الرئيسية / home slide / صحيفة إسرائيلية: لبنان بعد الانفجار… بين أبخرته الأخيرة وانتظار “أوكسجين” بايدن

صحيفة إسرائيلية: لبنان بعد الانفجار… بين أبخرته الأخيرة وانتظار “أوكسجين” بايدن

تسفي برئيل
18 – ديسمبر – 2020
هآريتس

صحيفة إسرائيلية: لبنان بعد الانفجار… بين أبخرته الأخيرة وانتظار “أوكسجين” بايدن

“لا يمكن ابتزاز رئيس حكومة، هذا أمر نهائي، ولن نوافق على ذلك”، هذا ما قاله رئيس حكومة لبنان المعين سعد الحريري هذا الأسبوع. غضب الحريري جاء نتيجة إعلان القاضي الذي يحقق في قضية الانفجار الدموي بميناء بيروت، والذي ينوي بموجبه استدعاء جميع رؤساء الحكومة الذين شغلوا هذا المنصب منذ 2013 للتحقيق، وهي السنة التي رست فيها السفينة التي أنزلت حمولة الأمونيا القابلة للانفجار في مخازن الميناء. تجرأ القاضي فادي صوان على اتهام رئيس الحكومة السابق حسن دياب بالمسؤولية العامة عن الانفجار، واستدعى ثلاثة وزراء سابقين للتحقيق إضافة إلى عشرات الشهود الذين تم التحقيق معهم في السابق والمعتقلين الذين ينتظرون المحاكمة.

 ولن يضعف صدى ذلك الانفجار الذي قتل فيه حوالي 200 شخص وأصيب أكثر من ثلاثة آلاف شخص وترك مئات الآلاف بدون مأوى. الشعب اللبناني الغارق في صراع بقاء قاس يظهر طول النفس، وحتى الإضرابات العامة التي كان من المخطط القيام بها ألغيت أو فشلت. ولكن الخشية من انفجار الغضب المكبوت في موسم الأعياد القريب. قوات الأمن والجيش والشرطة تلقت التعليمات للاستعداد بصورة خاصة قبيل احتمالية اشتعال الشوارع مجدداً.

محللون في لبنان يحذرون بأنه ليس بالإمكان الاكتفاء باتهام وإدانة أشخاص غير مهمين، مثل العمال الذين عملوا على إصلاح الثغرة الموجودة في الجدار الذي كان يحيط بمنشآت الأمونيا الخطيرة التي انفجرت. الجمهور يريد هذه المرة رؤية قطع الرؤوس في أوساط السياسيين وأرباب المال الذين عرفوا طوال سنوات على الخطر ولم يفعلوا شيئاً.

للوهلة الأولى يبدو أن تحقيق القاضي صوان يستهدف الاستجابة لطلبات الجمهور واتهام النخبة الإجرامية. والعاصفة التي أثارها باستدعاء رؤساء حكومات ووزراء تدل على أنه يتعامل مع مهمته بشكل جدي. ولكن لبنان ليس دولة تقدم سياسييها للمحاكمة، وبالأحرى رؤساء حكومة. ثلاثة وزراء تم استدعاؤهم للتحقيق – وزير المالية السابق علي حسن خليل، وزير المواصلات السابق غازي زعيتر، ووزير الأشغال العامة السابق يوسف بنيانوس – ببساطة تجاهلوا أمر الاستدعاء ولم يمثلوا للتحقيق. وأوضح وزير الداخلية بأنه لا ينوي إصدار أوامر اعتقال ضدهم وإجبارهم على المجيء للتحقيق معهم. ومثلهم أيضاً تصرف رئيس الحكومة الانتقالية دياب. “قلت كل ما  أعرفه ولا أنوي الإجابة على مزيد من الأسئلة”، أوضح دياب في إجابته على أسئلة وسائل الإعلام.

رؤساء حكومة سابقون لم يتطرقوا إلى التحقيق، وكأنهم لم يكونوا يوماً ما شركاء في الإهمال واللامبالاة. وقال الوزراء المطلوبون للتحقيق بأن ليس للقاضي صلاحية لاستدعائهم وأنهم يتمتعون بحصانة برلمانية. ويبدو أنه ادعاء ليس له أي أساس قانوني، حيث إن الجرائم التي يتوقع التحقيق معهم بسببها لا تتعلق بعملهم البرلماني، بل بإهمال جنائي.

