الرئيسية / home slide / صناعات جزين الحرفية مزدهرة رغم الوضع الاقتصادي المتدهور في لبنان

صناعات جزين الحرفية مزدهرة رغم الوضع الاقتصادي المتدهور في لبنان

زهرة مرعي
القدس العربي
07082022

هدية الرؤساء والملوك أصبحت تقليداً للعرسان الجدد

بيروت ـ «القدس العربي»:  يفخر «الجزينيون» بأن صناعتهم الحرفية من السكاكين وسواها وصلت إلى كافة أرجاء المعمورة. ويفخرون بأنها الوجهة التي تستقطب الأكثرية عندما يفكرون بهدية تذكارية من لبنان. الصناعة الجزينية الفاخرة والمميزة هدية معتمدة رسمياً من قبل القصر الجمهوري وأغلب المسؤولين، وفي زمني البحبوحة والانهيار معاً. إنها الهدية المعدّة سلفاً لكبار الزوّار، وهي التي ترافق المسؤولين في زياراتهم الخارجية.

سكاكين جزين وما توالد منها من أطقم فاخرة لزوم مائدة الطعام، حكاية بدأت سطورها عام 1770 وراحت تتطور وتنمو. علامتها الفارقة الأولى رأس العصفور، الرمز المنتصب تمثالاً في مدينة جزين. العاملون في هذه الحرفة يعلنون أنها ورغم ما يمرّ به لبنان من كساد وانهيار لا تزال تبيض ذهباً. والهدايا المميزة من تلك الصناعة ليست حكراً على المسؤولين اللبنانيين، بل مطلوبة أيضاً من كافة الدول العربية. منهم من يطلب علم هذا البلد أو ذاك يعلو ظهر الطائر، ومنهم من يوصي على قطعة خاصة تضمّ تراباً من القدس أو بيت لحم.
للسيوف حديث آخر، يطلب هدية للسفراء الغربيين الذين ينهون مهامهم في لبنان، والميسورون يطلبونه زينة للمنزل. وهكذا تواصل الصناعة الجزينية طريقها نحو مزيد من النجاح، إنما الخوف من أن تهملها الأجيال الجديدة من العائلات التي تتوارثها، وأن يتراجع عدد الحرفيين المهرة العاملين فيها.

