الرئيسية / home slide / “صحافة النسيان” لرياض الريس.. تلميع الذاكرة

“صحافة النسيان” لرياض الريس.. تلميع الذاكرة

المدن – ثقافة|الجمعة27/11/2020
Almodon.com

أردت من هذا الكتاب أن أعيد الاعتبار الى الذاكرة الصحافية

عن شركة رياض الريس، وصل كتاب “صحافة للنسيان” الذي أصدره الصحافي رياض نجيب الريس قبل أيام من وفاته، ويتضمن مجموعة من المقالات والمقابلات التي كان نشرها في عدد من الدوريات والطبوعات العربية على مراحل منذ الستينات الى اليوم، ويتطرق الى مواضيع لتلميع الذاكرة سواء أكان سقوط لبنان أو تدمير سوريا أم فشل فكرة القومية العربية الى جانب قضايا الأمة العربية التي تكاد تتلاشى أيضًا، علاوة على شخصيات لمعت ثم غابت، أو أومضت ثم انطفأت بعدما تركت أثرًا كالشاعر القروي (رشيد سليم الخوري)، وجورج أورويل، وإمام الاسماعيلية الآغا خان، والمصرفي يوسف بيدس والقصة المثيرة لاعتقاله في سويسرا، وهذا ما يرويه رياض الريس في كتابه الأخير.

وجاء في المقدمة:
“تذكرت وأنا اهم في كتابة هذا المقمة كتاب صديقي الشاعر الكبير الراحل محمود درويش “ذاكرة للنسيان” الذي تعلمت منه كيف يقاوم المرء تلاشي الذاكرة ليصبح النسيان في اهمية كل الذكريات. وتذكرت أيضاً مقولة الجنرال الاميركي دوغلاس ماك ارثر، محرر اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، إذ قال بعد تقاعده في عام 1951 امام الكونغرس الاميركي جملته الشهيرة: “إن الجنود القدامى لا يموتون ابدّا، انما يتلاشون”.
توقفت عند جملة الجنرال الاميركي لانها تعني الصحافيين والكتّاب بقدر ما تعني العسكريين، لأستبدل بكلمة “يتلاشون” كلمة “يتقاعدون”، فالجنود يموتون، قد يتلاشون، لكن الصحافيين والكتّاب ما دام لهم قصاصة ورق عليها حروفهم وكلماتهم، فهم احياء يُرزقون عند ربهم والقراء معا، لذلك استخدمت كلمة يتقاعدون لأنها تحمل معنى الحياء لا الفناء.
بعد عشرين عاماً من تقاعدي المهني والفعلي، قررتُ توظيف هذا المصطلح في نبش بعض تاريخي الصحافي، وفي العودة الى ما اسميه أن تاريخ ما اهملته لصحافة والقراء معا. إنها صحافة النسيان”.
“(…) أردت من هذا الكتاب أعيد الاعتبار الى الذاكرة الصحافية لما نسيه اليمنيون والخليجيون، وباقي العرب من ماض استهلك كثيراً من الخسائر والقليل من الأرباح”.

من الكتاب:
مقطع من مقال “العلاقات اللبنانية السورية: من السوري القلق الى اللبناني الخائف”

“لعلّ قصّة شعبٍ واحد في بلدَين المسكوت عنها في تاريخ العلاقات السوريّة – اللبنانيّة تبدأ أيّام الانتداب الفرنسيّ وعند قيام الدولة اللبنانيّة المحكومة بوحدة التاريخ والجغرافيا مع سورية التي هي من ثوابت التعامل بين البلدين.

