الرئيسية / home slide / شيخ أزهري في القصر الجمهوري العراقي… سيرة رئيس دولة

شيخ أزهري في القصر الجمهوري العراقي… سيرة رئيس دولة

فؤاد معصوم

 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
05032022 

لم يعتد القارئ العربي في العقود الماضية ربما، على قراءة سير من حكموه (وبالأخص رؤساء الجمهوريات) فالحاكم هو المقدس، ولذلك لا ضرورة من الاقتراب من سيرته أو حتى التفكير فيها، وإن كان من ضرورة لذلك، فلا بأس من كتابة سيرة تمجيدية، تتناول إنجازاته في الصمود والتصدي وتطور البلاد وتحسين علاقاتها مع الأطراف الدولية.
وتشكّل سيرة الرئيس العراقي فؤاد معصوم عن فترة حكمه في العراق 2014 ـ2018 أمرا استثنائيا في هذا الجانب، إذ تتيح لنا الاقتراب ولو للحظات من حياة القصر الجمهوري العراقي وزواره وغيرها من التفاصيل. مع ذلك يمكن القول إنّ مذكرات معصوم لن تحتوي على كل هذه التفاصيل التي جرت العادة أن يبوح بها قسم كبير من السياسيين الغربيين بعيد ترك مناصبهم، إذ ولّد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 معادلة سياسية جديدة في البلاد، تقضي بتوزيع المناصب السيادية بحيث يكون منصب رئاسة الجمهورية الرمزي من حق كرده، وهذا ما جرى فعلا مع تسلم جلال طالباني، ورغم أنّ هذا المنصب قد بدا يومها دون أنياب، لكن مهارات جلال وخبرته في عالم الألاعيب السياسية وأداء الأدوار، خلافا لما يذكره في مذكراته من أنه لم يكن يحب حضور الأفلام، مكنته خلال وجوده في قصر السلام في بغداد، من أن يبقى لاعبا ومؤثرا وصاحب علاقات واسعة مع العالم الآخر، وأن يبقى أيضا صمام أمان داخل الوسط السياسي الكردي، مقابل سلوكيات مسعود البارزاني المنفعلة أحيانا، لكن مع تعرّض الطالباني لاحقا لوعكة صحية، كان السؤال بين الأكراد والعراقيين يدور حول من سيخلف هذا الرجل في العراق، فالأكراد رغم أنهم كانوا يدركون محدودية دور هذا الموقع، لكن وجودهم فيه كان يمثل شيئا رمزيا، فبعد عقود من العيش في الجبال (وفق ما تردّده السرديات القومية) كانت ظروف عراق ما بعد 2003 تتيح لهم الوصول للقصر الجمهوري. وخلال المفاوضات حول من يخلفه، وبينما كان فؤاد معصوم برفقة زوجته في باريس، وإذا بزوجة جلال الطالباني (هيرو خان) التي ينسب لها دور فاعل في السياسات الحزبية في السليمانية، تطلب منه الترشح لمنصب تولي رئاسة الجمهورية العراقي، وبالفعل لم ينتظر معصوم سوى عدة دقائق، حتى يرسل طلب الترشّح، وربما ما ساعده لاحقا في الحصول على هذا المنصب، أن منافسه برهم صالح لم يكن على وئام كاف مع قيادات مدينة السليمانية، ولذلك وجد معصوم نفسه ثاني شخصية كردية عراقية تتولى رئاسة العراق.