آل الحداد أصل الحرفة

في البحث عن أصل الحرفة يبدأ التحقيق من سوق جزين العتيق الذي يضمّ سبعة محال متخصصة ببيع وتصنيع السكاكين الجزينية. ويبقى لمحل أنطوان حداد خصوصيته كونه أصل الحكاية. «أنطوان حداد كاتليري» هو التوقيع الذي تحمله المصنوعات التي ينتجها محترف أنطوان وفؤاد حداد، وهما يشكلان الجيل الخامس الذي يتابع المهنة في العائلة. تقول غريس رزق المشرفة على المحل منذ حوالي 11 عاما أن تاريخ الحرفة الجزينية يعود لسنة 1770. بدأت بصناعة أدوات قتال. فحينها كانت اليد تتناول الطعام، أو عبر ملاعق الخشب. وهكذا تخصصت الصناعة الجزينية بالخنجر والسيف والبندقية، والتي زينتها مقابض من قرون الجاموس والماعز والأغنام والفيلة. مع تطور الحياة ودخول هذه الصناعة إلى عالم أدوات الطعام من ملاعق وشوك وسكاكين، توقف نهائياً التعامل مع قرون الحيوانات، فهي مادة طبيعية حين يتمّ تنظيفها ستتشبع بالمياه، وبالتالي ستحمل البكتيريا وتتفسخ وتصبح رائحتها غير محبّذة، ولن تكون صالحة للاستعمال اليومي.
○إذاً ما هي المواد المستعملة في المقابض حالياً؟
•نستعمل «أسيتات دو سلليلوز» وهي مزيج من بودرة الزجاج والقطن والخشب. اكُتشفت بعد سقوط طائرة حربية في وادي جزين أثناء الحرب العالمية الثانية. وكان سمير حداد من بين الأطفال الذين قصدوا مكان سقوطها لتفكيكها، وغنم بعضاً من زجاجها حمله إلى قبو المنزل حيث ورشة العائلة، وصنع منه «عويسة» أي سكين صغير يُطوى. واحتفظ بما بقي من الزجاج. وكان بعمر الـ14 سنة حين جاءت سيدة انكليزية إلى جزين، واشترت منه تلك «العويسة» بـ50 ليرة، وكان مبلغاً مذهلاً. لاحظ والد سمير أن مقبض الـ«عويسة» حافظ على جودته بعد ست سنوات من صناعته، فأرسل بقايا الزجاج لفحصه في فرنسا، فكانت نتيجته «أسيتات دو سلليلوز». وهكذا صارت تستورد لصناعة المقابض الجزينية على أنواعها.
○وماذا في تفاصيل صناعة المقابض؟
•تمر بـ11 مرحلة، وينفّذ كل منها حرفي، ومن ثمّ تصل للعرض. وعلى سبيل المثال تتضمن قبضة الملعقة الكبيرة المخصصة للسكب 73 طعماً «أي الزركشة» وكل منها ينغرز لمسافة نصف سنتم. إدخال الطعم وتثبيته تنفّذه نساء جزينيات تتعاونّ مع محترف آل الحداد. وكافة العاملين في هذه الحرفة هم أبناء المدينة.
○وماذا عن مِقبض العصفور الذي أصبح رمزاً للصناعات الحرفية الجزينية؟
•لهذا الرمز روايتان. أحدها يُنسب لطائر الفينيق الأسطوري والذي لا يفنى، يحترق وينبعث من الرماد ليحيا مجدداً. وتقول الرواية الثانية أنه خلال الحرب العالمية الأولى ضربت المجاعة منطقتنا وأكل الجراد الأخضر واليابس، وإذ بعصفورة جائعة مع جلابيطها تنقد اللحم من جسمها وتطعمهم أياه. ولهذا منقار عصفور سكاكين جزين منغرز في الصدر دليل التضحية، واستلهمه حين مشاهدته أحد أبناء الحداد، وبات رمزاً لجزين.
○ماذا حلّ بهذه الصناعة مع بدء الحرب الأهلية سنة 1975؟
•لم تتأثر وبقيت على حالها. وفي الحقيقة شهد البيع ازدهاراً خلال الاحتلال الإسرائيلي. فالمحتل كان يهتم بشرائها إضافة إلى المتعاملين معه. وتراجعت نسبياً مع أزمة لبنان الاقتصادية.
○من المؤكد أن الصناعات الجزينية وخاصة أطقم طاولة الطعام ليست لجميع الناس؟
•بل باتت تراثاً في منطقتنا، وهي الهدية الاساسية للعرسان الجدد. هدية ترتفع قيمتها مع الزمن. إنها مصنوعات تورّث.
○حركة البيع الحالية محلية أم خارجية؟
•ليس لنا الفصل بين محلي وخارجي، فالعاملون في الدول العربية يشترون الهدايا ويعودون بها مع نهاية عطلهم. محلياً يشتري اللبنانيون حسب قدراتهم، وبالقطعة.
○لماذا أدخلتم الألوان إلى المقابض؟
•كان القرن سابقاً من الجاموس أو الماعز، أي أبيض أو أسود. وحين بدأ التصنيع من «الأسيتات دو سلليلوز» اقتصر على اللونين الأبيض والأسود. لكن الأجيال الجديدة تفضّل الألوان، والجيل الخامس من آل الحداد استجاب لهذه الذائقة، فلاقت رواجاً كبيراً، وتُطلب مع تحديد الألوان.
○ماذا عن المعدن الذي هو أساس أيضاً؟
•نسعمل الستانلس ستيل الفرنسي عيار 18 على 10 ويُصنع خصيصاً لنا.

