صوت الموسيقى

عشق سعيد فريحة الفن بقدر ما شغفته الصحافة، فقرر ضمه إليها. انشأ جريدة “الانوار”، ثم فاجأ الجميع اوائل الستينات بإنشاء “فرقة الأنوار للرقص الشعبي” التي طاف بها العالم. ولم تكن فرقة “الدبكة” لبنانية، بل كان صاحباها مروان ووديعة جرار من فلسطين. وقد عرفنا يومها أن تلك السيدة الجميلة التي اهتزت لها “ادراج بعلبك” هي خريجة جامعة كايمبريدج.

لم تستمر فرقة “الانوار” طويلاً رغم كل ما بذل سعيد فريحة وتكبد وحارب. ولم نعد نسمع عن وديعة جرار. وقبل ايام كنت استذكر مع المهندس رمزي صنبر زمن الحقبة الجميلة في بيروت. تحدث عن جيرانه الذين قدموا مثله من يافا وحيفا وصفد. وذكر بنوع خاص جارين: الطبيبين جورج حبش ووديع حداد. وقال ان الجيران كان يأتي إليهم دائماً صوت جميل يغني “اعطني الناي وغني”، وكان ذلك صوت حبش، أما الجار الآخر، وديع حداد، فلم يُعرف عنه الشغف الموسيقي. هذا الشغف تولته في العائلة شقيقته وديعة، لاحقاً وديعة جرار، العائدة من كايمبريدج.

في هذه المرحلة ظهر جيل كثير على حلبة النضال العربي. يساريون مثل جورج حبش، ووسطيون ويمينيون متدينون من موالي المفتي أمين الحسيني: راوحت وتفاوتت وتفرعت نشاطات هؤلاء، لكن كان لها قضية مركزية واحدة هي فلسطين. وعلى الصعيد الدولي، انقسم العالم بين غرب يدعم اسرائيل، وشرق سوفياتي يناصر الفلسطينيين. لذلك، كان الحزب الشيوعي اللبناني، في صورة عفوية، حليفاً لموسكو، وجزءاً من حركتها الأممية.

مر بالحزب بارزون كثيرون: من “البورجوازي” أيوب ثابت إلى “البروليتاري” جورج البطل. لم يصل كريم مروة الى زعامة الحزب، لكنه كان منذ اليوم الأول في الواجهة القيادية. بل كان، الى لحظة خروجه، وجه الحزب والمعبّر اللين عن مواقفه المتشددة.

“رحلة عمر” (1) هي حكاية اليسار اللبناني منذ بزوغه في الخمسينات، الى ساعات وهنه، ولحظة التراجع العالمي التي يؤرخها البعض بسقوط جدار برلين، والبعض الآخر يرى أنها بدأت مع وصول ليونيد بريجنيف، المتوسط الفهم والذكاء والمعرفة. ففيما كان العالم أجمع يتطلع الى الكرملين، كان الرجل الذي أطاح الالمعي الفائق نيكيتا خروشوف، لا يرى سوى نفسه في المرآة. ونفسه لم تكن في مستوى الروسيا وتحديات المنصب.

نرى كريم مروة في “رحلة عمر” في كل مكان. في موسكو، في فيينا، في المجر، في بكين، في باريس، في ايطاليا، في جميع مؤتمرات الشبيبة الشيوعية حول العالم. ولكن نراه أيضاً ضيفاً على مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة، غسان تويني، الذي يقدمه بدوره، ضاحكاً، الى المندوب السوفياتي. ويضحك الجميع من المرايا المعكوسة.

“الاستاذ” هو أيضاً من عرفني الى كريم مروة في باريس، أوائل الثمانينات أو أواخر السبعينات. قال: “نلتقي السادسة في مقهى التروكاديرو، لكي تتعرف الى نوع جديد من الشيوعيين”. يقول مروة في “رحلة عمر” إنه ما أن استقال من الحزب الشيوعي حتى استعفى من عبوسه واستعاد الابتسامة التي ولدت معه في حاريص، حيث الظرف الجنوبي يغمر الشعر ويغري الشعراء. شخصية ملونة مثل معظم رعيله في الجمهورية المستقلة حديثاً. يبدأ دروسه يافعاً في النجف، ثم يقرر شاباً أن يدفن الرأسمالية في مزبلة التاريخ، ولتحيا الاشتراكية العلمية والمجد للرفيق فلاديمير ايليتش. رجل يحب النقاش والحوار في حزب، الكلمة فيه للجنة المركزية. يواجه كريم مروة الرفاق في بودابست (يانوش كادار)، وفي ايطاليا (برلينغير)، وفي باريس (جورج مارشيه) بأن هذا الاختناق سوف يؤدي الى تصدع الحزب، فيكون الرد اتهامه بالانحراف. العبوس هدم الشيوعية فقرة فقرة. طبعاً سيأخذ مروة معه كارل ماركس الى كل مكان. انه لا اطلاقاً ابداً اخفاء انبهاره به، لكنه يرفض أيضاً أن يفرض ماركس عليه رجالاً مثل ستالين. أو مثل بعض اليساريين اللبنانيين الذين كانوا يشاركون السفارة السوفياتية في بيروت في احتفالها بذكرى ثورة اكتوبر. لقد حضرت الاستقبال مرة واحدة في حياتي. وعندما طالعتني فرقة الشوارب المعكوفة مثل أبو صياح، قررتُ أن من الأفضل المشاركة في بلد لم يعد يعتبر الشوارب رمزاً ايديولوجياً. حتى الرفيق سوسلوف، منظّر الحزب (وأحد أسباب خرابه، في رأي مروة)، كان قد محا عكفة الشوارب من ضرورات الاشتراكية.

