الرئيسية / مقالات / شيعة لبنان بين مرجعيتين

شيعة لبنان بين مرجعيتين

وجيه كوثراني|الخميس28/11/2019
Almodon.com

طرح البعض سؤالاً في لُجَّة الإنتفاضات الشعبية الكبرى التي يشهدها كلٌّ من لبنان والعراق وقد التحقت بهما إيران ، من هو مرجع التقليد لدى شيعة لبنان ؟ وبتحديد أصولي أدق : من يحوز “شرعية التقليد” بين علماء الدين الشيعة وقد انفجرت انتفاضات شعبية كبرى ذات مضمون وطني ومدني وإصلاحي تتمحور حول مطلب “المواطنية” والدولة/الوطن وأولية المجتمع المدني وحقوقه ومطالبه في مواجهة أنظمة الطائفية والزبائنية والقوى السياسية التي تتغذى وتتغطى بالخطاب الديني الطائفي فخرّبت بذلك دولها ومجتمعها وأفقرت اقتصادها ونهبت ثرواتها وهمّشت مواطنيها .

واللافت في نظر من يسأل ويراقب عن بعد أو قرب ، أن المرجع النجفي السيد علي السيستاني ، أيّد ودعم الحراك الشعبي في العراق ، بل طالب الحكومة بحزم وصرامة بأن تنفذ مطالب الحراك بسرعة ووفقاً لروزنامة زمنية وخريطة طريق محددة .

على أن العارف بطبيعة “مرجعية التقليد” عند الشيعة ودورها ، ولا سيما الحاضرة والمقيمة في حوزة النجف والمطلة على العالم الشيعي خصوصاً والعالم الإسلامي عموماً ، يدرك مدى القوة المعنوية والأخلاقية التي يتمتع بها “مرجع التقليد” ، علماً أن هذه “القوة” لا يستمدها من سلطة عسكرية أو سياسية أي لا من “سلاح أبيض” ولا من رصاص حيّ أو صواريخ أو طيران – بل من تقليد أضحى جزءاً من عقيدة إمامية تقوم جوهرياً على التمييز بين الديني والسياسي من غير أن تتخلّى عن ركيزتين أو شرطين لا بد أن يتوفرا في “مرجع التقليد” وهما أولاً : ما يسميه الخطاب الفقهي الشيعي “الأعلمية”، وتحاز هذه بالجهد باعتراف من يمكن أن نسميهم “الوسط العلمي” المتكون في الحوزات العلمية – الدينية . والشرط الثاني: التقوى التي تتمثل بالحرص على “العدل والإنصاف”، وهي صفة طالما إشتغل عليها فقهاء الشيعة وفلاسفتهم في علم الأصول وفلسفة الأخلاق .

إذاً ، نافذة “مرجع التقليد” إلى عالم السياسة ، هي الأخلاق ، وعبرها يقاس معيار العدل والعدالة ، ومن هنا إمكان الفتوى أو النصح أو الطلب ومن غير ادعاء حق بسلطان أو حكومة أو ولاية سياسية ، والراجح أنه، ومن هذه النافذة الأخلاقية كانت اطلالة السيد السيستاني على الحراك الشعبي والتشديد على أحقيته ومطالبه العادلة ، ومن غير بهرجة ولا صورة مباشرة ولا صراخ ولا حدّة . بل بتواضع وحكمة وايثار واعتراف بحق ، وكلها قيم راسخة في الضمير والوجدان وليس بالضرورة في النصوص واستراتيجيات السلطة وتكتيكاتها وأدواتها المختلفة .

تداعيات السؤال أيضاً أطلّت من زاوية المقارنة بموقف السيد علي خامنئي ووكيله في لبنان السيد حسن نصرالله على المشهد التالي: أسرع الأول الى اتهام الإنتفاضات الشعبية التي بدأت في لبنان والعراق بأنها من فعل القوى الأجنبية وتحريكها وتمويلها ، والثاني تتابعت مداخلاته المستفزة تدين وتهدد وتتهم الحراك بالفتنة والتمويل حتى إذا تطوّر الحراك وإتسع تلوّن الخطاب بنبرة تعلو وتهبط ، لكن من غير أي تنازل عن موقف ، لإعتقاد راسخ ومستقوٍ أن المقاومة أي حزب الله – هي “المعادلة الأقوى” وقوتها طبعاً “بسلاحها” متذرعة ببرلمان مفبرك والتلويح “بحرب أهلية”. واللافت في هذا المشهد أن الإثنين “رجال دين شيعة”، الأول: الولي الفقيه الذي يؤمن بالولاية العامّة على المسلمين – أي أميراً للمؤمنين- فهو يملك سلطات عامة ومطلقة وكما نظّر لهذا الأمر السيد الخميني “سلطات النبي والإمام المعصوم معاً ” أي في العصر الحديث هو القائد الأعلى للجيش والحرس الثوري والأمن والقضاء وكل ما يملك هؤلاء من دعوات اتهام وعتادٍ وعدّة من البندقية الى الصاروخ . واعتماداً على هذه “المعادلة” غير “العادلة” يحكم السيدان على الحراك الشعبي المتشابه في مضمونه ومطالبه وبشره ومدنه وساحاته والنابع من وجع الناس وعوزهم وضيقهم ومن ألم التسلط عليهم وسد أفواههم ، يحكمان على كل هذا بالفتنة والإستجابة للمؤامرة ! ناهيك عن “البغي” والأعظم بل الأخطر ، أن تدعو جريدة “كيهان” الإيرانية القريبة من الولي الفقيه الى إعدام المعتقلين في إيران بسبب احتجاجاتهم أي إنزال حكـم” البغي عليهم” .

