الرئيسية / مقالات / صدمة حداثة ضربت ابنة الشاه

صدمة حداثة ضربت ابنة الشاه

 حسن داوود 
القدس العربي
06022019


كان ناصر الدين شاه القاجاري، السلطان الإيراني، قد قصر محتوى يومياته على فترة قليلة من حياته، وهي الأشهر الستة التي استغرقتها رحلته إلى فرنسا*. لم يذكر ذاك السلطان شيئا يتعدّى تلك الرحلة التي حرص على وصف مراحلها بالتفصيل، متوقفا عند كل انتقال، ابتداء من مغادرته طهران وصولا إلى فرنسا مرورا بدول أوروبية كانت في طريقه. الأحرى أن ما كتبه لم يزد عن وصف الطرقات والأبنية والمنشآت، وكذلك الاستقبالات التي حظي بها ومظاهر العمران وأنماط العيش التي توقف عند اختلافها عن عيش الإيرانيين. وباستثناء كتابته عن دوار أصابه في البحر، وعن اعتلال أصابه بسبب تغيّر المناخ وأنواع الغذاء غير المألوفة لديه، لم يذكر شيئا عن أفكاره ومشاعره، ولا عن شخصه. بدا كأنه في رحلة عمل دبلوماسي، وتعريفي تاليا، طالما أن القصد من كتابته ليومياته كان إطلاع الإيرانيين على ما شاهده وما أجراه في ذلك البلد.
ابنته تاج السلطنة كانت أكثر انفتاحا بكثير في كتابها «ذكرياتي». لم يسبق أن كتبت امرأة في إيران يومياتها قبلها، بل لم يسبق ذلك لرجل، حسب ما تذكر مقدمة الطبعة الفارسية للكتاب. لا يشذ عن ذلك كتاب والدها ناصر الدين شاه، إذ لم يكن كتاب «ذكريات» ذا طابع شخصي. أما هي فسعت إلى مخالفة كل ما يمكن أن يبدو حياديا أو محظّرا. تناولت بكثير من التفصيل جوانب أساسية من حياتها الخاصة في البلاط السلطاني، ولم تخفِ شيئا من مشاعرها تجاه رجال أُغرمت بهم في وقت ما كانت مخطوبة لشاب لا تحبه. ولم تتحفظّ عن الكلام عن غيرتها من نساء كان زوجها يتردّد عليهن، فيما كانت ترى أن لا امرأة في إيران تضاهيها جمالا: «لا توجد امرأة بجمالي وحسني بين النساء جميعهن في إيران»، وهي زادت ثقافتها إلى ما تختلف به عنهن، لكنها مع ذلك كتبت عن محاولتها الانتحار مرات ثلاث، وعن إجهاضها لجنينها خوفا من أن يصيبها ما أصاب ابنة أخيها مظفر الدين شاه التي توفيت أثناء وضعها لمولودها.

لم تتحفظّ عن الكلام عن غيرتها من نساء كان زوجها يتردّد عليهن، فيما كانت ترى أن لا امرأة في إيران تضاهيها جمالا.

كما أنها كتبت صفحات عن خوفها من الموت، وعن ميلها إلى العزلة، وكذلك عن مقتها لفساد الحاكمين في إيران، واستيلائهم على ثروات بلدهم. كما كتبت أيضا صفحات عن ضرورة أن تنزع الإيرانيات الحجاب الذي يعيق حركتهن ويحول بينهن وبين تحرّرهن. ذاك أن «خراب البلد كله، وسوء الأخلاق، والشناعة، وعدم التقدم في كل أمر، يعود بسببه إلى حجاب المرأة». وهي لا تكتفي بإطلاق أحكام عامة ضد الحجاب، بل تقدم ما يشبه الدليل والسبب على ضرورة نزعه حيث، حسبها أيضا، يقع على عاتق الرجل، أو الشاب، أن يعمل وحده ليعيل أمه وأخته وزوجته وابنة أخيه فيتقسم ما يتقاضاه على خمسة أفواه أو ستة أفواه. وهي تورد مثلا على الحياة المختلفة بنتيجة تحرر النساء من حجابهن، حيث، في القرى، وعلى طول الطريق إلى تبريز: «كنت أرى الرجال والنساء منهمكين في العمل معا، وبدون حجاب». وهي تشير في مواضع أخرى من الكتاب إلى أن الفلاحات هن أكثر تحررا من ساكنات المدن.
وما يدفع جرأتها إلى حدودها القصوى إقرارها بأن ما عرفته وتثقفت به أوصلها إلى ازدراء الدين. كتبت في ذلك أنها توصلت إلى أن تكون «طبيعية» ملتزمة ما توصّل إليه العلم من فصل بين ما هو حقيقي وما هو خرافي. كان ذلك بنتيجة تأثرها بكتاب غربيين أمثال فيكتور هوغو وجان جاك روسو وبسمارك، وكتّاب آخرين لم تتزود منهم بأفكار عن التقدم وحسب، بل إنها تأثرت بأساليب كتاباته ذات الطابع الروائي أو الدرامي. الصفحتان الأوليان من كتابها بدتا مقدمتين لعمل روائي فني أكثر مما هما لعمل تحقيقي سردي وهي، على مدار فصول الكتاب، ظلت موجّهة حكايتها إلى من تسميه أستاذي، هذا الذي سيظل مخاطَبا ومجهولا في الوقت نفسه، حتى الصفحة الأخيرة من الكتاب.
الكتاب الذي يبدأ مثلما يبدأ عمل كتابي فني لا يلبث أن يخوض في كل شيء، في السياسة والإصلاح الاجتماعي والدعوة إلى الثورة الفكرية وتناول الحياة الخاصة المذكورة جوانب منها أعلاه. وفي أكثر ذلك كانت تبدو قناعات المؤلفة مضطربة، مازجة التكوين الشخصي بالثقافة المتحصلة. كانت تدعو إلى قيام ثورة نسائية لكنها، في الجانب الشخصي، تضع نفسها في مواجهة النساء اللواتي يقلّدن لباسها وزينتها من دون أن يتمكن من أن يكن جميلات وأنيقات مثلها. كما أنها رغم إيمانها بثورة المشروطة التي قام بها أخوها مظفر الدين شاه قابلا بأن يتقاسم الحكم مع برلمان، ظلت منحازة إلى ما كانه حكم والدها.
خليط من أفكار جديدة ونوازع اجتماعية وشخصية جديدة، ومشاعر مجلوبة اندمجت بغرائز طبيعية. يبدو ذلك كأننا إزاء آثار الصدمة الأولى لغزوة ثقافة أوروبا، أصابت شخصا من عائلة السلطان هذه المرة.
*كنا قد قدمنا عرضا على هذه الصفحة ليوميات ناصر الدين شاه. يوميات ابنته تاج السلطنة «ذكرياتي» هو أيضا صدر عن دار المتوسط، بالتعاون هذه المرة مع «ارتياد الآفاق». والكتاب حاز جائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات المترجمة إلى العربية 2017-2018، وقد نقلته إلى العربية مريم حيدري في 220 صفحة.

٭ روائي لبناني

اضف رد