لا أعتقد أن لبنانياً آخر عرف من الشخصيات العالمية قدر ما عرف مروة في هذا القاموس من الاسماء الكبرى. مرة نراه مع بابلو نيرودا، ومرة مع زعيم الفيتنام لو دوك تو، ومرة ضيفاً على محمود درويش في منزله، في عمّان. وغالباً، غالباً، في مقهى الروضة حيث كان الشاعر محمد العبدالله، أحد افراد الحلقة. وكم افتقدُ محمد العبدالله. فأيام “الملحق” وأيام محمد العبدالله، كنت أهفو قبل أي شيء الى قصائده، لكي أعرف كيف علّم رفيقة مؤتمر الشبيبة، في بوليفيا، تحضير مفرَّكة البيض والبطاطا. كان العبدالله مصنعاً للبساطة والبهجة وخلط العبقرية اللماحة بالعاديات. النسخة الحديثة من ظرف الجنوب ونوادر الشعراء. أفرحنا محمد العبدالله فرح العابثين من الاذكياء. وأحزننا مبكراً في الرحيل الأخير.

يفاجئك القيادي المناضل العقائدي المفكر الجنوبي النجفي كريم مروة، بحبه للموسيقى. يكتب وهو يستمع الى “سوناتا ضوء القمر” لبيتهوفن. يعدّد من يحب من المغنين فإذا بينهم ايف مونتان وشارل ازنافور، ناهيك بموسيقى ميكيس ثيودوراكيس زوربا اليونان الأخير. اوائل السبعينات ذهبنا في وفد صحافي رفقة الزميل جورج طرابلسي الى بلغاريا. عبرنا مرة جزءاً من جنات الأرض يسمى “وادي الورود” واسمه هو الشرح. بحث دليلنا عن مطعم، فقيل له ان لا مطاعم في النواحي، لكن في نهاية الوادي قرية فيها مطعم للعمال. عندما وصلنا الى المطعم، قيل للدليل إن الوجبات هنا على عدد العمال والغداء قد انتهى. وأطلت من المطبخ فتاة جميلة تسأل عما يريده الغرباء، فلما أُبلغت، راحت تبكي في صمت: لا. لن تذهبوا من هنا جائعين. ثم دخلت المطبخ وعادت بكل بقايا الإعاشة الشيوعية، أطيبها الفاصوليا البيضاء.

بعد الغداء الذي كان طيباً مثل اكل أمي، ذهبنا الى ساحة القرية. وكانت الساعة قد بلغت الثالثة، فرأينا القرويين يتجمعون، ويتخذون مقاعدهم. والقرويات بمناديلهن المطرزة مثل “الأويا” اللبنانية. وبعد قليل وصلت الفرقة الموسيقية المجانية. ورفع قائدها العجوز عصاه، وبدأ يوزّع “سوناتا ضوء القمر”.

تعويضاً لكل نقص آخر، كانت الانظمة الشيوعية ترفه الناس بمشاعر الموسيقى. وفي “رحلة عمر” يروي الرائد الشيوعي القادم من الجنوب أنه بسط في منزله حب الموسيقى. ولم يفاجأ عندما طلبت منه ابنته هانية تعلّم الباليه. ولا عندما تركت دراسة الاقتصاد لكي تنضم الى فرقة كركلا للرقص الشعبي. من كايمبريدج ذهبت وديعة جرار الى الرقص الشعبي هي أيضاً، فيما كان شقيقها وديع يدير عمليات خطف الطائرات. على صوت الموسيقى.

(1) كريم مروة، رحلة عمر، الدار العربية للعلوم – ناشرون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*