الرئيسية / مقالات / صدف عجيبة في المساعدات الحكومية وإعاشات الأحزاب

صدف عجيبة في المساعدات الحكومية وإعاشات الأحزاب

نادر فوز|الإثنين27/04/2020
Almodon.com

400 ألف ليرة، أي 100 دولار أميركي، أي ثمن صوت انتخابي في مختلف المناطق اللبنانية (Getty)

قبل شهر أقرّت الحكومة اللبنانية جدول مساعدة الأسر الأكثر فقراً. وباشرت فرق من الجيش، قبل أسبوعين، توزيع 400 ألف ليرة على هذه العائلات، بحسب الخطة الموضوعة. عائلات المياومين، أهالي طلاب المدارس الرسمية، السائقون العموميون، ولاحقاً متطوعو الدفاع المدني والمزارعون وصيادو الأسماك وذوو الاحتياجات الخاصة والعجزة. وبشكل متوازٍ كان يفترض أن تُجمع المعلومات والطلبات لدى السلطات المحلية لمساعدة الأسر الفقيرة في البلدات والقرى والمناطق المختلفة. لكن العملية توقّفت لأنّ جمع الاستمارات لدى المجالس البلدية والمخاتير تسرّبت إليه المحسوبيات والتزوير والفساد. 400 ألف ليرة فيها محاصصة وحسابات سياسية أيضاً. صدفة.

السلّة الأساسية
400 ألف ليرة، لشراء جبن وزيت وأرز وعدس وبرغل وسكّر تكفي عائلة مؤلفة من 4 أشخاص لأسبوعين على حدّ أقصى. ستتناول العائلات الجبن إنّ اشترت الكيلو بـ25000 ليرة بلا شاي، كون علبته باتت بعشرين ألف ليرة. لن يغسلوا ملابسهم لانّ مساحيق الغسيل بـ25000 ليرة. حتى كيس الحمّص الحب بات بـ11000 ليرة. والمسؤول عن تربية طفل واحد، سيشتري عبوة حليب الأطفال بـ41000 ليرة، وكيس الحليب السيءّ بـ32000 ليرة، عدا كيس الحفاضات بـ41000 ليرة وغيرها. لا يمكن التصرّف بمساعدة من 400 ألف ليرة لتأمين سلة المواد الغذائية والأساسية للعيش لـ10 أيام. لم تأكل العائلة بعد لحماً ولا دجاجاً. حتى علبة التونا، الشائعة أيام الحرب والعيش في الملاجئ، باتت بـ7000 ليرة. علبة اللحم المدهن المعلّب، المملّح والمقيت، بـ9000 ليرة. فمأكولات الحرب الأهلية وملاجئها، بمدنييها ومقاتليها، ممنوعة حتى على اللبنانيين اليوم. صدفة ثانية.

كابتن بوب مجدداً
من زمن الحرب، نستعيد مقاطع من مسلسلات آنست اللبنانيين في ملاجئهم. “كابتن بوب”، إبراهيم مرعشلي، الذي يدخل ملحمة لشراء نصف كليو من اللحم. تنقصه بضع ليرات فيخرج لاستدانتها، يعود ليجد أن سعر اللحم قد ارتفع. يغيب مجدداً لتأمين الباقي، فيرتفع السعر من جديد. يخرج ويعود، واللحام جالس بالقرب من الراديو، يتابع أسعار صرف الدولار، فينتهي المشهد بصحن فلافل. السيناريو نفسه، حصل قبل أيام مع أحد الأصدقاء. دخل أحد المحال لشراء حليب للأطفال، سعره الاعتيادي 37000 ليرة. سأل عن السعر فأجابت الموظفة أنه بـ41000. حمله ووصل إلى الصندوق، فخرجت التسعيرة بـ49000. لكن الفلافل لا تنفع في هذه الحالة. وقصة أخرى عن الأسعار، بطلها بائع فواكه وخضار في النبطية سعّر خضرواته، لكن عند شرائها، زاد 500 ليرة على كل كيلو منها بحجّة ارتفاع الدولار. “كابتن بوب”، المرحوم، لن يموت. لا يمكن أن تموت مآثره طالما أنّ الحال هي نفسها من الحرب إلى اليوم. صدفة ثالثة.

من أيام الحرب
آخر أيام الحرب الأهلية، باع محل للحلويات في منطقة الحازمية رغيف الخبز الفرنسي بألف ليرة لبنانية. امتنع عن صناعة الخبز العربي لأغراض تجارية، وفضّل بيع الخبز الفرنجي لأنه أربح بكثير. وازداد الإقبال على هذه الأرغفة، نتيجة انقطاع الطحين والمواصلات في ظروف الحرب، ورفع التاجر سعر الرغيف الواحد إلى ألفي ليرة لبنانية. فتجتمع عائلات في ملجأ واحد ويتقاسم أبناؤها رغيفاً واحداً أو رغيفين، عليهما جبن مطبوخ. يغمسّون ما تبقى من فتات في كوب الشاي ويأكلون بينما القصف شغّال في الخارج بين “تحرير” و”إلغاء”. يومها كانت الأحزاب توزّع المساعدات على الناس أيضاً، على محازبيها حصراً. ومن لا يدعم القضية فليشتري رغيف الخبز الفرنجي بألفي ليرة، ليمت جوعاً كالأعداء الذين تم قطع الطحين عنهم. عودّتنا تلك الأحزاب على نمط الإعاشات. من زمن الحرب إلى اليوم، ساد هذا النمط في كل شيء، تجمع الأحزاب الفتات وترميه للناس، كالقطط. فنأكل، نلعق أنفسنا، ونجلس بانتظار المزيد. صدفة رابعة.

400 ألف ليرة، أي 100 دولار أميركي بحسب سعر الصرف الأخير، إن وُجد إلى الدولار سبيلاً لدى الصيارفة. 100 دولار أميركي، أي ثمن صوت انتخابي في مختلف المناطق اللبنانية. صدفة خامسة أخرى، عجيبة؟ سلطة تحاول استبدال الرشوة الانتخابية بمبلغ مالي تافه في زمن الجوع. ليس كل ما سبق صدف. نحن لا نعوم في بحر من الصدف، بل نعيش نمطاً سياسياً حزبياً حقيراً.

اضف رد