في شباط/فبراير ١٩٣٣ أدلى غبطة بطريرك الموارنة مار أنطونيوس بطرس عريضة بحديثٍ إلى «المقطّم» المصريّة إبّان المفاوضات التي كانت جاريةً آنذاك بين المفوّض الساميّ الفرنسيّ في سورية ولبنان المسيو پونصو، وبين الحكومة السورية. وكان جلّ الحديث تعقيباً على بيان كان قد أدلى به پونصو أمام لجنة الانتدابات في عصبة الأمم، ذكر فيه أنّ لبنان بين البلدان التي قبلت الانتداب بطيبة خاطر، وذلك لاختلاف مذاهب سكّانه، ورأى أنّ جميع هذه المذاهب من الأقلّيّات التي لا يمكن واحدةً منها أن تسود الأخرى. لكنّ بطريرك الموارنة علّق لمراسل «المقطّم» في بيروت على كلام المفوّض السامي بقوله: «نعم، نحن قبلنا هذا الانتداب بطيبة خاطر. أمّا الأقلّيّات والأكثريّات وقولهم فينا فلا يعنينا، فلبنان وطنٌ مسيحيّ»٣. غير أنّ مراسل «المقطّم»عاد وسأل البطريرك: «لكنّ السوريّين يا صاحبَ الغبطة يتشبّثون بإرجاع الأجزاء التي ألحقتْها فرنسا بلبنان إلى سورية». فأجابه البطريرك: «ومتى كانت سورية ممتلكة لهذه الأجزاء وسلبناها منها؟ إنّ هذه الأجزاء هي أصلاً للبنان، وقد سُلبتْ منه في الأزمان الماضية، فإذا استعادها إليه فقد استعاد ما هو ملكه واستردّ ما هو حقٌّ له. ألم يكن لبنان ممتدّاً حتى أنطاكية وحتى عكّا وما وراءها؟».

قامتْ قيامة السوريّين على هذا الحديث، فكُذّب ثم نُفي ثمّ أُكِّد، إلى أنْ أصبح من العلامات الفارقة في العلاقات السوريّة – اللبنانيّة، على الرّغم من نفيه وتأكيده في آنٍ واحد، واستمرار الأخذ والردّ فيه إلى نهاية الانتداب.

وجاء حديث البطريرك عريضة في الوقت الذي كانتْ فيه سورية تفاوض الفرنسيّين على إلغاء الانتداب وتنظيم قضيّة المعاهدة السوريّة – اللبنانيّة المقترَحة. وردّ السوريّون على الشقّ السياسيّ في حديث البطريرك اللبنانيّ بقولهم إنّ سورية الآن في موقفٍ سياسيٍّ دقيق، أقلّ ما يقال فيه أنّه موقف تصفية بين سورية وفرنسا من جهة وبين سورية والبلاد التي سُلختْ عنها من جهةٍ ثانية. وما دامت قضيّة المعاهدة أو إلغاء الانتداب ستطغى على البحث في هذه الأيّام، فإنّ من حقّ سورية أن تعلم ما إذا كانت البلاد المسلوخة عنها عقب الاحتلال الفرنسيّ بلاداً سوريّة، وما إذا كان سكّانها سوريّين يجب المطالبة بها وإعادتها إليها، أم أنّها أخرجتْ نهائياً من الجسم السوريّ وأصبحتْ إلى الأبد بلاداً لبنانيّة متمّمة للوطن اللبنانيّ الذي يقول عنه البطريرك إنّه وطنٌ مسيحيّ.

يومَها فنّدت الصحافة السوريّة ما ورَد على لسان البطريرك وكتبت «القبَس» الدمشقيّة: «هذا سؤالٌ نلقيه على الفرنسيّين الذين اقتطعوا هذه الأجزاء السوريّة بقوّتهم وضمّوها إلى لبنان رغماً عن أهلها. وسؤال نوجّهه إلى المفاوض السوري الذي تقدّم إلى المفاوضة باسم سورية ذات القضيّة الوطنيّة التي تُعرض اليوم على التصفية النهائيّة لنعلم كيف يكون موقف هاتيك الأجزاء من الوطن السوريّ. وهذا السؤال نفسه نوجّهه إلى سكّان هاتيك البلاد الذين ضُمّوا إلى لبنان بغير إرادتهم، والذين لم يقولوا ساعة واحدةً بالانتداب ولا بلبنان»٤. وسخرت الصحافة السوريّة في مقالات كثيرةٍ وطويلة، على امتداد أيّام، من أقوال البطريرك اللبنانيّ، خصوصاً تلك التي زعمتْ أنّ الأجزاء السوريّة هي أصلاً للبنان وسُلبتْ منه. ومن أطرف ما ورد من تعليقات، ما قاله نجيب الريّس: «لستم أنتم يا سيّدي الذين سلبتم هذه الأجزاء من سورية وألحقتموها بلبنان… بل هم الفرنسيّون أصحاب الأساطيل والجيوش والمدافع. فأنتم لستم الآخذين بل أنتم المأخوذ لكم».