مذكرات رسمية

وفي سياق حديثه عن هذه التجربة، وخلافا لما اعتادت عليه السير الذاتية من البوح بقصص وخبايا لا نعثر عليها في مصادر متاحة أخرى، فإنه سيقرر في مقدمة سيرته «السنوات الأربع في قصر السلام» ـ دار الرافدين، أن يؤكّد منذ البداية، أنّ سيرته هنا لن تكون مشوقة على هذا الجانب، وربما لم يحن الوقت بعد للبوح بما في جعبته من قصص وحكايا عن أحوال الأكراد والسياسيين العراقيين بعد عام 2003، وهذا ما فعله بالمناسبة شيخه الطالباني، الذي لم يأت في مذكراته التي نشرت قبل سنوات بالعربية على ذكر ما جرى في حياته بعد عام 2003 بل آثر السكوت والحديث بأسلوب رسمي، وهذا ما حاول معصوم السير عليه، إذ لن يعثر القارئ المتشوق، على تفاصيل عن السياسيين العراقيين، بل هو يرسم صورة عامة عن أوضاع العراق خلال فترة حكمه، ورغم أنّ هذا الأسلوب قد لا يعد كافيا، لكنه من جانب آخر تمكّن من تحقيق مبتغاه فعلا.

فالقارئ للكتاب سيقترب من هموم السياسة العراقية في تلك الفترة، التي يمكن تلخيصها في ثلاث مراحل، الأولى تتعلق بمواجهة «داعش» التي تظهر من خلال ما يذكره معصوم أمرا أثار فزع السياسيين العراقيين، فهم آنذاك لم يتوقعوا أن تبقى مسيطرة على مناطق واسعة من غرب العراق وحسب، بل كانوا يدون قلقهم من وصولهم إلى بغداد، أما المسألة الثانية التي كان يعيشها العراق في فترة حكمه فتتمثّل في الصراعات داخل البيت الشيعي، على منصب رئاسة الوزراء (العبادي ـ المالكي) والاحتجاجات التي عاشتها العاصمة بغداد في عام 2015، وهنا يبدو أن معصوم ومن خلال علاقاته حاول لعب دور الوسيط بين الأطراف، ولذلك وجد نفسه في مرات عديدة مضطرا إلى فعل ما يستطيع في سبيل استقرار العراق، مع ذلك كان مدركا في قرارة نفسه محدودية تأثيره في هذا الجانب.

يعد الفصل الأخير الأهم في سيرة معصوم المختصرة، إذ يتطرّق للحظات التي سبقت قرار مسعود البارزاني بإجراء استفتاء على استقلال كردستان العراق، في عام 2017، ولعل ما جعل معصوم يبوح هنا ببعض التفاصيل مقارنة بباقي فصول السيرة التي ظل فيها متحفظا، هو الثأر من تعنت البارزاني في قراره، خاصة أنه كان يرى أن الظروف لم تكن تسمح آنذاك بالاستقلال.

ولعل ما يعكس هذا الاستنتاج من قبلنا، ما يذكره حول حادثة تتعلق بهذا الشأن، إذ قرر في عام 2015 كما يذكر زيارة السعودية بعد زيارته للنجف، وهناك زار آية الله السيستاني للتباحث معه، ومن خلال فحوى الحوار يظهر محدودية دوره، فبعد تناول النقاش حول الصراع الشيعي ـ الشيعي نقل السيستاني مجرى الحديث إلى ضفة أخرى تتناول ما قرأه في الفترة الأخيرة من كتب، بما يوحي بوضعية معصوم الهامشية في العملية السياسية، والطريف في هذه المعلومة أن السيستاني سيبلغه أنه قد انتهى من قراءة كتاب «العمق الاستراتيجي» لوزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو، وربما تكشف هذه المعلومة عن نقطتين: الأولى أن السيستاني ليس مجرد رجل دين معزول في بيته، أو حسينيته، وإنما يبدو متابعا لما ينشر في عالم الكتب الحديثة، لكن النقطة الثانية والأهم، والتي لم يتوقف عندها معصوم، أو لعله أدركها لكن آثر السكوت، هو السؤال حول لماذا يقرأ السيستاني هذا الكتاب، الذي صدر في نسخته التركية عام 2001 وترجم للعربية عام 2010، وقد يخيل لنا هنا ربما أنّ ما دفعه لقراءته ليس فهم فكرة تصفير المشاكل التي طرحها أوغلو في الكتاب، وبدت وصفة ناجعة للسياسة الخارجية التركية في الفترة 2001ـ 2010 قبل أن يأتي الربيع العربي ليجد أوغلو نفسه مع بلاده أمام ضرورة الدخول في تحالفات، وبالتالي كسب عداء بعض الدول المجاورة، وإنما ربما ما كان السيستاني يودّ فهمه هو ما ركز عليه أوغلو من دور للأفكار الثقافية (الإرث التركي العثماني السني) في سياسة تركيا الإقليمية، وربما ما يدعم محاولة الفهم هذه من السيستاني أو القلق الشيعي العراقي من دور تركيا، ما سيرويه معصوم في صفحات أخرى من سيرته عن لقاءاته برجب طيب أردوغان في إسطنبول، وكيف أنّ الأخير بدا يومها عاتبا من تملص السياسيين الشيعة العراقيين من التواصل مع الأتراك، أو الانفتاح على مبادراتهم، وفي هذا الجانب (الخوف السني من النفوذ الإيراني في العراق) سينصح معصوم بضرورة الانفتاح على السياسيين الشيعة، ودعوتهم للحوار بدلا من استمرار سياسة العتب، وهذا ما حاول قوله أيضا في بلدان عربية من خلال حض السياسيين العرب على التواصل مع أهل الحكم في العراق، خاصة أن السنوات الأخيرة أظهرت أن ما قيل عن تبعية شيعية عراقية لإيران ليس أمرا دقيقا، وأنّ هناك كما تقول كارولين صايغ في كتابها «آيات الله الوطنيون: القومية في زمن ما بعد صدام» صراعا على الإسلام الشيعي وعلاقته باليومي في العراق وأيضا بالدول الإقليمية (إيران).

