الرئيسية / مقالات / صورة البلد تحت كراسي المعاقين

صورة البلد تحت كراسي المعاقين

الشيخوخة غرق، قال ديغول، وهو يتأمل هبوط همّته وتخاذل قواه. لن يكون في امكانه بعد اليوم إكمال معاركه الكبرى: انتشال فرنسا، تهيئة أوروبا، زجر الاميركيين والروس عن هذا العبث المتهور والاناني، في مصائر العالم.

الإنسان ليس مواطناً لدولة واحدة، ولا ابناً لوطن واحد. إنه مدى الجغرافيا برمّتها. وعندما يكون فرداً عظيماً، مولوداً لصناعة التاريخ، نادراً ما تنتهي مهمته في عمر واحد. تحل الشيخوخة مثل موجة كاسرة، فيغرق قبل ان يستكمل الكثير مما أعده له القدر العظيم والموهبة الكبرى. عندما قال ان الشيخوخة غرق، لم يكن يتحدث فقط عن نفسه ورسالته، بل كان يحذر أولئك المكلفين بناء عالم غير معذب وغير متداع، من إضاعة الوقت في الترهات ومجادلة الطفيليين. الوقت أهم بكثير من العوابر وسطحيات النهار.

لم أتذكر سوى جملة ديغول الآسية، وأنا اقرأ، متأخراً على غير عادة، كتاب أمين معلوف “غرق الحضارات”. نحن في اكثريتنا نشبه هذا المثلث الهويات والمشاعر: البلد الأم، والهوية القومية، ووطن التبني. ومثله لم تعد مشاعرنا في الحنين الى الماضي، بل في الخوف على المستقبل: أولادنا وأحفادنا ورفاقهم.

هل تريد أكثر الصور تعبيراً عن غرق “الحضارة” اللبنانية؟ الخميس الماضي، نشرة أخبار الثامنة، صور لتظاهرة يقوم بها المعاقون، على كراسيهم، يطالبون الدولة بعدم خفض مخصصاتهم، التافهة في الأساس. هل تتخيّل أن هذا المشهد ممكن في أي دولة أخرى؟ وهل تتخيل أن يمر هذا المشهد على الناس والدولة ويظل في إمكان الجميع إكمال النشرة، ثم الذهاب الى النوم؟

الغريق، ليس الحضارة اللبنانية. الغريق هو الجمهورية اللبنانية، التي تنازع بين أيدينا في أسوأ مرحلة تدهور وطني مرت به مكونات الدولة والوطن. أو ما تبقى من كليهما. نخرج من سيرك وندخل في آخر. مجموعة بهلوانات يلقون الخطب عن المهمات الرسولية، ويعثرون على الخلاص من الغرق، في رسوم الأركيلة وقمباز أبو العبد.

ما من عزاء لنا في أنه زمن سائب في كل مكان. ولا الامثلة التي يوردها أمين معلوف عن مظاهر الانحطاط العالمي التي غطاها، صحافياً: الأيام الأخيرة من الفيتنام، أو المذبحة الكبرى التي اعدتها السي. آي. إي ضد الحزب الشيوعي في أندونيسيا: نصف مليون قتيل، مع عائلاتهم. والبديل كان أحمد سوهارتو وابناؤه و 500 جمعية خيرية أقامها ليسرق أكثر الشعوب فقراً.

نحن، في هذه الحضارة الممتدة بين الاملاك البحرية والرمال المليئة بفضلات البشر، نقبل على أنفسنا الكريهة أن يتظاهر المعاقون طلباً لحقوقهم، بدل أن تذهب الدولة إليهم في منازلهم. والجمعيات. والمؤسسات. نحن، عندنا، نرمي بؤساء الكراسي المتحركة في ساحة الكراسي المتجمّدة، الباردة، البليدة، الصفيقة.

اتهم المحامي واستاذ القانون نقولا فتوش، الاستاذ وليد جنبلاط بالخيانة العظمى بسبب تصريح له عن مزارع شبعا. والتصريح ذو طابع قانوني صرف، كان يمكن – أو لا يمكن – تفنيده، من خلال رؤية، أو تأويل قانوني، من دون اتهام حفيد فخر الدين بالخيانة العظمى، بسبب كسارة بالزائد أو مقلع بالناقص.