وكتب نجيب الريّس في «القبس» يقول: «كنّا نتمنّى ألّا يكون غبطتُه صاحب هذا الحديث الذي يتناول قضيّتنا الوطنيّة والقوميّة في الصميم، لأنّنا نحن في الشام لا نعرف ولا نريد أن نعرف ولا نقبل أن يعرّفنا أحد بأنّ سكّان دمشق غير سكّان طرابلس، وأهل حلب غير أهل اللاذقيّة، وأبناء حماة غير أبناء النبطيّة وبعلبك، فجميع هؤلاء سوريّون عرب يطلبون الوحدة والاستقلال ويرفضون الانتداب». وأضاف: «إذا كان اللبنانيّون الذين تكلّم بلسانهم صاحبُ الغبطة لا يريدون هذا التحرّر، فهم أحرار. لكنّ سكّان طرابلس وصيدا وصور وجبل عامل وبعلبك والبقاع الذين لم يقبلوا بالانتداب من قبْل والذين يريدون أن يتحرّروا من نيره ويطلبون أن يؤلّفوا مع إخوانهم هنا دولةً سوريّة واحدة، إنّ هؤلاء لا يستطيع صاحب الغبطة أن يتكلّم بلسانهم ولا أن يقول بالنيابة عنهم إنّ لبنان قبِل الانتداب عن طيب خاطر. وغبطته له ملء الحقّ في أن يقبل الانتداب باسمه… أمّا أن يقبله باسم رياض الصلح وعبد الحميد كرامي وعمر الداعوق وغيرهم… فهذا كثير وعجيب ومدهش… إنّ لبنان ليس وطناً مسيحيّاً أو إسلاميّاً، بل هو وطن للجميع٥.

فارس الخوري: لا أقليّة ولا أكثريّة
في مطلع عام ١٩٣٣، وقف فارس الخوري في قلب مدينة حلب ووسط الجامع الأمويّ خطيباً في جمْعٍ من المسلمين والمسيحيّين يقول لهم: «لا أقليّة ولا أكثريّة، بل نحن جميعاً سوريّون عرب ندين بدين الوطنيّة والقوميّة». وقف هذا الزعيم المسيحيّ الوطنيّ الكبير خطيباً في جمْعٍ يقدَّر بنحو سبعين ألف نسمة من مسلمين ومسيحيّين، داعياً إلى القوميّة وإلى تناسي هذه الفوارق المذهبيّة، وذلك مع معرض ردّه على صوت أكبر رجلٍ في الموارنة بصفته زعيماً سياسيّاً لبنانيّاً يقول: «إنّ لبنان وطن مسيحيّ».

لكنّ هذا لم يمنع فارس الخوري من لوم صديقه نجيب الريّس صاحب جريدة «القبس» الدمشقيّة لنشره في كتابه «نضال» (الصادر في شباط / فبراير ١٩٣٤) تصريح البطريرك المارونيّ والتعليق عليه بعدما أثار جدلاً واسعاً في حينه في الأوساط السياسيّة السوريّة – اللبنانيّة. وكانت حجّة فارس الخوري في لَفت نظر صديقه نجيب الريّس، أنّ البطريرك اللبنانيّ كان قد نفى في حينه أن يكون قد أدلى بهذا الحديث لمراسل «المقطّم» كما نشر، وأنّ الردود السوريّة عليه تجاهلتْ نفي البطريرك، وخاصّة أنّ البطريرك – في رأي فارس الخوري – قد عاد وأدلى بتصحيح لهذا الحديث، الذي وصفه فارس الخوري بـ«الموقف النبيل الأخير الذي يقفه غبطة البطريرك في الدفاع عن مصالح البلاد». وكان الهدف من ذلك رأب الصدع مع الجانب اللبنانيّ وترطيب خواطر الموارنة وعدم تأزيم علاقات سورية بالمسيحيّين اللبنانيّين٦.