رئيس دون خرجية

حاول معصوم أن يلعب دورا أوسع مما هو منصوص عليه في الدستور العراقي، مع ذلك يبوح الرجل في مذكراته أحيانا بمحدودية قدراته، سواء السياسية أو حتى المالية، فالرئيس كما يظن يجب أن يبقى قادرا على تلبية طلبات الناس، وهذا ما اعتاده العراقيون، كما يقول منذ زمن طويل، مع ذلك فإنّ رئاسة الوزراء العراقية لم تكن تولي أهمية تذكر لهذا الجانب، ولذلك فإنه وجد نفسه دون مخصصات كافية (باستثناء راتبه) إذ يذكر أنه لم يتمكن في إحدى المرات من تكريم لاعبين ناشئين في كرة القدم، بعد حصولهم على إحدى الجوائز سوى بتخصيص 300 دولار لكل لاعب، وهذا أمر غريب في بلد نفطي وذي ميزانية كبيرة! وقد يعكس كيف تنظر النخبة السياسية العراقية لمنصب الرئاسة. ويبدو أن هذا الموقع الهامشي سيدفعه أحيانا، للتذكر وكتابة بعض الملاحظات حول ماضيه الشخصي، ما شكّل فرصة للقارئ ليتعرف أكثر على هذا الرجل، وبالأخص الجيل الشاب الذي لم يعش فترة النضال السياسي الكردي في السبعينيات والثمانينيات. إذ يذكر أنه خلال زيارته لمصر حصل من شيخ الأزهر أحمد الطيب على رسالة دكتوراه حول إخوان الصفا (إعداد طالب الدكتوراه فؤاد معصوم)! ما جعله يقرر ذكر بعض التفاصيل عن يوميات دراسته في القاهرة، صحيح أنه كان قد قرر في البداية عدم الخوض في تفاصيل سيرته الشخصية، مع ذلك فإن تدوين الذاكرة ليست برنامجا، أو خطة جاهزة ومكتملة يمكن الأخذ بها دون الخروج عن قواعدها، بل هي مشروع قابل للانفتاح دوما على أحداث وقصص جديدة، وفي حال الرئيس العراقي السابق، نلاحظ أن الذاكرة الشخصية تأتي في بعض الفصول، على الرغم من عدم نية ذلك، لإكمال صفحات سيرة دوره السياسي المحدود. وكان معصوم كما يذكر قد طلب في رحلته للقاهرة زيارة قبر الرئيس جمال عبد الناصر، وفي طريق زيارته أخذ يتذكر أولى لحظات قدومه للقاهرة سنة 1958 ودراسته الشريعة والقانون في كلية الأزهر! وبعدها درس الفلسفة في كلية أصول الدين، واقترح عليه يومها محمد غلاب كتابة بحث عن إخوان الصفا (لاسيما وأنك عراقي لديك الرغبة في ذلك طبعا). ومما يستحق الذكر هنا أيضا أنه زار طه حسين ليحدثه عن هذا الاقتراح، فسأله طه «واضح من لهجتك أنك لست مصريا، من أي بلد عربي أنت» وحين عرف أنه من العراق قال له: «أنصحك بالتخلي عن دراسة إخوان الصفا.. أنت عراقي.. لو كنت شيعيا فستنحاز لإخوان الصفا، وإن كنت سنيا فستنحاز إلى موقف ضدهم، اترك موضوع إخوان الصفا» لكن طه حسين سيعدل عن ذلك عندما أعلمه معصوم بأنه كردي عراقي «وأن الكرد بشكل عام غير متعصبين دينيا ولا مذهبيا» ولا نعلم هنا مدى دقة هذا التوصيف الذي يقدمه معصوم، خاصة أن الأكراد لطالما اعتزوا بدورهم في تاريخ الإسلام السني، وربما تراجع هذا الشعور على صعيد الحراك السياسي والثقافي الكردي في العقود الأخيرة، مع صعود الفكر القومي، لكن بقيت آثاره ظاهرة في المزاج العام الكردي، وإلى يومنا هذا (الشارع الكردي في أربيل مثالاً).