للاستاذ فتوش حكايات وشواهد كثيرة. لكن الخيانة العظمى في الحضارة اللبنانية أن يمر مشهد المعاقين يطالبون بالفتات، فيما يعتبر رجال القانون ذلك أمراً عادياً. مجرد تظاهرة من هذه التجمعات التي تقوم في وجه الدولة كل يوم، مستوطئة حائطها البائس، مسلحة بعقدة الذنب التي تشل حركتها وكرامتها. فليأكلوا بسكوتاً، المعاقون. وينضموا الينا في المقاومة الاقتصادية التي دق نفيرها، من الساحة الخارجية لبكركي. للتحديد.

إلى هذا الصرح، انتمى عبر السنين، مئات الطوباويين والمطوبين الذين جعلوا أنفسهم في خدمة ضعفاء الأرض. لم يطلبوا منهم “المقاومة الاقتصادية”، بل ساعدوهم في المدارس والمياتم والجمعيات. لا يحق للسياسيين أن يضموا بكركي الى عدّة الشغل وكل ما تقع عليه أيديهم.

اختبأوا خلف رحابة بكركي وقداسة راحلها الملك، من أجل تحويل سقطة اخلاقية الى قضية وطنية. قال البطريرك الراعي كلمته وحدد موقف بطريركه. وترك – بكل كِبَر – الباب مفتوحاً امام عودة الخاطىء عن خطئه.

ما منقبل! انهالت الاحكام على بشارة الاسمر قبل محاكمته. أُقيل واستُقيل من كل ما يملك. جُرّد من الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية. وكل ذلك لأنه أهان نفسه في مزحة غليظة يوم أهان رمز كرامة لبنان وحضارته السياسية. نكتة سمجة القيت في ستة أشخاص! ما منقبل. يجب ضم الاضبارة الى معركة الرئاسة. ماذا لو كان ذلك القديس حياً؟

يذكّرنا أمين معلوف دوماً بما حدث لحضارتنا. الاسبوع الماضي تحدث لبناني نبيل ومثقف آخر عن الحضارات الغرقى. قال غسان سلامة أمام نادي الصحافية الدولية في نيويورك إن ليبيا تدفع ثمن انتحارها بنفسها، ولا حاجة الى أموال خارجية. والمسألة الجوهرية ان الأسرة الدولية لا تملك “الدافع الاخلاقي الكافي لحل المشكلة”.

أوجه الشبه بين غسان سلامة وأمين معلوف انهما من جيل واحد، ومن ثقافة فرنسية متشابهة، وكلاهما قدمت له فرنسا الشهرة والمكانة الدولية، وكلاهما عمل في الصحافة اولاً. يتميز غسان أنه الرجل الذي رفض لبنان ترشيحه لمديرية الاونيسكو، مفضلاً عليه مديرة مكتب سفيرها وسفيرنا في جزرالمحيط الهادىء.

يقوم غسان سلامة، سواء نجح أم كانت العاب الأمم أكبر من ذكائه وثقافته وألمعيته، بأحد أهم الادوار التاريخية عربياً ودولياً. ولا أدري إلى أي حدّ كان يدرك خشونة المهمة عندما قبلها. لكنني من الذين قالوا له، كن مستعداً: العراق وسوريا ولبنان. مثل مسحوق “يس”: ثلاثة بواحد!

ذهب غسان سلامة الى هذه المهمة الشائكة كامل المؤهلات: عميد العلوم السياسية في باريس، من حيث المعرفة، ولبناني عاش النزاعات الأهلية، من حيث التجارب. وكان قد مرَّ قبل ذلك في نزاعات العراق. ما أسهل دعاوى القتل في الدول المتخلفة: الطائفية في لبنان، المذهبية في العراق، المناطقية في ليبيا. وفي المحصلة مجموعة قبائل تتنافس، في السلم وفي الحرب، على الغاء الدولة.

الدولة التي ليس مسموحاً فيها لغسان سلامة، أو أمين معلوف، أو غسان تويني، أو فؤاد الترك، أو شارل مالك، أو فؤاد بطرس، أو البير مخيبر، أو فيليب تقلا أن يخوض معركة رئاسة الجمهورية، ليست جمهورية. والجمهورية التي لا تزال تستخدم مصطلحات مثل “موارنة الاطراف” ليست دولة.

سالتني الاستاذة هدى يمين: “هل روني ألفا كاتب استثنائي أم أن الأمر مختلط علي”؟ أجبتها أنه كاتب استثنائي دون شك، لكن الأمر يختلط عليك لاضطراره الى الكتابة دوماً في قضايا غير استثنائية. ولا يمكن أن تكون.

اضف رد