عندما «مشتْ سورية إلى بكركي»
وفي أيار/مايو ١٩٣٥ (أي بعد سنتين تقريباً) تغيّرت الأجواء حين أدلى غبطة البطريرك عريضة نفسُه بحديثٍ صحافيّ تعقيباً على تعليقٍ خرجتْ به صحيفة فرنسيّة اسمها «لاديبيش نوفيل» سخرتْ فيه من تقارب الوطنيّين في سورية والموارنة في لبنان إثر شبه اتّفاقٍ اقتصاديّ عُقد بين البلدين، وسمّت هذا التقارب من الوطنيّين السوريّين «أزهاراً مسمومة يقدّمونها إلى غبطة البطريرك ليخدعوه ويستغلّوا نفوذه»، وردّ يومها البطريرك اللبنانيّ في حديثه الصحافي على هذا التحريض قائلاً: «إنّنا نقبل هذه الأزهار من السوريّين، سواءٌ أكانت مسمومةً أم نقيّة، لأنّ هذا أمرٌ يعنينا وحدَنا»، ثمّ تساءل بلهجةٍ ملؤها الألفة والتقريع: «وماذا يضرّ الآخرين إن اتّفقنا؟ إنّ قضيّة اتّفاقنا مع السوريّين ليستْ قضيّة أزهارٍ مسمومة، بل هي قضيّة مصلحةٍ أو مصيبة جمعتْنا».

وفي خلال سنتيَن خرج السوريّون عبْر صحافتهم، وكانت في حينه من أكثر الصحافات العربيّة حرّيّةً في التعبير وفي تعدّد وجهات النظر، يرحّبون بحديث البطريرك اللبنانيّ ويؤيّدون موقفه ويقولون إنّهم إذا أيّدوا موقف البطريرك اليوم فلا ينكرون أنّهم لم يكونوا كذلك بالأمس، وإنّ هذا الاعتراف الصريح منهم أكبر دعامة في اتّفاقهم، لأنّ الذين يعرفون لماذا كانوا يختلفون يعرفون أيضاً لماذا غدَوا يتّفقون. فإذا فرّقتهم أحقاد الماضي وسياسة الماضي، فقد جمعتْهم اليوم مصيبة الحاضر ومصلحةُ المستقبل. وليس عجباً أن يتّحد المسلمون والنصارى في هذا الوطن المشترَك أو الموارنة في لبنان والوطنيّون في سورية، لكنّ العجيب أن يتأخّروا في هذا الاتّحاد الصريح الواضح حتى اليوم، وهم يعلمون أنّهم مُرغمون على ما توجبه المصلحة ويفرضه حبُّ البقاء.

وتساءلت «القبس» الدمشقيّة: «ولماذا كانوا يتّهموننا بالتعصّب يوم كنّا مختلفين، ولماذا كان جوابهم أنّ هذه البلاد لا تستحقّ الاستقلال إلّا أن تزول منها الفوارق المذهبيّة، حتّى إذا اتّفقنا اليوم راحوا يعجبون من اتّفاقنا ويحاولون تلغيمه؟ لقد أثبتْنا باتّفاقنا على المطالبة بسيادة بلادنا وحرّيّتها وتخفيف الأعباء الماليّة عن كواهل أهلها، أنّ اختلاف المذاهب لا يمنع الاتّفاق، وأنّه ليس ضروريّاً أن تزول هذه الفوارقُ حتى نعيش مع بعضنا في وطن: نحن أهله ونحن أصحابه الشرعيّون. فالمسلم يظلّ مسلماً، والمسيحيّ يظلّ مسيحيّاً والوطن يبقى للاثنين ما دامتْ مصلحة سورية في سيادتها وفي اقتصاديّاتها وفي ثروتها هي نفسها مصلحة لبنان».

بعد تسعة أشهر من هذا الاتّفاق ومن التصريح البطريركيّ، مشتْ سورية إلى بكركي في كانون الثاني / يناير ١٩٣٦، لتهنّئ بطريرك الموارنة في لبنان بعيده. ولم يكن قراراً سهلاً، فقدقاد فخري البارودي، نائب دمشق وخطيب سورية والمتكلّم بلسانها وفداً سوريّاً كبيراً إلى بكركي، الذي كان الأوّل من نوعه. وقف زعيم الشباب فخري البارودي في حضرة البطريرك ليقول: «إنّ دماءنا ودماءكم أيّها اللبنانيّون المارونيّون قد سالتْ للدفاع عن هذه البلاد وعلى أرض الوطن الواحد وعلى ضفاف العاصي منذ مئات السنين. أجل لقد التقتْ سورية ولبنان على أعواد المشانق في عهد جمال باشا، كما التقتْ دماؤنا على ضفاف العاصي في عهد الغزاة الرومانيّين. واليومَ نلتقي من جديد في صعيد واحدٍ وفي بكركي… في سبيل الألم الذي وحّد قلوبنا، وفي سبيل إزاحة هذا النِّير الثقيل الذي يحزّ في أعناقنا، نلتقي لنطلب الحرّيّة ونَنشد الخلاص…»٧.