حصار أربيل

يعد الفصل الأخير الأهم في سيرة معصوم المختصرة، إذ يتطرّق للحظات التي سبقت قرار مسعود البارزاني بإجراء استفتاء على استقلال كردستان العراق، في عام 2017، ولعل ما جعل معصوم يبوح هنا ببعض التفاصيل مقارنة بباقي فصول السيرة التي ظل فيها متحفظا، هو الثأر من تعنت البارزاني في قراره، خاصة أنه كان يرى أن الظروف لم تكن تسمح آنذاك بالاستقلال. ومما يذكره هنا أنه في عام 2015 زار البارزاني برفقة وفد كردي واشنطن، والتقي أوباما ثم بايدن (الذي يصفه بالخبير في الشأن العراقي) وخلال اللقاء وجه بايدن الكلام إلى كاكا مسعود: «ربما يأتي يوم نرى فيه نحن الاثنين دولة كردية، لكن الآن لا توجد مثل هذه الفكرة». كما يذكر في هذا السياق أيضا التهديدات المبطنة التي وصلتهم لاحقا من إيران عبر قاسم سليماني الذي قال لمعصوم: «أنا متألم جدا، فقد كنت دائما صديقا للكرد في العراق، لكن الآن تحتم الظروف أن أكون في مواجهتكم» وقد بقي مسعود ينفي الواقع والحسابات الإقليمية. وقد يعلق البعض على هذا الكلام بالقول إن رأي معصوم هنا يعكس موقف الاتحاد الديمقراطي الكردستاني، الذي آثر الحياد (أو الخيانة) بدلا من الوقوف إلى جانب بيشمركة أربيل وهي تقاتل في كركوك، لكن حوارات الرجل ولقاءاته تظهر أنه حاول قدر المستطاع أن يحفظ ما تبقى من فرص أمام أكراد العراق كي لا يخسروا كل شيءّ، وهو بذلك كان يحافظ على وصية شيخه جلال الطالباني، الذي وجد أن أكراد العراق باتوا أقرب إلى بغداد بعيد عام 2003 وأنّ زمن الانعزال قد ولى، وأنّ شيمة السياسي الناجح الاعتراف بالواقع بدلاً من محاولة القفز عليه.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

السيرة الذاتيةالعراقفؤاد معصوممحمد تركي الربيعو