الرئيسية / أضواء على / صلاح ستيتيه الذي كتب شعره الفرنسي بروح عربيّة… قضى حياته المديدة جوّابًا بين الحلم والفعل

صلاح ستيتيه الذي كتب شعره الفرنسي بروح عربيّة… قضى حياته المديدة جوّابًا بين الحلم والفعل

 عبداللطيف الوراري 
https://www.alquds.co.uk/
21052020

في عقده التاسع، غادرنا مساء الثلاثاء، الشاعر والكاتب والناقد الفنّي المرموق صلاح ستيتيه. وقد نعته أسرته، مثلما نعاه أصدقاؤه وقرّاؤه على صفحات التواصل الاجتماعي طوال هذا اليوم.
ويُعدّ صلاح ستيتيه (1929- 2020) الشاعر العربي الأكثر شهرة بين مجايليه، إلى جانب جورج شحادة وأندريه شديد وعبد اللطيف اللعبي، ممن كتب بالفرنسية وتُرجمت معظم أعماله إلى لغات أوروبية، مثلما إلى العربية. وقد منحته الأكاديمية الفرنسية عام 1995 الجائزة الكبرى للفرنكفونية. وقد رأى النور في بيروت، لكن سرعان ما عاش صدمة التاريخ والصراع بين الشرق والغرب وعانى الرغبة في الوحدة بينهما. وفي باريس التي هاجر إليها، واختار المنفى الطوعي فيها، كان شغوفًا على الدوام بقضايا الشعر المعاصر من خلال ما كان يكتبه في أكبر المجلّات الفرنسية منذ خمسينيات القرن العشرين، بل أسس في الفترة نفسها ملحقًا أدبيًّا أسبوعيًا (لوريان ليتيرير) لعب دورًا وسيطًا بين الإبداعات الجديدة في الغرب، وفرنسا خصوصًا، وبين انبثاق أنماط كتابة وتفكير جديدين في لبنان والعالم العربي. كما ارتبط بصداقات مع كبار الشعراء الفرنسيين، من أمثال: أندريه بروتون، وإيميل سيوران، وأندريه دو بوشيه، وروني شار، وإيف بونفوا وجورج شحادة.