وعلّقت الصحافة السوريّة على هذا الحدث البارز الكبير في حينه بقولها إنّ «هذه أوّل مرّة تمشي فيها سورية من دمشق إلى لبنان، لا للنّزهة ولا للتّجارة، بل لتدشين عهدٍ طالما بقينا عليه وطالما نادَينا به، وطالما قلنا إنّه الوسيلة الوحيدة الناجحة لخلاصنا جميعاً. فإذا بهذا العهد الذي نشدناه طويلاً وأخفقنا في الوصول إليه كثيراً يدشّن في بكركي وعلى باب كنيستها وأمام هيكل المسيح، بعد أن دُشّن في الجامع الأمويّ وعلى باب محرابه».

ونظم شاعر لبنان الكبير بشارة الخوري الأخطل الصغير، قصيدةً بمناسبة زيارة الوفد السوريّ لبكركي، اشتهرت في الأوساط السياسيّة والأدبيّة في حينه، ونشرتْ كاملةً بعد سنوات، قال فيها:
«يا رُبى لا تتركي ور
داً وَلا تبقي أقَاحاً
مشت الشام إلى
لبنان شوقاً والتياحاً
فافرَشي الطُّرق قلوباً
وثغوراً صُداحا»٨

لماذا حشر الشيعة بين الأقليّات!
قبل حديث البطريرك عريضة وتفاعلاته، وفي حمأة الغضب السوريّ من جماعة الانتداب الفرنسيّ ومواقفهم، نشرتْ في كانون الأوّل / ديسمبر من عام ١٩٣٢ جريدة «لا سيري» لصاحبها جورج فيسيه، الناطقة بالفرنسيّة والصادرة في بيروت، مقالاً بقلم وليم مارتان، وهو صحافيّ سويسريّ صاحب جريدة «جورنل دوجنيف»، يقول فيه مبرّراً وجود الانتداب الفرنسيّ في سورية ولبنان، إنّ لفرنسا مصالح على البحر المتوسّط، هي حماية أسطولها البحريّ وحماية خطوط الملاحة الجوّيّة وحماية أنابيب النفط، وهي مصالح كبيرة لا تقْدر على تركها دون ضمانات، وخاصّة واجباتها تجاه نصارى لبنان والأقليّة الشيعيّة٩.

وغضب السوريّون من هذا القول وانزعجوا من ربْط فرنسا قاعدة أسطولها وطرق مواصلاتها وأنابيب النفط بحماية النصارى والشيعة. واتَّهم الوطنيّون السوريّون بعض رجال السياسة بالمتاجرة بالنصارى وأنّهم يظهرونهم أمام العالم دائماً بمظهر المحتاجين إلى الحماية من هؤلاء «المسلمين المتوحّشين المتعصّبين». وما أغضبَ السوريّين، وقد تعوّدوا أنّ كلمة الأقلّيّات كانت تَعني دائماً النصارى، أنّ فرنسا قد حشرت الشيعة العرب المسلمين من بين الأقلّيّات، لتبرّر بقاء انتدابها وسيطرتها على لبنان. وما أزعج السوريّين أكثر، أنّ توقيع هذا الكلام جاء خلال البحث في معاهدة فرنسا مع سورية التي سلّم السوريون بأنّ أحد أهدافها حماية المواصلات البحريّة والجوّيّة والنفط. لكنّهم خافوا من أن تنصّ المعاهدة مع سورية على حقّ حماية فرنسا لنصارى الجمهوريّة السوريّة، لتشمل فيما بعد كافّة الأقلّيّات غير السُّنية.

وأدرك السوريّون أنّ فرنسا في الحقيقة تريد أن تعود إلى اتّفاقيّة «سايكس – بيكو» وتقسيم سورية إلى منطقتين: ساحليّة وداخليّة، فتحتفظ بانتدابهم على الساحل، وتمنح استقلالاً ذاتيّاً للداخل، فتصبح الجمهوريّة السوريّة المستقلّة الداخلة في عصبة الأمم عبارة عن هذه المدن وتلك القرى والسهول، مطوّقة من الجنوب ببريطانيا، ومن الشمال بتركيّا ومن الغرب بالبحر.