قد يستمر هذا التحقيق لفترة طويلة، ومن غير المستبعد أن يقرر القاضي الاستقالة إذا لم يستطع تنفيذ مهمته. والمفارقة هي أن تعيين قاض للتحقيق هو من صلاحية مجلس القضاء الأعلى الذي تعين الحكومة أعضاءه بصورة شخصية. اعتقد هذا المجلس أن صوان في جيبهم وأنه لن يذهب بعيداً أكثر مما يعتقدون. في هذه الأثناء أعلن صوان عن رفضه تمديد فترة التحقيق بعشرة أيام، وموازاة لذلك قدم التماساً لإقالته.

       الأنظار موجهة نحو واشنطن

تستخدم فضيحة التحقيق في هذه الأثناء كقناة تصريف لخلاف أكثر أهمية يؤخر، منذ ثلاثة أشهر، تشكيل حكومة متفق عليها. عندما ألقى الرئيس عون في تشرين الأول على الحريري مهمة تشكيل الحكومة، كان يظهر أنهما توصلا إلى تفاهمات حول تشكيلتها، وأن باستطاعة الحريري عرضها على حكومته خلال فترة زمنية قصيرة.

كان الحريري، الذي استقال في المرة الأخيرة في تشرين الأول قبل سنة، مرشحاً تتفق عليه معظم الأحزاب الرئيسية في لبنان، بما في ذلك حزب الله، وحظي بدعم من فرنسا وأمريكا. ولكن مؤخراً حدث بينه وبين الرئيس خلاف شديد أساسه مطالبة عون بتحديد الوزراء المسيحيين الذين سيكونون في الحكومة، ولكن الحريري يعارض هذا لأنه يخشى، وبحق، من أن يكون من بين من سيعينهم الرئيس من عملوا ضده في فترة ولايته السابقة، ومن بينهم جبران باسيل، صهر الرئيس. يدعي عون من ناحيته أنه لا يمكن أن يقرر رئيس الحكومة السني من هم الوزراء المسيحيين. في حين أن الرئيس المسيحي لا يمكنه تحديد من هم الوزراء السنة الذين سيكونون في الحكومة.

هذا ليس مشهداً جديداً على المسرح السياسي اللبناني، الذي سبق وشاهد في الثلاثين سنة التي مرت منذ انتهاء الحرب الأهلية فترات طويلة مرت على الدولة دون حكومة فاعلة.

هذا ليس مشهداً جديداً على المسرح السياسي اللبناني، الذي سبق وشاهد في الثلاثين سنة التي مرت منذ انتهاء الحرب الأهلية فترات طويلة مرت على الدولة دون حكومة فاعلة. الخلاف حول تشكيل الحكومة ليس خلافاً شخصياً فحسب، بل هو خلاف يمس قدرة الحكومة على العمل واتخاذ قرارات مصيرية حاسمة، المطلوب اتخاذها الآن إزاء تحطم الاقتصاد في لبنان. وحسب الدستور، مطلوب أغلبية ثلثي أعضاء الحكومة للمصادقة على القرارات الأساسية، ويكفي أن تتمتع إحدى الكتل بثلث زائد واحد من بين أعضاء الحكومة كي تمنع اتخاذ أي قرار. من هنا تأتي أهمية التشكيل الشخصي والحركي لوزراء الحكومة، فهي بهذه التشكيلة مرهونة لصلاحية رئيس الحكومة في تمرير إصلاحات حيوية، والتي تشكل الشرط للحصول على المساعدات من الدول المانحة.

هذه ليست العقبة الوحيدة التي تواجه الحريري. فالولايات المتحدة أوضحت بصورة فظة أنها لن توافق على أن يكون في حكومة لبنان ممثلون عن حزب الله. وفرنسا في المقابل لم تضع هذا الشرط، فهي تميز بين الجناح السياسي والجناح العسكري لحزب الله وتعرف أنه بدون حزب الله لا توجد أي احتمالية لتشكيل الحكومة. ولكن الولايات المتحدة هي التي تمسك بيدها حنفية التمويل الدولي الذي يحتاجه لبنان، وبدون مصادقتها ليس هناك احتمالية بأن يقدم صندوق النقد الدولي للبنان قرضاً بمبلغ عشر مليارات دون التي طلبها من الصندوق.

رئيس فرنسا، إمانويل ماكرون، كان يتوقع أن يزور لبنان للمرة الثالثة هذا الشهر في محاولة لإحداث معجزة في تشكيل حكومة. ولكنه الآن هو مصاب بكورونا، التي كما يبدو أنقذته من فشل زيارته. ويمكن معرفة درجة تفاؤله من الصورة المجازية الكئيبة التي استخدمها وزير خارجيته جان ايف دي لودريان، عندما قال في هذا الأسبوع بأن تحطم لبنان يشبه غرق سفينة “التايتانيك” بدون الموسيقى.