أنطوان شاهين شغوف بالصنعة ويحي مهنة والده

المحطة الثانية في محاولة استكشاف جديد الصناعة الحرفية الجزينية كانت مع أنطوان شاهين فأحيا «مصلحة» والده الذي عمل فيها لخمسين عاماً. يقول: أحببت هذه الحرفة الفنية منذ صغري، وأعدت إحياء محترف والدي وتطوير العمل بالتعاون مع مزيد من العمّال المهرة. وبات لعملنا توقيعه الخاص الذي يحمل إسمنا إلى جانب الأرزة اللبنانية، وكذلك نوع الستانلس ستيل الخاص بنا. تشهد مصنوعاتنا طلباً ملحوظاً، خاصة من الشخصيات الرسمية الحريصة على اختيار هدايا محلية الهوية.
○ما هي الآليات التي تمر بها كل قطعة؟
•أتقنت المهنة على يد والدي. ويستمر العمل على المنوال نفسه معتمداً التوزيع، فلكل عامل مهمة. تنتهي كافة المراحل فأجمع القطع، وأدقق في نوعيتها وشكلها النهائي. ومن ثمّ تُعرض البضاعة.
○وكيف أتقن والدك المهنة؟
•كما أهل المدينة جميعهم عمل في أحد المحترفات الجزينية. أجيال كثيرة تعيش من هذه الصناعة. في البداية اختصّ والدي بشفرات السكاكين، وصب النحاس ليصنع منه الشوك والملاعق. ومن ثم تحضير قرون الجمال والجاموس والأغنام لصنع المقابض. والدي من مؤسسي هذه الصناعة في مرحلتها الحديثة، تعلمتها منه منذ الطفولة. خلال العطل المدرسية كنت أمضي وقتي إلى جانبه عاملاً وساعياً للتعلّم. كان حضوري إلى جانبه من تلقاء نفسي، فقد عشقت المصلحة، وهي أعادتني إلى جزين بعد 40 سنة من الهجرة.
○ما هو عمر هذا المحل الذي نحن فيه؟
•يعود لسنة 1992 بعد أن قضى توسيع الطريق على المحل القديم خلال وجودي في الخارج. الإقامة في الولايات المتحدة حيث عملت لسنوات طويلة ساعدتني في تسويق مصنوعاتي الجزينية، خاصة في مدينة هيوستن، إلى جانب التسويق أونلاين. مع العلم أن هذا المحل يحتوي على مصنوعات من شغل الوالد رحمه الله.
○ما هي المواد الأولية التي تعتمدها في صناعتك؟
•تُصنع المقابض من قرون الجاموس. أستورده كما والدي من الهند وسيريلانكا. ومن لبنان نعتمد على قرون الأغنام التي يميل لونها إلى العسلي. وكذلك قرون الماعز التي يتراوح لونها بين العسلي والأسود، إلى عظام البقر أيضاً.
○وهل ولّى زمن العاج؟
•لا يزال موجوداً لكنّه مرتفع الثمن، ويباع بالغرام كما الذهب. نستعمل في القوالب صفائح الستانلس ستيل. واختبار جودته وخلوه من الحديد يتمّ عبر قطعة مغناطيس.
○وما هو الجديد الذي أدخلته إلى هذه الحرفة؟
•منذ ثلاث سنوات بدأت تصنيع خشب الزيتون للمقابض، وتطعيمه بشريط من الفضة. مؤكد الزيتون شجرة مقدّسة، فقبل اعتماده كمقبض وضعت قطعة منه في كوب ماء لأيام فلم تتبدّل.
○ما هو العصر الذهبي لهذه الصناعة؟
•كبرت وتطورت كثيراً. سابقاً كانت قوالب الملاعق والسكاكين والشوك تُصنع من النحاس وتصبُّ في الرمل، ثم يبيضها حرفيون من بلدة جويا الجنوبية. انتقلنا إلى الستانلس ستيل من نوع «إينوكس» مرفقاً بكلمة شاهين، مع صورة الأرزة. برأي الصناعة الجزينية قطع نادرة، كلّما نظرنا إليها نكتشف مزيداً من جمالها.
○هل تراجعت هذه الصناعة ومتى؟
•تراجعت قليلاً بفعل الإغلاق وحصار مدينة جزين كما كل الجنوب خلال الاحتلال الإسرائيلي. سعينا لفك هذا الحصار بفتح أسواق جديدة تعوّض الزيارات المباشرة للزبائن إلى جزين. رغم الوضع الاقتصادي المتدهور جداً في لبنان، الطلب موجود على هذه الصناعة محلياً وخارجياً. ويمكن القول أننا نساهم في إدخال العملات الصعبة إلى بلدنا، حيث نُصنّع طلبات للعديد من الدول العربية كهدايا إلى قطع تحمل علَم هذا البلد أو ذاك، وكذلك لدول أجنبية منها الفاتيكان. الصناعة مستمرة والعاملون فيها لا يزالون يحصلون على حقوقهم.
○كم هو عدد العمّال الذين يعيشون من هذه المهنة في مدينة جزين؟
•هنا تكمن المسألة، فالمهنة تحتاج لأيدٍ عاملة جديدة. والاستمرارية ليست بأمان. أدرك منذ الآن أنه بعد رحيلي سيُقفل هذا المحل، فأبنائي مهاجرون، ولا يعرفون من الصنعة شيئا. وصيتي لهم بأن يستمروا، خاصة وأن بضاعتنا الجاهزة للبيع وفيرة. أصغر عامل في هذه المهنة عمره 60 سنة. مع العلم أنه قبل الاحتلال الإسرائيلي بلغ عدد العمّال حوالي 200 شخص.
○لماذا تحتفظ ببعض مما صنعه والدك؟ أليست قطعاً للبيع؟
•أحتفظ بقطع لكافة الصناعيين القدامى الذين صمموا جديداً وأضافوه للمهنة. بالنهاية نحن مع عمل حرفي ـ يدوي. عمل هؤلاء العمّال المهرة من دون كهرباء في محترفاتهم. ثقبوا القطع بواسطة الحبل والعصا والبكرة. وكان إنتاجهم في يوم عمل يبدأ مع طلوع الشمس وينتهي مع غيابها لا يتجاوز الخمس قطع.

 زهرة مرعي