وتساءل السوريّون: ألم يعد يكفي فرنسا وجودُ النصارى لادّعاء الحماية وتأبيد الانتداب، فجاءتْ إليهم تستثمر اسم الشيعة وتجعلهم بحاجة إلى الحماية؟! مؤكّدين أنّ الشيعة عرب مسلمون في سورية ولبنان والعراق، وليسوا بحاجة إلى حماية أحد. من المفيد هنا التذكير بأنّه بعد مؤتمر سان ريمو في إيطاليا عام ١٩٢٠، ونتيجةً لاتّفاق سايكس – بيكو عام ١٩١٨، قُسِّمَت المناطق العربيّة بين فرنسا وبريطانيا. فقَسّمت فرنسا، الدولةُ المنتدبة على سورية، البلادَ إلى دويلاتٍ طائفيّة، وأعلنت أيضاً بحكم انتدابها على لبنان، بلسان الجنرال غورو في أوّل أيلول / سبتمبر عام ١٩٢٠ ولادة دولة لبنان الكبير. ولمّا عُقد مؤتمر الصلح في فرساي في باريس، أرسل اللبنانيّون والسوريّون بمختلف فئاتهم، برقيّاتٍ ومذكّرات وعرائض احتجاج إلى ذلك المؤتمر، يرفضون فيها رفضاً قاطعاً تقسيم البلاد السوريّة. وشملتْ هذه المذكّرات احتجاجاً على موقف البطريرك المارونيّ إلياس الحويّك، الذي كان أوّل من طالب بفصل لبنان عن سورية وضمّ الأقضية الأربعة إليه.

وكان المؤتمر السوريّ العامّ المنعقد في باريس بين ١٩١٩ و١٩٢٠ برئاسة الأمير فيصل بن الحسين، وشاركتْ فيه وفودٌ من مختلف أنحاء سورية ولبنان، قد أعلن رفضه القاطع، بإجماع المؤتمرين، لانفصال القطرَين. لكن ما إن هزم الجنرال غورو جيش فيصل (وكان قد أصبح ملكاً على سورية) بقيادة وزير دفاعه يوسف العظمة في ميسلون في تموز / يوليو ١٩٢٠، حتّى أعلن دولة لبنان الكبير في أيلول ١٩٢٠، على الرغم من استمرار اللبنانيّين والسوريّين الوحدويّين في مطالبتهم بوحدة البلاد السوريّة، مؤكّدين مضارّ التقسيم من النواحي القوميّة والسياسيّة والاقتصاديّة والجغرافيّة وحتى اللغويّة، في مذكّرات وعرائض متلاحقة إلى المسؤولين الفرنسيّين يطلبون فيها بإعادة وحدة سورية ولبنان.

واستمرّ دعاةُ الوحدة من اللبنانيّين في التعبير عن رفضهم الاعتراف بصيغة لبنان الكبير حتّى عام ١٩٢٦، عندما حاول المفوّض السامي هنري دي جوفنيل إشراك جميع الطوائف اللبنانية في صياغة دستور الجمهوريّة اللبنانيّة، طالباً من جميع الطوائف والجماعات الدينيّة والسياسيّة رأيها في الدستور، فامتنعت القوى الإسلاميّة الوحدويّة عن المشاركة في صياغة الدستور، تعبيراً عن رفضها للواقع التقسيميّ للبلاد السوريّة١٠.
(…)

  •  ٣.نجيب الريّس، «لبنان وطن مسيحي(١)»، جريدة «القبس» الدمشقية – ٢٠/٢/١٩٣٢
  • ٤.نجيب الريّس، «لبنان وطن مسيحي (٢)»، جريدة «القبس» الدمشقية – ٢٢/٢/١٩٣٣
  • ٥.نجيب الريّس، «أزهار مسمومة»، جريدة «القبس» الدمشقية – ٢٨/٥/١٩٣٥
  • ٦.فارس الخوري، «أوراق فارس الخوري»، كوليت الخوري – ٢٠٠٧
  • ٧.نجيب الريّس، «أرض التعصب»، جريدة «القبس» الدمشقية – ١٥/١/١٩٣٥
  • ٨.من قصيدة بعنوان «يا ربى لا تتركي ورداً» من كتاب بعنوان «أمير الشعراء بشارة الخوري»، دار الكتاب العربي – بيروت ٢٠٠٨
  • ٩.جريدة «البيرق» اللبنانية، عن جريدة «لاسيري» بيروت ١٩٣٢
  • ١٠.حسان علي حلاق، مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة – ١٩٣٦، الدار الجامعية – بيروت ١٩٨٢