ظلّ صلاح ستيتيه منصرفًا إلى إبداعه وموزّعًا بين الحلم والفعل، ووصف نفسه بأنّه «يهودي – مسيحي – مسلم – ملحد» كنايةً عن إيمانه بالإنسانية وحرية ما يعتقده. وهذا ما قاده إلى إيجاد لغة مبتكرة لا تحاول التوفيق بين هويّات رؤيته الدبلوماسية المتعددة والمحلوم بها وحسب، داخل حوض البحر الأبيض المتوسط كفضاء للقاء وليس الحرب، بل تُجسّد كذلك أسلوبه الخاص في الكتابة الذي عبّر عنه في بحثه «حملة النار» (1972)، وهو مقدمة لشعره ودراسة معمقة للجذور الروحية للعالم العربي، فضلا عن مستقبله المحتمل. يبسط مفهومه للقصيدة، قائلا: «وهي تكفّ عن أن تكون وصفًا، وتسميات، ومخزونًا سطحيًّا، ستكون القصيدة عقدة من القوى المستهلكة داخل الفعل نفسه الذي يعقد بعضها إلى بعض، والآيلة إلى مادة غير مرئية، ومجالٍ مغناطيسيٍّ». داخل هذا الفضاء من الاستهلاك الذي يُميّز شعره، تتحوّل القصيدة عنده إلى بوتقة انصهار حقيقية؛ حيث كلّ التباين المتناقض للعالم سوف يتركّزُ فجأةً في سبيكة من الكثافة الاستثنائية التي ترتقي إلى أعلى نقطة من الوحدة. وهذا الأسلوب الواعي والمختلف هو ما تَجسَّد في سلسلة من مجاميعه الشعرية، ابتداءً من: «الماء البارد المحفوظ» (1972)، «شذرة» قصيدة (1973)، بعكس الشجرة والصمت (1980) الذي نال عنه جائزة ماكس جاكوب.
ورغم انفتاحه على الشعر الغربي، إلا أن قدرته تتجلى في القطع معه وابتداع شكل جماليّ يستثمر تراث الغزل العربي بشكل يجعل من كل قصيدة آية من الغناء الذي لا يُحدّ، ويجعل من الكتاب ترتيلًا وفسيفساء من الألوان البديعة والصور العذبة التي تخترقها صوفيّة ما تتراءى لنا بلا انفكاك بين الألم والرغبة، الجرح والمتعة.
وكانت أحدث إصداراته مجموعة من القصص القصيرة بعنوان: «القط الملون»، وديوان شعر بعنوان: «الكائن» (2014)، بالإضافة إلى مذكراته التي سمّاها «حفلة جنون» (2015).
يتبوّأ إبداع صلاح ستيتيه منزلة خاصة في الأدب الفرنكفوني الحديث والمعاصر، إلا أنّ حضوره يكاد يكون باهتًا في نادي القراءة العربي، ولم يترجم من دواوينه سوى بضع منها مثل: «حمّى الأيقونة وشفاؤها» (رواد طربيه)، و«قراءة امرأة» (مصباح الصمد)، وأما أفكاره وآراؤه السياسية والفكرية فقلّ أن رُحِّب بها في عالم مضطرب ومثقل الهزائم.
كتب الشاعر والناقد اللبناني شربل داغر في افتقاد صلاح ستيتيه:
«غياب صلاح ستيتيه… منتظر، بكل أسف، منذ سنوات، في معكتفه الباريسي الحزين. لم انجح حتى في التحادث معه، وفي بلوغ صوتي إليه، قبل سنتين.
ميتة مؤسفة لشاعر كريم النفس، ومتوقد. خصوصا أنه شاعر زمن مضى، حامل لتطلعات عليا للقصيدة، في سوية شعراء الفرنسية الكبار بين نهايات التاسع عشر، ومطالع القرن العشرين. الثقافة اللبنانية بالفرنسية افتقدته، بعد شارل القرم وجورج شحادة ونادية تويني وغيرهم، في ما مازالت تتعزز بأسماء غيره بعده.
أنا حزين لفقدانه، ولا تكفيني ذكرياتي العديدة معه، في مكتبه في الأونيسكو، وفي مقاهٍ، وفي رحلات مشتركة… لا تكفيني ذكريات الكتابة عنه، ولا مقالته عن شعري المترجم إلى الفرنسية في مجلة «أوروبا»، ولا الطعم اللذيذ لصحن «الكبة» الطيبة في بيته… لا تكفيني، لا هي، ولا كتاباته المتوهجة والعميقة (لا سيما في جمالية الفن الإسلامي)، فهو ممن يرافقون العمر في امتداده، وعذوبته، وحزنه».
ووجّه الشاعر المغربي صلاح بوسريف تحيّةً له، قائلًا: «رحل صلاح ستيتيه. شاعر كتب بغير العربية، لكنه كان يعرف جيدا ما يجري في أراضي العربية من شعر، ممن جايلوه، ومن جاؤوا بعده. في مهرجان «سيت» الشعري، الذي يقام سنويا بمدينة «سيت» جنوب فرنسا، كان لقاؤنا، وكان حوارنا في الشعر، وفي قضاياه. وكنا سجلنا معه حوارا مطولا، على شكل ندوة صحافية، بقي التسجيل الكامل مع الراحل الشاعر جهاد هديب، لم ينشر بعد. كان حوارا استثنائيا، بكل المقاييس، لما فيه من نقد وجرأة لتجارب بعض الشعراء مثل نزار قباني وأدونيس.
شاركت مع صلاح ستيتيه وآخرين، في ندوة عن الشعر، في إحدى الحدائق العمومية التي كانت ساحة لعرض الدواوين الشعرية. كانت ندوة باللغة الفرنسية، دار فيها نقاش، كان فيه صلاح ستيتيه، كعادته، دقيقا في تصوره، وفي دفاعه عن الأفق التحديثي الذي اختار أن يكتب فيه، كما يفعل الشاعر الذي له وعي بمشروعه الشعري، وبما يختزنه هذا المشروع من مغايرة ودهشة واستثناء».
واختار الشاعر اللبناني عيسى مخلوف كلمات كتبها صلاح ستيتيّه ذات يوم:
«أشعلتِ الشّمسُ منزلَ الشّمس
هدأت الموسيقى الفانية، طفلةُ الرمادِ
الجميلة، شوّهَتها نسمةٌ
جميلةٌ ومُرحَّبٌ بها. في اللامخيّلةِ
ستنامُ الموسيقى
مُحاطة بطبولِ العدَم
منزلي من زجاج
يحرسه هَزار الصَّمت
الشيء الوحيد الأكيد».
وترجم له الشاعر المغربي مبارك وساط، هذه الشذرة:

كنت أمضي وحيداً جِدّاً مُرافقاً يديّ
كلّ واحدة منهما مفتوحة للّيل الذي لا يتبدّل
كنتُ أخترق جدارَ نحلاتٍ، نائماتٍ جميلات
كنتُ أفكِّر في سعادة قديمة مقتولة
ثمّ نمتُ وسط زليجاتٍ من بياض
كان الثلج قد وضع عليها فمه.

٭ شاعر مغربي