سخَّر جميع تلك الشخصيات، واحدةً بعد الأخرى، من أجل الشخصية الطاغية فيه. شخصية الكاتب المذهل الذي كما قال غارسيا ماركيز “يحول كلَّ شيء إلى أدب”.

حوّل سعيد تقي الدين كل شيء إلى شغف. شغفٌ في الحياة وفي السياسة وفي القومية وفي الفكر والفن، وخصوصاً في تلك السخرية اللّماعة التي لم يبلغها أحدٌ سواه. يشعر المرءُ بالخجل عندما يكتب عن السيّد “شمدص جهجاه”. لذلك سوف أترك بقية المقال له وحده وقبعتي على الأرض.

• الآن أفهم أنني ما قرأت التوراة إلا بالعربية التي ترجمها الجزويت أو الأميركان وهي سقيمة، أما ترجمة ابراهيم اليازجي فهي روعة. أنها كتاب يحسن بالمتأدبين أن يثابروا على قراءته. ابراهيم اليازجي كبر في عيني جداً. في العربية أقرف لفظة، لأجمل منظر، هي “قوس قزح”. ترجمة اليازجي في التوراة “قوس الغمام”. هذه الترجمة هي الأصح، وإن لم تكن أجمل من ترجمتي “قوس البهاء”.

• لبنان بلد يعيش على الأساطير والخرافات. متى تحققت شمول اعتقاد عن أي شيء أو شخص في لبنان فلك أن تثق أن هذا غير صحيح.

من الأمور التي شاعت أن الرئيس كميل شمعون “حمى القوميين” وتغاضى عن أعمالهم، وأنه حين ثارت الاضطرابات في صيف الدم 1958 سلّحهم.

• تركت مانيلا في 3 شباط سنة 1947 وفي جيبي ثلاثة أربعة آلاف دولار نقداً وتحاويل. وباسمي في مصرفين اثنين من مصارف نيويورك 228 ألف دولار. وكان قد سبقني إلى بيروت اتوموبيل كريسلاير كبير ومختلف ارساليات تزيد عن الثمانية والأربعين ألف دولار.

قبل أن أصل إلى بيروت كان ما أحمله قد طار، فاستدنت من حليم أبي عز الدين أربعماية ليرة مصرية حتى أدفع حساب الأوتيل في القاهرة وأمدد إقامتي فيها أسبوعين.

أنا لا أقامر، وغرامياتي هي أبداً ضمن التعرفة.

• هنا يحسن أن أذكر أنني خلال يومين اثنين، وفي ساعات كانت الدماء تسيل فيها، ولبنان يتأرجح بين البقاء والفناء، لم أجد رجلاً واحداً من ذوي المسؤولية والشأن – وقد حادثت منهم الكثيرين خلال تلك الثماني وأربعين ساعة – من رضي أن يتخلى عن غطة نوم بعد الظهر لبحث أمر خطير، كتغيير رئاسة وزارة في حالة ثورة.

• ولكني وجدت القوم في دمشق كما هم في بيروت لا يستهويهم العمل المثابر الصامت. يلبونك إن دعوتهم إلى مظاهرة، أو حفلة نشر أعراض، أو عمل مسرحي، أما النشاط الهادئ الباني المستمر فما ينسجم ومزاجهم.

• حينئذ اتضحت في ذهني صورة شارل مالك، ذلك الفتى الخجول المنفوش الشعر، المتفوق بدروسه، الذي كنا نتنبأ له بأنه حين يصبح كهلاً، يكون من أعظم كتاب العرضحالات والاستدعاءات أمام سراي العدلية في بيروت. ذلك لأنه كان زير كتاب، شديد الانصباب على ما يشغل عينيه أو يديه، قلماَ كان أو ورقة أو كتاباً.

• شارل مالك ضبط الوزارة، ورسخها على أساس المبادئ التقدمية، والأساليب والقوانين الحديثة في الدول الراقية، ونشر العدل بين موظفيها. فكل منهم معجب برئيسه، وفي نفسه كبر أنه أحد فريق وزارة الخارجية والمغتربين.

• وما خلت الحياة الحزبية من فكاهة.

كنا نرسل بعض “الأغراض” إلى قرية … في الشام. وقلنا للرفيق هناك أن يستعمل هذا الكود (الرموز). فالصباط يعني المسدس، والجزمة تعني الرشاش، والعقال يعني البارودة. وكان أكثر المطلوبين الدمشقيين في بيروت يحملون أسماء مستعارة.

يوماً أتتنا رسالة هذا بعضها: ” وصلنا 14 صباطاً، وست جزمات، وتسعة عقالات. نرجوكم إرسال فشك بلجيكي للصبابيط، وأمشط للجزم، وزنبرك أحد العقالات وصل مخربطاً. مع مزيد السلام للخواجه طانيوس عبده (يعني الرفيق نزار المحايري)”.

بقطع النظر عن الواجب القومي، إنني كفنان حييت في الحزب حياة فخمة بهية.

ولم أسأل سواي أن يفعل ما أنا عنه جبنت. وهل أسأت إلى أحد؟ هل كذبت أو دجلت أو خادعت، هل نجحت في ممارسة السياسة وهي ليست من طبعي، ولا سبق لي اختبارها وقد رمتني فيها الواجبات الحزبية؟

“نيال من يعرف رأسماله”، عبارة سمعتها في بعقلين من رجل عادي يكاد يكون أمياً.

ليس رأسمالي في الحياة الشطارة. رأسمالي في الحياة، وهذا ما استغليته في السياسة، أنني أوحي الثقة. هذا كل ما عندي. في أفقر أيامي لم أعجز عن حسم الكمبيالات في مصارف بيروت. وفي حين لم يكن معي قرش أودعه البنك، ساهمت في اختيار بعض أعضاء مجلس إدارة بنك جديد.

اضف رد