حتى هنا، ولكي لا نستطرد في عرض موضوع يطول ، نعود الى السؤال عن “مرجع التقليد”. ذلك أن السيد الخامنئي قدّم نفسه بعد وفاة المرجع السيد الخوئي في عام 1994 مرجع تقليد أيضاً لعموم الشيعة ولا سيما الشيعة العرب* وهدفه أن يدمج الولاية السياسية العامة التي حازها بتعيين من الخميني ، بالولاية الدينية العامة أيضاً وليضعف آنذاك مرجعيات النجف وهم عديدون وليلغي أيضاً مراجع في لبنان مجتهدين ومبرزين، كالشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله ، وليكوّن إطاراً مؤسسياً فيه سلطة ولاية الفقيه (أي سلطتهم) من طهران الى بيروت وجبل عامل مروراً ببغداد والنجف ، فيضفي على التسييس والعسكرة ، طابعاً دينياً “مرجعياً ينفذ من خلاله الى الجماعات الشيعية في العالمين العربي والإسلامي.

وكان أن جرت محاولات التسييس والعسكرة : في العراق جرى عبر “التنافس الودي” بين “السياسة الأميركية” والسياسة الإيرانية ، وإستتباع قوى سياسية عراقية كانت سبباً في ما نشهده اليوم ، في سورية جرى عبر عسكرة ثورة مدنية ديمقراطية ، صُفيت لتخلو الساحة لصراع طائفي قذر بين تكفيريين وتخوينيين ، صراع ما لبث أن تحول إلى صراع إقليمي ودولي ، على حساب شعب مقموع ولاجىء .. في لبنان جرت العسكرة باسم مقاومة ، انتهى “مفعولها الوطني” في عام 2000 ، لتبدأ مرحلة جديدة ، دخل فيها النفوذ الإيراني عبر حزب الله و”المقاومة” من فجوات النظام اللبناني الطائفي وأبوابه الزبائنية الكثيرة وليرسو على معادلة مصطنعة ومفروضة فرضاً هي البدعة القائلة “جيش – مقاومة – شعب” معادلة ألغيت فيها الدولة لا لفظاً – فحسب ، بل مضموناً ودوراً ، لتبدأ محنة لبنان الحالي . ولكن أيضاً لتبدأ “ثورة شباب” رفضوا الثنائية أو الثلاثية الطائفية حقاً وفعلاً ، تجاوزوا الأحزاب الطائفية ، وعانوا مشهد الفساد ويومياته والإنهيار الإقتصادي والمعيشي واليومي ساعة بعد ساعة ، فانتفضوا محملين الجميع المسؤولية (كلن يعني كلن) ، وحاملين بصدق علم لبنان وحده ، ومشبعين بقدرات خلاقة جديدة ، علماً وثقافة وفناً وجمالاً وخلقاً… وهم قبل هذا وبعد هذا على حق في ما يطلبون : محاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة ، وقف الإنهيار،… مطالب قانونية ، ولكن في جوهرها قيم أخلاقية ، حقوق تنبع من مسلمات العقل السليم والحس الأخلاقي القويم والذي هو الفطرة الأنسانية بذاتها ، سواء عبّر عنها الدين أو عبّرت عنها الفلسفة .


تلك هي أيضاً نافذة ما يفترض أن يطل من خلالها “مرجع التقليد” عند الشيعة على ذاك المشهد اللبناني الرائع ، وكما أطل السيد السيستاني على المشهد العراقي بدعمه وتشجيعه ، والمفارقة أن شيعة لبنان مقلدون للمرجع السيستاني في أمور معاملاتهم وعباداتهم الدينية ، وبمن فيهم مفتيهم والهيئة الشرعية في المجلس الإسلامي الأعلى .. فما سر هذه المفارقة ؟ الشيعة في العراق يثورون كمواطنين عراقيين ، ومرجع التقليد لديهم السيد السيستاني داعم ومؤيد ، والشيعة في لبنان ، أكثرهم صامت حيال انتفاضة هي شبيهة بانتفاضة شباب العراق ، بل هي هي في أسبابها وأهدافها ، فلماذا الصمت وهم يقلدون السيستاني ، داعم انتفاضة تكاد تكون طبق الأصل عن انتفاضتنا اللبنانية ؟؟


لا نسأل بدافع الطلب أن يصار الى دمج السياسي بالديني على غرار ما يدعو اليه بالمقابل السيد خامنئي أو السيد نصرالله في الولاية العامة المطلقة ، ولكن بدافع السؤال عن واقع الحال وانعاش الذاكرة التاريخية الجمعية حول هذا الفراغ العلمائي اليوم في لبنان، عندما نستذكر أمثال محسن الأمين ، وعبد الحسين شرف الدين ، وموسى الصدر ومحمد جواد مغنية ومحمد مهدي شمس الدين ، ومحمد حسين فضل الله …

(للبحث صلة)


*( إثر وفاة المرجع الأعلى في النجف السيد الخوئي (1994) ، رأى السيد خامنئي الذي “رُشِّح” لهذا المنصب الى جانب منصبه “كمرشد” أي “ولي فقيه” للدولة “الحمدالله يوجد مجتهدون في قم وفي غير قم لائقون لذلك . فأي لزوم أن أضع هذا الحمل فوق هذا الحمل الذي حملني اياه الله” (يقصد الولاية العامة) ويضيف “طبعاً لخارج إيران حكم آخر ، أقبل ما يحملوني اياه، لأن ذلك الحمل لو لم أحمله سيضيع”! نشرة العهد ، 16 ، كانون الأول – ديسمبر-1994، ص 3).

اضف رد