عيون فرنسا والنخبة السياسية في لبنان موجهة نحو واشنطن ونحو موعد دخول بايدن إلى البيت الأبيض. في السيناريو المتفائل ترتسم صورة بايدن وقد بدأ بالدفع قدماً بعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وهي عملية ستقلص الضغط على حزب الله، أو على الأقل ستجعل حزب الله يتنازل عن مطالبه السياسية في لبنان. وبهذا يتمكن الحريري من تشكيل الحكومة وإنقاذ الدولة.

السؤال هو: هل سيربط بايدن بين الاتفاق النووي واستئناف المفاوضات مع إيران وبين موقفه وموقف الكونغرس من حزب الله. في هذا السياق ليس من نافل القول أن نذكر بأن الرئيس أوباما، المسؤول السابق عن بايدن، امتنع عن مهاجمة سوريا خوفاً من أن يضر هذا الأمر بالاتصالات التي أجرتها إدارته مع لبنان حول الاتفاق النووي. وليس من الواضح إذا كان بايدن يستند إلى هذه السابقة ويتبع تكتيكاً مشابهاً، أم سيواصل سياسة الضغط الشديد على لبنان وحزب الله دون أي علاقة بإيران.

       كسب الوقت

القيادة اللبنانية تحاول الآن كسب الوقت إلى حين تتويج بايدن، ويبدو أن تشكيل الحكومة اللبنانية سينتظر إلى ما بعد الاحتفالات في واشنطن.

هذه الحسابات تشغل القيادة اللبنانية، التي تحاول الآن كسب الوقت إلى حين تتويج بايدن، ويبدو أن تشكيل الحكومة اللبنانية سينتظر إلى ما بعد الاحتفالات في واشنطن. في المقابل، بالنسبة للجمهور اللبناني فإن كل يوم يمر بدون حكومة وبرنامج اقتصادي واقعي يبعد احتمالاته في إعادة إصلاح حياته أو حتى شراء السلع الأساسية بأسعار معقولة، والحصول على الأدوية وعلى لقاح كورونا أو عودة التعليم المنتظم.

أعلن البنك المركزي في لبنان بأن جميع احتياطي العملة الأجنبية التي بحوزته تكفي لاستيراد السلع الأساسية لمدة شهرين فقط، بعد أن تم إفراغ خزينته بوتيرة تبلغ نحو مليار دولار شهرياً. الخط الأحمر الذي أعلن عنه البنك يبلغ 17 مليار دولار والتي لا يجب المس بها لأنها تشكل حوالي 15 في المئة من ودائع المواطنين في البنوك. ولكن قد يهبط هذا الخط لتمويل الاحتياجات الضرورية، وبهذا قد يقف النظام البنكي أمام تهديد حقيقي للانهيار. بعض البنوك سبق وقررت إخراج نشاطاتها من لبنان ونقلها إلى دول أخرى، حيث أنه وفي نفس الوقت، وبتعليمات من البنك المركزي، جُمدت دائع المواطنين بالعملة الأجنبية في أقبية البنوك دون قدرة على سحبها.

الحكومة الانتقالية تفحص في هذه الأيام تقليص حجم الدعم للسلع الأساسية بنسبة كبيرة، ويتوقع أن يرتفع سعر هذه السلع بعد أن ارتفع في السنة الماضية بحوالي 100 في المئة وأكثر. يضاف إلى ذلك وباء كورونا الذي أزهق حياة أكثر من 1200 شخص في لبنان، وقد يلغي احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية، التي هي فترة الذروة في السياحة اللبنانية التي تعيل عشرات آلاف العائلات طوال السنة. الفنادق غير مشغولة تماماً، وأصحاب المطاعم يطلبون من الحكومة السماح لهم بفتح مصالحهم التجارية وإدارة اكتظاظ الزوار بأنفسهم. ولكن المشكلة أن ليس هناك من يأتي إلى لبنان.

وقريباً يتوقع أن يفتتح موسم التزلج الذي جذب الكثير من السياح من دول الخليج، ولكن سيبقى أيضاً بدون زبائن. لقاح كورونا لم يصل إلى لبنان بعد. وحسب أقوال رئيس الحكومة، يتوقع أن يصل في منتصف شباط. وإذا كان قد قيل حتى الآن عن لبنان بأنه يعيش على البخار، فيبدو أن الأبخرة الأخيرة آخذة في التبخر.

بقلم: تسفي برئيل

 هآرتس 18/12/2020