الرئيسية / home slide / شيكاغو

شيكاغو

21-09-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

سمير عطالله

إقفال تامّ للمصارف في بيروت (حسن عسل).

“لا شيء يمكن أن يأتي من اللا شيء”
الملك لير

كانت #تونس من أكثر الدول العربية استقراراً وتقدّماً. ثم بدأ اتجاه الانحدار بالظهور. وبدأت تتذكّر مواطنها وعالم الاجتماع الأول، ابن خلدون. عندما تعجز الدولة يتهاوى حكم القانون وتتفشى البطالة، ويعم الفساد وتكثر السرقات وتتزايد سرعة الانحدار.

تونس نموذج. النموذج الأكثر درامية، #لبنان. في سرعة بدت بيروت مثل #شيكاغو أوائل القرن الماضي ولو أقلّ عنفاً: حوادث سطو على المصارف. الجرائم تزدهر. الفقر يعمّ. حوادث الانتحار تتكاثر، والهجرة، كالعادة، تحمل الشباب الى أيّ مكان غير بلادهم.

في شيكاغو، المثال الأشهر للجريمة والمافيا، كان السطو المصرفي يهدف الى سرقة أموال البنوك. في لبنان يسطو الأوادم على البنوك لاستعادة شيء من أموالهم.

يأخذ اليائسون القانون بأيديهم. وهذا شطط بالغ السوء لا تقرّه شرعة. ولكن هذا ما يحصل للأمم، عندما تهترئ الدولة بكل مؤسساتها، ويخاف الضعيف من شكواه، ويفهم الناس من عظة اللقلوق أنهم في ظلّ قضاء سيّئ، ولا خلاص إلّا بالتدقيق الجنائي. وما إن ينتهي هذا التحقيق الجنائي، حتى يعود سعر الدولار الى ليرتين وربع، وتضاء الجامعات ويعود المنتحرون عن انتحارهم وإحراق أنفسهم.

تحوّل اللبنانيون الى طبقتين: طبقة تسطو على الأمانات، وطبقة غارقة في إعصار الجوع والخراب. والإعصار لن يعفِي أحداً. ليس ذلك من طباعه ولا من طبيعته. وعندما يلتقي وجهاً لوجه نتائج التحقيق الجنائي، يكون كل أوان قد فات، وخرجنا من المسرح الى الحقيقة. بلد بأكمله يعيش خارج الواقع. يبحث عن فتات الحياة.

شيكاغو! هذه سمعتنا اليوم بين الأمم. وألوان “مياس” تبهر بأضوائها حول العالم، لكنها لا توفر “أمبيراً” واحداً في أدغال العتم، ولا تؤمِّن علبة حليب بودرة. لم يحدث أن أُذلّ اللبناني الى هذا الحد من قبل. لا أدري كيف تلقى اللبنانيون تصريح السيد وزير الخارجية بأنه لا يجوز لهم الاطلاع على بعض القضايا في مفاوضات الترسيم؟ إننا نتعرف الى مفاهيم جديدة عند ديبلوماسي أمضى نصف عمره في المؤسسات الدولية: هل الترسيم صفقة سريّة أم مسألة وطنية؟ في التاريخ والجغرافيا والدخل القومي، وهل وصل عبد الله بو حبيب (أخيراً) الى وزارة الخارجية لكي يقرأ في ما تعلّمه عبر السنين، أم ليعمل وفق التعاليم والأوامر الجديدة في قصر بسترس؟ أحياناً يصعب على المرء أن يفهم لماذا تتغيّر النفوس على هذا النحو، أو بالأحرى هل بتحرز؟

إنه زمنُ يحق ولا يحق. المتر البحري والمتر البرّي. القصر حتى العصر، أو القصر أبد الدهر. والناس لا تعرف كيف تردّ عن نفسها البلاء المسلّح وأسبابه. ما هذه البلاد ومقوّمات وجودها، إن كانت لا تستطيع انتخاب رئيس، وتشكيل حكومة، وإجراء تشكيلات قضائية، والتحقيق في أكبر جريمة جماعية؟

“مياس” شيء من لبنان المنقضي. لبنان المسعف الذي كلما ذاب الوطن المقيم في العوز والقمامة، بعث إليه شحنة من الأوكسيجين، حتى هذا الدخل لم يعد كافياً. وفي أي حال سوف نعلن اكتشاف الغاز، واكتشاف المواهب الجديدة، ونرسم خريطة لدولة “خلونا” المتمِّمة لدولة “ما خلونا”. هل سمعت من قبل عن دولة تشكو من أن قرارها ليس عندها؟ وأنهم ما خلوها تجمع القمامة؟ ربما في نية حسنة أو علمية. فالقمامة تشكّل مصدراً للقوت، بين المصادر الطبيعية الأخرى.

معظم رؤساء الاستقلال انتهت عهودهم محاطين بالعدائيات والحملات المهينة. لكن عدداً كبيراً ترك القصر الجمهوري للجمهورية في اللحظة المكتوبة موفراً على الدولة والأهالي محنة الإقتتال. يروي السفير الأميركي في بيروت أواخر الخمسينيات أن بلاده توسّطت لدى الرئيس كميل شمعون بمغادرة قصر القنطاري في الساعة الدستورية، ودعته الى البحث معها عن بديل مناسب، وفي نهاية كل جلسة بحث كان ينتهي الى أنه الرجل المناسب الوحيد. غير أنه كان يستند في الجدل الى كونه أتى بالازدهار، وحارب من أجل السيادة، وأحيا العلاقة الكبرى مع الاغتراب.

فيما عدا الياس سركيس خطرت خاطرة التجديد لجميع الرؤساء. أو خاطرة التوريث، بدرجات متفاوتة. الجنرال عون هو الوحيد الذي بلغ الرئاسة ووريثه الى جانبه. والسبب الرئيسي في الخصومة المبكرة جداً معه، لم يكن في شخصه، بل في سلسلة التعيينات العائلية التي واكبت وصوله. وعندما وصل الصراع الى العائلة نفسها اختار أن يعيّن وريثه رئيساً للحزب، دون أي اعتبار للمحازبين والرفاق والمؤسّسين الذين انتهوا في مجالس التأديب باعتبارهم تجاوزوا سنّ النضال وبلغوا عمر الاستيداع.

تعوّد اللبنانيون منذ الاستقلال، على سلوك الضواري في المراحل الانتخابية، رئاسية أو دونها. لكن المرحلة الحالية لم يبلغها أحد، لا في السلطة ولا في المعارضة، ولا في النضال السامي. لا في مستواها ولا في شراستها.

تتميّز المعركة الحالية بعدمياتها. انعدام الأصول والأعراف والحدود الدنيا. انعدام الأمل. انعدام الفرص. سطوة التفتت والتفكّك، وطغيان الأنانيات، وازدراء الدولة والناس والمصير. والشعور الوطني بعدم الاكتفاء.